أمريكا تشتعل؛ متابعة أحداث كهذه ومعرفة الجديد المتعلق بها أوَّلًا بأول ليس من قَبيل الترف الأخباري بل قصد التحليل وفهم طبيعة الشعوب عند تعرضها للظلم، الكرامة الإنسانية التي خرجت لأجلها الشعوب العربية في تونس وليبيا واليمن وسوريا والعراق؛ هي ذاتها ما يطالب به السكان السود في أمريكا، وهي نفسها التي خرج من أجلها متظاهرو السترات الصفراء في فرنسا: الحرية، العدالة، الكرامة، لا شيء يعلو فوق هذه الحقوق الأساسية للإنسان مهما كانت ديانته وتياره السياسي وأصله العِرقي والجغرافي.

خلال ثماني دقائق كاملة كان جورج فويلد المواطن الأمريكي الأسود خاضعا تحت ركبة الشرطي الأبيض الذي رفض الابتعاد عنه مع أن جورج كان يستغيث: «أنا لا أستطيع التنفس، رقبتي تؤلمني، معدتي تؤلمني، ما تفعله بي سيقتلني!»، تحت أنظار باقي أفراد الشرطة وبعض المواطنين الذين اكتفوا بتصوير المشهد المرعب والصراخ في وجوه قوات الأمن؛ لَفَظَ جورج الأسود آخر أنفاسه، مات الرجل مستغيثا جلاده، لم ينتظر طائر العنقاء كثيرا حتى صاح في مدينة المنية «Minneapolis» (ولاية ميزوري) وملأ السماء بالنعيق: لن يهدأ لي بال حتى تأخذوا بثأر أخيكم الأسود، خرج الآلاف من سكان المدينة رغم إجراءات الحجر المنزلي إلى الشوارع مطالبين بتحقيق سيف العدالة على قتلة أخيهم، واجهوا قوات الأمن بصدور عارية وقلوب مشتعلة بنار الغضب، «نار وغضب» تماما كما تنبأ بذلك صحفي مقرب من البيت الأبيض في كتابه الشهير حين دخلت أمريكا عهد الرئيس اليميني المتطرف دونالد ترامب الذي وصفه المفكر الأمريكي نعام تشومسكي مؤخرا بأنه معتل اجتماعيا.

«لا أستطيع التنفس» I can’t breathe!

حاملين هذا الشعار الذي كان آخر ما تلفظ به الضحية جورج فلويد؛ أحرق المحتجون الغاضبون مقر الشرطة واعتدوا على كثير من مؤسسات الدولة غير مُبالين بأي شيء يعترض غضبهم أو يحد من مسيرة العدالة التي يطالبون بتحقيقها، هكذا كما في الصور الحمراء قضى السكان ليلتهم الثالثة، بينما وفي ذروة الأزمة يخرج المعتوه بتغريدة على تويتر واصفًا إياهم بالبلطجية «thugs» وقال إنهم: شوهوا صورة الضحية جورج في زعمه، ثم صعد في خطابه قائلا: إن أعمال الشغب تتطلب إطلاق الرصاص لإخمادها! هكذا هدد الرئيس مواطنيه بالرصاص الحي لمنعهم من المطالبة بحقوقهم بل لمنعهم من ممارسة حقهم البسيط في الاحتجاج! وقال في تغريدة أخرى: إذا تجاوز هؤلاء البلطجية أسوار البيت الأبيض فستواجههم الكلاب الشريرة والأسلحة الفتاكة! في دولة لا يزال تمثال الحرية فيها شاهدًا على بناء نظام فوق جثث ملايين السود؛ يتجلى السؤال الأكثر إحراجًا لكل مفتون بتلك الحضارة: أين هي تمثلات القيم الغربية في أوقات الأزمات؟!

خلال ذلك؛ تعتقل الشرطة وعلى الهواء مباشرة مراسل قناة CNN ومساعده المصور وتُلقي بالكاميرا على الأرض، تبقى الكاميرا تلتقط مشاهد الأرض السفلى: أحذية الجنود المدججين بالسلاح وكل ما يقيهم من أي أذى أو ضرر محتمل، خاصة إذا كان صادرا عن الصحافة التي تنقل الحقيقة، يا له من تطبيق عملي واضح وساخن عن الديكتاتورية حيث يخاف الحاكم القوي من قوة الكلمة، عقلاء أمريكا سيسعون بكل تأكيد للتنازل عن أي شيء قصد المحافظة على الدولة العظمى، سيحاولون امتصاص غضب الشارع كما نجحوا في ذلك من قبل مئاتِ المرات عندما قُتل العديد من السود والمسلمين والمهاجرين واللاتين والآسيويين، لكن لن يكون هذا وصفة ناجحة أبدية عبر العصور، هناك دائما تلك اللحظة الخطيرة المرعبة التي يثور فيها البركان الشعبي الأعظم ليقذف حِمَمَهُ على كل ما حوله وحينها لن يوقفه أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد