يتصدر «الشرق الأوسط» أُولى أولويات الدول العظمى والدول الأقل عظمة؛ نظرًا لما يحتويه من خصائص، ليست موارد طبيعية وبترولية فحسب، بل إنّ لهذه الجغرافيا وأنظمتها السياسية مزايا التبعية والإثنية، وخصائص الأنظمة السياسية الطامحة إلى الإنسلاخ عن مضمونها القومي لصالح قضايا وأهداف ليس لها علاقة بأهمية وجودها المادي على الأرض، وكذلك مجموعة من الخصائص التي تفتح شهية الكثير من الدول العابرة للقارات، لتصل إلى هذه المناطق، وإنشاء مصالح استراتيجية تحقق مكاسب على المدى البعيد.

الولايات المتحدة الأمريكية تضع الشرق الأوسط ضمن التسلسل رقم واحد على قائمتها الاستراتيجية، وتعطي فرصة لخصومها، وأصدقائها حضور المشهد الكامل؛ لفهم أهمية أن الشرق الأوسط يقع ضمن ملكية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لكن، يمكن بالضرورة أن يكون هناك تحالف مشترك حول إدارة الوحدات السياسية فيه باستراتيجية أمريكية تخدم المصالح بنسبة مرضية لجميع الأطراف.

رؤية، ومبادئ، وبدائل، ونفسٌ طويل

من جهة الغرب، فإن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تنطلق من مرتكزين اثنين هما: الأول أن الولايات المتحدة تقوم باتخاذ القرار السليم بعد تجربة الخيارات والبدائل، ويؤكد ذلك الزعيم البريطاني «وينستون تشرتشل» بقوله «الأميركيون يفعلون الشيء الصحيح بعد تجربة كل البدائل الأخرى». والثاني: يعتمد على دور المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، ومراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية، ووزارة الدفاع الأمريكية، وهذه المؤسسات هدفها الرئيس هو استخلاص الأحداث حول العالم وتحليلها من أجل خدمة المصالح الأمريكية، وجعلها فوق كل اعتبا، سواءً كان عدوًا أو صديقًا.

فالولايات المتحدة تمارس استراتيجية طويلة الأمد ومعقدة، تتداخل فيها الكثير من السياسات التي تعتمد على إبقاء مصالح الولايات المتحدة على أعلى مستوياتها، لذلك فقد أكد تقرير «جيفري جولدبرج» الذي تم بناءً على استخلاصات المحللين الأمريكيين، حول التحولات الهيكلية في السياسة الخارجية الأمريكية، لتحليل مجموعة من خطابات وتصريحات «أوباما» والمقابلات الصحفية التي أجراها، والتي تكشف عن استناد سياسته الخارجية لعدة مبادئ منها:

  • أن تشارك الدول الحليفة والمنخرطة في تقوية مصالحها في الشرق الأوسط إلى «المشاركة في التكلفة»، وعدم ترك الولايات المتحدة تخوض مراحل استنزاف لوحدها.
  • العمل وفق سياسة «القيادة من الخلف»، فالولايات المتحدة لم يعد بإمكانها القيام بأدوار منفردة في كافة بؤر الصراع، مما يجعلها تعمل على تقليل الدخول في الصراعات التي لا تحظى بأولوية قصوى بالنسبة لمصالحها.
  • محاولة «الإحجام عن التدخل» بشكل عسكري ومباشر، ما لم يحقق غاية الأهداف الأمريكية على أرض الواقع.
  • ممارسة «الاحتواء الناعم» و«التوازن المرن» اللذين يحققان تكافؤ في المصالح ورؤية مشتركة لرسم الأهداف العليا للحلفاء، وكذلك الخصوم، في أوقات الأزمات الدولية.
  • مواجهة «صعود تهديدات المناخ» في محاولة لإيجاد منابع احتواء اللاجئين؛ نتيجة لحالات الجوع والعطش، ونقص الموارد الطبيعية، والغذائية لبعض البلدان، وهذه المواجهة تتطلب جهودًا دولية.
  • في النهاية فإن «التوجه نحو آسيا» قد يزيد من مستقبل الولايات المتحدة في إعطاء عروض قوية لتصعيد مصالحها انطلاقا من نقطة الارتكاز، وهي الشرق الأوسط.

جنون العظمة والتمدد الحر

من جهة الشرق، فقد تبدلت سياسة إيران الخارجية بعد العام 1979، وتغير النظام السياسي من النظام «الشاهنشاهي» إلى النظام «الخميني»، وأصبحت توجهات إيران أيديولوجية مؤطرة باستراتيجية شغوفة إلى التوسع الإقليمي، ومندفعة بقوة لتحقيق أهدافها، تحركها لذة الانتصاربالثورة إلى أن تتوسع باتجاه جوارها. فالتزمت إيران نهجًا ثوريًا سياسيًا للقضاء على الوجود الأجنبي، وتثبيت دعائم العداء الدائم لإسرائيل وأمريكا، وإيقاف طموحات المصالح الغربية الخانقة للمصالح الإيرانية، ونموها الساعي إلى حرية وجود دائرة للتمدد.

تنامت ردة فعل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أيضًا بعد العام 2003، فبعد دخول القوات الأمريكية العراق في 2003، وسقوط نظام «صدام حسين»، واختلال توازن القوى، دفعت إيران بكامل أوراقها الذهبية باتجاه العراق، «فيلق القدس»، و«الحرس الثوري الإيراني»، اللذين امتلكا دورًا ومباني توزعت على رقع جغرافية في جنوب العراق، وخاصة كربلاء والنجف، ودعمت «الأحزاب السياسية الشيعية» الموالية للنهج الإيراني، لتصل إلى رأس هرم السلطة في العراق، ويكون لإيران موطئ قدمٍ لا تزِل تنطلق منه لتثبيت دعائم أُخرى.

إنّ إيران، بتدخّلها المتشعّب والمتعدّد المستويات في العراق، تعترض قيام النظام المتوازن الجديد لنهضة وطنية طال انتظارها، وبدعمها للنظام القاتل في دمشق، قد أطالت بعمر المأساة السورية، وساهمت بشكل رئيس بتحويلها إلى مواجهة أهلية طائفية عضال، كما أنها بتعزيزها لأداتها اللبنانية، أي «حزب الله»، قد منعت قيام الدولة في لبنان، وصولًا إلى اغتيالات ممنهجة لخصوم مشروعها، وبمحاولتها تكرار التجربة اللبنانية في اليمن، أسقطت الثورة اليمنية، ودفعت اليمن باتجاه حروب استنزافية دامية. كل هذا، فيما بعض الأصوات المحسوبة على الإصلاحيين في طهران، تجاهر وتفاخر باحتلال أربع عواصم عربية، وفيما الأجهزة الأمنية في مختلف دول المنطقة تكشف الخلايا والخطط الإيرانية لأعمال تخريبية متنوعة، وتتبين نية إلقاء اللوم بشأنها على جماعات عنفية غير مرتبطة بها.

إن سر قوة إيران في المنطقة ينبع من أيديولوجيتها الثورية وقدرتها العسكرية على تطوير هذه الأيديولوجية من خلال توسيع عمقها الاستراتيجي على جبهتين: الأولى بالقرب من الحدود الإسرائيلية عبر التدخل في سوريا ولبنان، والثانية التغلغل أكثر في الأراضي العراقية عن طريق الميليشيات الشيعية، وأدوات أخرى. فمن وجهة نظر المرشد الأعلى يمكن للقوة العسكرية فقط أن تضمن مصالح إيران وتحميها من مضايقات القوى العظمى؛ لأن الدبلوماسية وحدها غير كافية لمواجهة سياسات الغرب العدائية، وخاصة الولايات المتحدة.

مناطق اللعب وحدود الجغرافيا

إن الملاحظ لحدود التوسع الإيراني، على طول الجغرافيا الممتدة جنوبا من اليمن والبحرين والإمارات والخليج، مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان، يشاهد صورًا لآثار الوجود الفعلي الإيراني، وهذا إن دل، فإنه يدل على قوة إقليمية، يرجع بالسبب، إلى الإفراط في العقلية الاستراتيجية الايرانية، وثقة إيران بنفسها أنها استطاعت – حسب وجهة نظرها – أن تتحدى القطب الذي هزم الاتحاد السوفيتي في وقتٍ ما، بإعلان طموح إيران النووي، إضافة إلى ملء ميزان القوة في الشرق، ومزاحمة أمريكا وإسرائيل في الشرق الأوسط.

هنا تتوقف الرؤية الإيرانية المتعالية على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ومطلقًا بات التمدد الإيراني يقترب من استثارة رد الفعل الأمريكي، فالولايات المتحدة ـ حسب عقيدتها ـ لا تسمح لأحد بأن يسرق مصالحها «الجيو ـ سياسية» في الشرق الأوسط، ولا يمكن اعتماد إيران كحليف مستقبلي؛ إذ يشير تقرير جديد لمعهد واشنطن حول الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بأنه «لا يمكن لإيران أن تكون حليفًا مفترضًا». حيث اعتبر كتّاب التقرير، وهم مجموعة من كلا الحزبين الأمريكيين – الجمهوري والديمقراطي – أنه، فيما يتعلق بإيران، من المنطقي عقد اتفاق نووي شامل «إذا كان يسمح لإيران بامتلاك برنامج نووي سلمي، ولكن يحظر عليها امتلاك القدرة التي تخولها أن تصبح دولة تمتلك أسلحة نووية».

وفي سياق التوصل إلى إتفاق نهائي، يحث معدّو التقرير الإدارة الأمريكية على العمل بشكل أوثق مع الكونغرس في الوقت الحالي حول عواقب الانتهاكات الإيرانية المحتملة وعلى توفير سبل ملموسة لطمأنة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة حول الالتزام الأمريكي بأمنهم.

وبشكل أعم، يحث التقرير على اتخاذ إجراءات للحد من نفوذ الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، ويحذّر من التعاون الأمريكي الإيراني في المعركة ضد المتطرفين السنّة الأصوليين. ويعتبر التقرير أنه في نهاية المطاف، إذا كانت الولايات المتحدة تأمل في تعبئة السكان العرب السنّة في العراق وسوريا لمعارضة «داعش» – علماً أن هذه التعبئة تشكل عنصراً أساسياً لتهميش التنظيم – لا يمكن لإيران أن تكون حليفًا مفترضًا. إن ظهور مثل هذه الشراكة ستحول دون أي جهد سنّي جاد لنزع شرعية تنظيم «الدولة الإسلامية».

تجدر الإشارة إلى أن السياسة الخارجية الواقعية للولايات المتحدة ترتكز على إيجاد عدو خارجي، يتم المبالغة في توصيف خطره، ويُستخدم كمسوغ لتوحيد المجتمع الأمريكي. تبعًا لذلك يتم تبني سياسات داخلية وخارجية ما كانت لتمرر، لولا وجود هذا العدو. فتعطي الولايات المتحدة بعض المساحة لتمارس إيران دورها الذي ينوب كثيرًا عن دور أمريكا فيه، بل يعطي أمريكا حرية أكبر في إدارة أكثر من ملف في المنطقة، وفي نفس الوقت تحمل إيران عنها إدارة الملف العراقي، «بشرط أن تبقى إيران داخل حدود منطقة اللعب الخاصة بها»، وحسب ما رسم لها من تحرك سواء في العراق أو سوريا، بعكس ذلك، قد تؤدي إلى ظهور قوة «عظمى» إقليمية يصعب التحكم بسياساتها الخارجية، فتضطر إلى ردعها بالقوة، تؤدي إلى سياسات لا تحمد عقباها، وإيران غنية عن العواقب الدولية.

وقد أشار كُتّاب التقرير إلى ضرورة العمل على عدد من الأهداف في سنة 2017؛ لتوضيح حدود المصالح، ورسم صورة واضحة للقدرة الأمريكية، وطمأنة الحلفاء في المنطقة وهي:

  • دعم العشائر السنية؛ لجعلها قادرة على مواجهة تنظيم «داعش».
  • استعادة وتأمين المدن الرئيسة في العراق، ومنها الموصل، وضمان عدم وجود تهديد لبغداد (العاصمة الفيدرالية مستقبلًا).
  • التقليل من المليشيات الشيعية، يشمل ذلك التخلص من القيادات المتطرفة بالقوة.
  • زيادة إنتاج النفط والاستثمار وتأمين صفقات نفطية وتجارية.

في نهاية الأمر تبقى مصالح الولايات المتحدة الامريكية فوق كل اعتبار، ومتركزة حول منطقة الشرق الأوسط، بالرغم من تناقل الأخبار، وانتشار القائلين، بتدني اهتمام السياسة الخارجية، وهبوط المصالح الأمريكية حول المنطقة، وفيما يتعلق بإيران، فإن الولايات المتحدة قد تمارس ضغوطًا تتصاعد حدتها تدريجيًا كلما حاولت إيران لمس المصالح الأمريكية أو العبث بملكية العوائد التابعة لها في الشرق، إذ إن السياسة الخارجية الأمريكية في اهتمام جدي نحو الشرق الأوسط؛ باعتباره نقطة ارتكاز أساسية لسياسات بعيدة المدى تصل إلى أهداف «جيوبوليتيكية» تتعلق بمناطق أورواسيا.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد