في الحروب عادة ما تركّز وسائل الإعلام على الضحايا والدمار، وتهتمّ الشعوب بسير العمليّات العسكرية والأمنية. وينسى الجميع البُعد الجيو-سياسي، وكذلك الخلفيّات الاقتصادية والمالية للجهات المتورّطة، ولمن يقف وراءها. وهذا ما ينطبق تماماً على المشهد الحالي في سوريا، حيث تتجاوزالأحداث مسألة «إسقاط دكتاتور» من هنا أو مسألة «قمع مسلّحين متمرّدين» من هناك، وهي ترتبط مباشرة بمصالح حيويّة فائقة الأهمية للدول الإقليمية الأساسية، وللدول العظمى أيضاً.. كيف ذلك؟

إنها لعنة الجغرافيا التي أصابت منطقة الشرق الأوسط عموما وسوريا خصوصا، فتجمع أطماع عدة دول للاستفادة من الموقع الجغرافي لتحقيق أهداف اقتصادية معينة.

تعود الحكاية إلى رغبة دول أوروبا لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بعد تفعيل اتفاقية كويتو عام 2004 وبدأت في الحصول علي مصدر نظيف للطاقة وإلغاء الاعتماد على الطاقة النووية خصوصا بعد تسريب مفاعل فوكوشيما 2011، وخصوصا ألمانيا التي تعهدت بغلق كافة المفاعلات المولدة للطاقة عام 2022 واستبدالها بمصادر نظيفة للطاقة.

ترجع أهمية موقع سوريا الجيواستراتيجي لأنه يعتبر معبرا مهما لمرور أنابيب مرور النفط والغاز المحتملة مثل خط كركوك بانياس الذي توقف بعد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003.

أخذت سوريا بزمام المبادرة وبدأت الدعايا لمشروع ربط البحار الأربعة عن طريق مشروع يسعى إلى تأسيس بنية تحتية قوية، تجعل من هذه المنطقة، عقدة حيوية لعبور الأشخاص والبضائع، ولتوليد ونقل الطاقة، ففي كلمة للأسد أمام منتدى رجال الأعمال السوري الأذربيجاني في تموز 2009 أكد ضرورة الربط الفيزيائي بين البنية التحتية لدول المنطقة مما يشكّل شبكة متكاملة من أنابيب الغاز والسكك الحديدية والموانئ التي تربط بين البحار الأربعة، المتوسط والأسود وقزوين والخليج حتى البحر الأحمر، وأعاد التأكيد على هذه النقاط خلال زيارته لأرمينيا في نفس العام .

بدأت الفكرة باقتراح من قطر بتوصيل خط انابيب للغاز مرورا بقطر والأردن وسوريا إلى تركيا، التي تعتبر عقدة خطوط الغاز لأوروبا وربطه بخط الغاز العربي الذي يبدأ من مصر إلى الأردن، وقوبل هذا المشروع بالرفض من جانب روسيا الحليف الاستراتيجي لسوريا لأن ذلك يضر بأهداف روسيا الاستراتيجية في السيطرة على سوق الغاز لأوروبا من جهة أوكرانيا وبحر البلطيق.

في بداية مظاهرات الثورة السورية تم إطلاق فكرة الخط الإسلامي لنقل الغاز من حقل بناس في الخليح العربي إلى سوريا مرورا بالعراق، تمهيدا لربطه بأوروبا مستقبلا وتم توقيع الاتفاق في 25 يوليو 2011 ، قبيل بدْء الثورة المسلحة ببضع أيام.

الصراع الأمريكي الروسي خارج سوريا

لكي نفهم حقيقة الصراع الروسي الأمريكي داخل سوريا ينبغي أن نفهم طبيعة الصراع بينهم في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وحتى إفريقيا لكي نستطيع الربط في ما بين نقاط الصراع.

روسيا تدرك أن سقوط الاتحاد السوفيتي كان بسبب التدهور في النواحي الاقتصادية، وأنه يجب الاهتمام ببناء قوة اقتصادية كبيرة مستغلا كون روسيا تملك أعلى احتياطي من الغاز في العالم، وبدأت بإمداد أوروبا بالغاز عبر شبكة أنابيب تمر عبر أوكرانيا وبيلاروسيا ولكن خلاف حصل خلاف. ظاهره تجاري، في 2004 بين روسيا وأوكرانيا حول سعر الغاز أدى إلى تخفيض ضخ روسيا للغاز حوالي 48 ساعة، طبعا في ظل حكومة أوكرانيا الموالية لأمريكا.

تلقت أوروبا وأمريكا الإنذار وبدأت في التفكير بحلول لتوفير الغاز الطبيعي لأوروبا إلى أوروبا من آسيا الوسطى دون المرور بروسيا، لتجنب تكرار هذا الموقف واستغلال روسيا الغاز كسلاح اقتصادي ضد أوروبا، وتمثل هذا في اتفاق خط أنابيب نابوكو الذي تمخض الاتفاق عليه في 2009 كما تم الاتفاق على خط تاناب الذي ينقل الغاز من بحر قزوين عند أذربيجان إلى اليونان عبر تركيا المزمع تشغيله 2018.

الرد الروسي

ردت روسيا على محاولات الالتفاف على حصتها في ضخ ربع الغاز إلى أوروبا عن طريق استراتيجية جديدة:

1- شراء معظم الغاز المستخرج من بحر قزوين من الدول المنتجة وإعادة ضخه عبر أنابيبها.

2- التعاقد على إنشاء السيل الشمالي الذي يمر من بحر البلطيق إلى شمال ألمانيا ومن ثم توزيعه على الدنمارك وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا والنمسا والتشيك وبولندا افتتح في 2011.

3- التعاقد على السيل الجنوبي الذي يمر بالبحر الأسود قريبا من القرم إلى بلغاريا ورومانيا والمجر والبلقان. (توقف المشروع عقب الأزمة الأوكرانية 2014).

بعد فشله بسبب أزمة أوكرانيا تم التعاقد على السيل التركي لنقل الغاز إلى تركيا ثم اليونان ومنها إلى أوروبا.

4- التعاقد على السيل الإفريقي الذي يمر من شمال نيجيريا إلى النيجر إلى ليبيا أو الجزائر ومن ثم إلى إيطاليا وتم شراء 50% من حصة شركة إيني الإيطالية بعد موافقة بيرلسكوني.

5- التعاقد على مشاريع تنقيب عن الغاز في فنزويلا وإنشاء خط لتسييل الغاز .

6- تم ضم إقليم أبخازيا من جورجيا (2008) لاحتكار تصدير الغاز عن طريق ربطه بخطوط الأنابيب الروسية إلي أوروبا

الرد الأمريكي

1- تم إشعال الاحتجاجات في أوكرانيا (يمر منها 80% من الغاز الروسي لأوربا) ضد الرئيس يانكوفيتش الموالي لروسيا وتم اسقاطة وتولي حكومة موالية لأمريكا .

2-التقارب مع إيران والموافقة علي ضخ إيران للغاز والاندماج عبر خط تاناب لنقل الغاز من عبر تركيا الي أوروبا

3- محاولة انشاء دولة كردية في شمال سوريا الي الساحل لتطويق تركيا من الجنوب والتهديد باقامة دولة كردية تمهيد لانفصال جنوب شرق تركيا) بعد التقارب التركي الروسي في أوائل 2014 .

4- عرقلة السيل الافريقي عبر المساعدة في ازالة نظم القذافي ودخول فرنسا مكان ايطاليا في ليبيا وسط امتعاض روسي..ولاحقا تم ازاحة بيرلسكوني من الحكم 2013 ومحاكمته .

5-تم الضغط علي بلغاريا لمنع السيل الجنوبي لأنه يتعارض مع قانون حزمة الطاقة الثالثة للإتحاد الاوربي حيث يمنع الدول المصدرة من امتلاك خط الغاز ..واعتبرته روسيا عقوبة من أوروبا بعد ضم القرم فيما أصرت إيطاليا علي تنفيذ المشروع لأنه يخدم مصالحها الاقتصادية

6-مؤخرا تم الاتفاق علي نقل الغاز من دلتا شمال غرب نيجيربا الي المغرب( مرورا بدور غرب افريقيا) ومن ثم الي أوروبا ليكون بديلا عن الغاز الروسي .

7- سارعت أمريكا معدلات تطوير استخراج الغاز الصخري حتي أصبحت رقم 1 في العالم في الانتاج وبدأت في التصدير لكنه ضعيف لأمور لوجستية … مما ادي الي الانخفاض الحاد في اسعار النفط العالمية من 125 دولار الي اقل من 40 دولار في 2015 للضغط علي الاقتصاد الروسي التي انهارت عملته بنسبة 40% من قيمتها سابقا

8- عملت أمريكا علي محاولة انشاء خط غاز يربط بين حقول غاز اسرائيل (لوثيان وليفتنانت) مع خط الغاز القبرصي .. يمر الأنبوب عبر شريط مائي داخل المياه المصرية الخالصة وعبر الحدود اليونانية الألبانية في مضيق اوترانتو

الصورة توضح عبور أنبوب الغاز الإسرائيلي-الأوروپي من اليونان إلى إيطاليا، ومكتوب علي تلك الوصلة التيار الجنوبي

سوريا مرة أخرى

تعود المعضلة الروسية في أن مناطق الاحتياطيات النفطية والغاز تتمركز في 3 أماكن بحر قزوين والخليج العربي وساحل المتوسط ولبناء امبراطورية روسية يجب على القيادة  التفاهم مع النظام السوري من اجل التنقيب عن الغاز في الساحل السوري بعد تنبؤات باكتشافات بترولية واعدة في الساحل السوري وحوض المتوسط وتم التنفيذ في 2013.

بدء الدخول إلى الأراضي السورية لضمان فشل الخط الإسلامي من إيران إلى سوريا وأيضا إفشال خط الغاز القطري الذي يفترض مروره بحلب للوصول إلى الأراضي التركية وضمان الاستحواذ على الغاز المستخرج من الساحل السوري وتوجيهه بعد ذلك إلى أوروبا.

وفي هذه الأثناء وقع الانقلاب العسكري في تركيا وسطر فشله نهاية العلاقات الأمريكية التركية وهددت تركيا أمريكا إذا لم تسلم فتح الله جولن أنها سترد ردًا مناسبًا.

حيث قامت تركيا بإنشاء تحالف ثلاثي يضم روسيا وأذربيجان وتركيا وتوقيع عقد السيل التركي في مؤتمر الطاقة الذي عقد في إسطنبول في أكتوبر (تشرين الثاني) 2016، وسط سخط أوروبي وأمريكي  شديد على تركيا، لأن المشروع يصب في اتجاه هيمنة روسيا على سوق الغاز الأوروبي.

ضغطت روسيا على اليونان في قبول مرور السيل التركي من على أراضيها ومن المرجح أن يختلط الغاز الاسرائيلي أيضا معها، ووافقت الحكومة اليونانية بسبب الأزمة الطاحنة التي تمر بها البلاد.

درع الفرات

ساهم السيل التركي في التقارب في وجهات النظر الروسية التركية وفي سبيل ذلك أيدت روسيا عملية درع الفرات الذي يهدف لإنشاء منطقة عازلة قدرها 5000 كم شمال سوريا لعودة المهجرين السوريين وإفشال مخطط إنشاء الدولة الكردية وحماية الأمن القومي التركي.

الاتصالات الروسية مع الفصائل السورية

– حاولت روسيا إقامة اتصالات مع عدد من فصائل حمص التي تحتوي على ضباط من السنة الذين تخرجوا من الكليات العسكرية الروسية فيما سبق خصوصا بلدة الرستن في ريف حمص الشمالي وتعهدت بإدخال مساعدات الي المناطق المحاصرة مقابل تعهدهم بمحاربة تنظيم الدولة فقط وعدم محاربة النظام لكنها فشلت تقريبا.

بدأت روسيا بتكوين معارضة روسية سميت بمعارضة حميميم، وتولت هذه المعارضة التنسيق لإنشاء ألوية في شمال حلب سميت بألوية النصر هدفها محاربة تنظيم داعش والتوقف عن محاربة نظام بشار، وأيضا التوقف عن محاربة القوات الكردية، ربما لاستخدامها كورقة مساومة مع تركيا لاحقا وكانت تعمل تحت هدف مشترك هو إفشال المخطط الأمريكي بتقسيم سوريا في المحور الشمالي، ولاقت بعض الاستجابة من أبناء مدن ريف حلب الشمالي مثل مارع.

-حاولت روسيا التواصل مع ثوار الجنوب أو ما يعرف بغرفة عمليات الموك وهي فصائل تابعة لأمريكا وبريطانيا وتتم إدارتها من عمان في الأردن وتخضع لشروط قاسية من الجانب الأمريكي وتم تحييدها لمحاربة جيش خالد التابع لتنظيم الدولة.

هل حلب هي أخر المعارك؟

رغم الانتصارات التي حققها النظام وروسيا في حلب إلا أنه لا يزال يسيطر فعليا علي 19 % من اجمالي مساحة سوريا ، إلا أن وضعية حلب تكمن في أنها ثاني أهم المدن السورية وأنها انتصار معنوي للنظام ولروسيا لكل المشككين في تحقيق انتصار بالاضَافة إلى أنها تقطع الطريق أمام المشروع الأمريكي في تقسيم شمال سوريا وتضع روسيا علي مقربة من قوات درع الفرات في شمال سوريا مما يعني ضرورة التوصل لأنهاء الازمة لحل يرضي جميع الاطراف:

بالنسبة لروسيا هذا الانتصار يحفظ ماء الوجه بعد سلسلة من التعثرات ويضمن الحفاظ على الأهداف الجيواقتصادية في الساحل السوري خصوصا بعد استعادة ريف اللاذقية.

بالنسبة لايران فهو مكسب أيديولجي لأنه يضمن بقاء الاسد في السلطة في إطار الهلال الشيعي التي تسعي إليه لتطويق السعودية وأيضا من الممكن تصدير الغاز الإيراني عبر ربطه مع السيل التركي والحفاظ على المكاسب الاقتصادية ليكون تعويضا عن فشل الخط الاسلامي.

بالنسبة لتركيا يضمن الحد الادني من أهداف تركيا في سوريا وهي منع اقامة كيان كردي معادي والقضاء على النشاط الأمريكي في شمال سوريا وأيضا إقامة منطقة عازلة لضمان رجوع أكبر عدد من اللاجئين إلى الشمال السوري.

بالإضافة إلى السماح بالتواجد في الشمال العراقي في معسكر بعشيقة لقتال داعش وحزب العمال الكردستاني ومعاقله في سنجار، ومنعا لإعطاء الشرعية لهذا الحزب للتواجد في شمال العراق على مقربة من الحدود التركية.

مجموع مايسيطر عليه النظام حوالي 19% من اجمالي سوريا بعد معركة حلب

المناطق الحمراء هي التي يسيطر عليا النظام في حلب بمجموع 15 % من اجمالي حلب

طبعا لا يخفي علي أحد تم الضغط علي الدول الداعمة للفصائل المسلحة في حلب للوصول لهذا الحل بعد أن اتفقت أمريكا وروسيا على حد أدنى في موضوع غاز البحر المتوسط.

فمن الضروري فهم الهدوء الذي ارتسم على وجه أردوغان بعد معركة حلب لأنه يدري أنه يعقبها تسوية شبه مرضية لجميع الأطراف لأن الحرب لابد لها من نهاية وهذا السيناريو ليس سيئا لتركيا في ظل العداوة الأمريكية لها.

التقارب الخليجي الأوروبي

بينما خسرت الأطراف الخليجية الحرب في سوريا مؤقتا فهي سوف تسعي للانتقام من روسيا عبر التحالف مع أوروبا مثلما شاهدنا في زيارة رئيسة الوزراء البريطانية للخليج للاتفاق على  خارطة طريق في منطقة الشرق الأوسط عموا وسوريا خصوصا، ربما يفضي الي تدعيم خط الغاز الإفريقي إلى أوروبا لكسر احتكار الغاز من سوريا وأيضا بدء جولة جديدة من معركة تكسير العظام ولكن ربما في مكان آخر، وربما استصدار قرار من الأمم المتحدة لإدانة روسيا في الحرب ليس آخر التحركات الخليجية الأوروبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد