في العامين 1991- 1992، متغيرات حيوية حصلت:

– حرب الخليج الثانية «الغزو العراقي للكويت».

– تحول النظام الدولي لأحادي القطبية لصالح الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

– نضوج رؤية إسرائيل لمنطقة الشرق الأوسط، والتي عبر عنها شمعون بيرس في كتابه الشرق الأوسط الجديد 1992.

المشهد العراقي وتطبيقه نموذجًا على السعودية

إن المتغيرات السابقة متجسدة شكلت عنوانًا لاستراتيجية الولايات المتحدة التي تقوم على تفتيت المنطقة واستئصال خيراتها؛ منسجمة بذلك مع رؤية الاحتلال الإسرائيلي، في رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، حيث: بدأت ركيزة توجهاتها إلى العراق في ذلك الحين.

على اعتبارها أحد مراكز القوة المهمة: وذلك للاعتبارات التالية «النظام البعثي الممانع والرافض لسياسات الولايات المتحدة، العداء لطهران خاصة أنه كان خارجًا من حرب طاحنة معها وهو ما سنشير له لاحقـًا، علاوة على ذلك العداء العربي للعراق صدام، وأهمها الخليج العربي وفي القلب منه السعودية، كلها شكلت أرضية خصبة لتهيئتها لأن تكون في قلب الاستهداف.

فتم استدراجها في الكويت من قبل الولايات المتحدة، عام 1991، وبعدها تخلت عنها الولايات المتحدة وضربت الخليج في مقتل، وحشدت القوى الإقليمية والدولية، لمواجهة العدوان البعثي والتي كانت تركيا من ضمن حلف مواجهة العراق، فقد أغلقت أنبوب الغاز الرئيس، كما أن السعودية كانت مركز الطلعات الجوية لضرب العراق، والتي جعلت من أراضيها مرمى نيران لحرق بغداد، وإخراجها من دول الخليج، علمًا بأن العراق تطل عليه من خليج البصرة.

ثم فرضت بعدها حصارًا جائرًا استمر إلى عام 2003، حيث الغزو الأمريكي للعراق، والذي شهد صمتًا عربيًا خليجيًا، فأنهك العراق وتفتت وتخلت السعودية عنه استاتيكيًّا، وتركته لقمة سائغة لاستباحة إيران والنظام الشيعي له، فهذا يدخل في إطار المنافسة الإقليمية وحماية مصالح قوة على حساب الأخرى، إلى أن وصل العراق إلى ما هو عليه الآن.

إلى هنا: إن هذا المسلسل الذي بدأت فيه الولايات المتحدة، تجاه القوى المركزية، يبدو أنها تتعامل فيه من جديد، وبسيناريو العراق نفسه، لكن اليوم الدور التسلسلي على السعودية، والتي كانت هي مركز إضعاف العراق، بالسيناريو نفسه، فمنذ أن فرضت السعودية الحصار على قطر كان هذا بمثابة استدراج لها كما استدرجت فيه العراق للكويت، علمًا بأن المحرك الرئيس الآن للسعودية هي الإمارات العربية المتحدة.

فالمشهد اليوم: يكتب نفسه بهذا الشكل وبهذا المضمون، فالأزمات تتصاعد، والانحدار سيد الموقف، وإيران ما زالت تراكم قوتها وهيمنتها، لكن المستنزف الحقيقي في اليمن ولبنان وداخليًا، هو السعودية ذاتها، كما أن جوارها الجغرافي الذي بات كرة ملتهبة حارقة، على أعتاب العاصمة الرياض، فهي في مرمى صواريخ الحوثي البالستية، حتى العراق الذي كان يجب أن يكون قوة وسندًا للمملكة، تركته وحده للتهميش والضعف، فلم تحسم في سوريا ولا في اليمن، بل فتحت جبهات جديدة، اعتبرتها قنابل دخانية، وساحات مواجهة تبادلية بينها وبين إيران «كلبنان»، والذي سيزيد الطين بلة في التعامل مع مجريات الأحداث واستدراج المملكة إلى حيث يريدها أعداؤها.

الجديد في السلوك الأمريكي تجاه السعودية

على الرغم من العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة والسعودية، إلى أن الحليف الأمريكي حليف براغماتي مصلحي، يتحرك أينما تتحرك مصالحه، لذلك سنتحدث هنا: في أحد الزوايا المهمة التي دفعت العلاقات بالتراجع:

فلم تركل الولايات المتحدة الأمريكية للسعودية من فراغ، ولم تبتزها بهذا الاتجاه أيضًا بشكل عبثي، ولم تخطب السعودية أيضًا ود أمريكا هكذا.

فهي اليوم لم تعد بحاجة للنفط السعودي، بالشكل الذي كانت عليه في السابق، فالولايات المتحدة ووفق «وكالة الطاقة الذرية» فإنها ستسهم في تصدير النفط «الزيت» الصخري بنسبة «80% » عالميًا البديل عن النفط الأسود، مما يضعف الحاجة للنفط من المملكة أو المنطقة، والذي سيشكل احتكارًا مركزيًا للنفط من قبل أمريكا.

لذلك دأبت الأخيرة على ابتزاز المملكة سياسيًا للأجندة التي تفرضها عليها اليوم، وهو الذي دفعها أيضًا لابتزاز الأخيرة بقانون جاسيتا، والذي عزز من سطوة أمريكا على شركة آرامكو أكبر شركة نفط عالمية، برئاسة الأمير محمد بن سلمان.

ثورات الربيع العربي في رسم المشهد

منذ عام 2011، ظهرت على السطح ثورات الربيع العربي، والتي كانت بفعل إرادة الجمهور العربي الذي يرنو إلى الحرية والتغيير، فقد عاشت الشعوب مخاضًا مهمًا ما زالت تعيش أصعب فصوله في هذه المرحلة، فلا نجحت الثورات ولا استقرت الأزمات.

ففي ظل هذا الربيع كان الوقوف الغربي والإسرائيلي، على الواقع العربي، وماذا يحصل في المنطقة، وفي ظل هذه التحولات التي لم تكن مفاجئة للغرب من حيث السلوك، فلقد أعدت نفسها مسبقـًا، لهكذا سيناريوهات، «وهو ما يعرف بخطط الدرج»، إنما المفاجئ كان التوقيت، الذي لم تكن تظهر إرهاصاته جيدًا.

جاء الدور الأمريكي لاستغلال المشهد، ووأد تلك الثورات في مهدها بأدوات عربية صانعة للقرار، بما يخدم الأجندة الغربية وفق الخطط والأهداف الاستراتيجية العليا، القائمة على تفتيت المنطقة ونهب ثرواتها، فالغزو الأمريكي للعراق، ضرب أطنابه، وما فرضته الولايات المتحدة على المنطقة من اتفاقات اقتصادية ذات أبعاد استعمارية، كلها تعبر عن الرؤية الأمريكية في اتباع سياسة الأمركة في هذه المنطقة.

إيران وتوجهاتها والسلوك الأمريكي

في 1979؛ عقب انتصار الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه؛ رفعت شعار لا شرقية ولا غربية إسلامية إسلامية؛ بالإشارة إلى الولايات المتحدة وروسيا إبان الحرب الباردة؛ على اعتبارها قوة جديدة في مربع مواجهة القطبين المركزين في وقتها، حيث إن الجماهير العربية قد رددت هذا الشعار، أيضًا إيمانًا منها بهذه الثورة وهذا الشعار. على الرغم من أنها رفعت شعارًا آخر وهو تصدير الثورة، والذي نعيش فصوله في الوقت الراهن، في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، لكن المعادلة سقطت عند أول اختبار، وهو حرب الخليج الأولى (1980- 1988)، فما كان من العرب إلا التراجع في نظرتهم لإيران، وازداد عداؤهم لها.

وفي 1996، اتخذت إيران في عهد محمد خاتمي سياسة جديدة، تجاه علاقاتها الإقليمية على قاعدة ترميمها، وبدأت بأهم تلك العلاقات مع المملكة العربية السعودية، والتي تفهم وقتها الأطراف إلا أنه لا بد من انتهاج سلوك جديد في العلاقات، للخلاص من الأزمات.

ثم جاءت المرحلة الحالية، عقب ثورات الربيع العربي، والتغول الإيراني في المنطقة، لا سيما في سوريا واليمن والعراق، وها نحن اليوم نعيش فصول الأزمات واتساع وتيرتها، التي على أشدها بين السعودية وإيران، والتي يستثمر فيها أعداء المنطقة مصالحهم.

لذلك أعتقد أن المطلوب في المرحلة الحالية التالي

أولًا: تغليب لغة العقل والحكمة؛ ولتتخذ المنطقة قرارات وحدتها مجتمعة؛ وبيدها ذلك؛ وليرفع شعار لا لهيمنة القوى الكبرى؛ ولتكن المنطقة متحدة كقوة كبرى لتواجه تحدياتها.

ثانيًا: إن الإقليم لا يحتمل مزيدًا من الأزمات؛ ولن تحسم معركة لطرفين في منطقة واحدة تتساوى في القوة؛ ويتحركون لمشاريعهم؛ وهنا: أقصد «إيران والسعودية»، وعليه فإنه وبعد سنوات من الطحن وسفك الدم سيتجه الجميع إلى طاولة الحوار، للوصول إلى النتيجة التي قبل الأزمات.

ثالثًا: على المملكة العربية السعودية أن تتصرف مع أزمات ومشكلات المنطقة، وفق المنطق الذي يستند إلى هيبتها وكيانيتها ومكانتها، كقوة مركزية في الإقليم، وفق الحوار والمرونة ولين الجانب.

رابعًا: على الجمهورية الإيرانية أن تتوقف عن التغول على المنطقة، وأن تتشكل في تحقيق الاستقرار في المنطقة، فلا يعقل أن تستمر هذه الفوضى بهذا الشكل.

خامسًا: على القوى الإقليمية أن توحد مواقفها تجاه التحديات التي تعصف بالمنطقة، وتفعل دور الوساطة، لتحقيق الاستقرار في العلاقات وأهمها «إيران والسعودية».

سادسًا: يجب ألا يغفل العرب في القلب منهم الخليج العربي، أن إيران دولة جارة مرتبطة في المنطقة بعمق التاريخ والجغرافيا، فالحسم معها مستحيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد