ملفات كثيرة عالقة بين أنقرة وواشطن تسببت في تأزيم العلاقات الثنائية بين البلدين، منها ملف دعم واشنطن لأكراد سوريا، بمعدات عسكرية ولوجستية، وتقديم استشارات وتدربيات عسكرية في إطار مساعيها في مكافحة «تنظيم داعش»؛ ما جعلت منهم رقمًا يصعب تجاوزه في معادلات الساحة السورية، وهذا ما اعتبرته أنقرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي من طرف حليفتها في حلف «الناتو».

فضلًا عن احتضان أمريكا لزعيم مجموعة تعتبرها أنقرة إرهابية، قامت بمحاولة انقلابية فاشلة في العام 2016، حيث استشهد على إثرها ما يقارب الـ250 مواطنًا تركيًا، وجرح ما يزيد عن 1400، ونقصد بها مجموعة فتح الله كولن المقيم في بنسلفانيا الأمريكية، والتي تعرف في وسائل الإعلام التركية بتنظيم «فتو الإرهابي».

وكذلك من الأسباب التي أدت إلى تفاقم الأزمة بين البلدين، اعتقال أنقرة للقس الأمريكي أندروا برانسون، والمتهم بدعمه لتنظيمات إرهابية كالمجموعة السالفة الذكر، أي تنظيم فتو الإرهابي، وتنظيم الـ«بي كاكا الإرهابي»، وقيامه أيضًا بعمليات تجسس على تركيا لحساب الولايات المتحدة الأمريكية.

وإضافةً لما تقدم هناك قضية قضائية رفعت ضد مصرف خلق بنك، الذي اتهم بخرق العقوبات الأمريكية ضد إيران، والاحتيال المصرفي، وبموجب هذه الدعوة حكم على نائب مدير المصرف، المدعو هاكان أتيلا بالسجن في أمريكا، حيث تعتبر أنقرة بأن الدعوة خرجت عن سياقها، واستخدمت لأغراض سياسية لممارسة الضغط عليها، في حين أنها دعوة إدارية.

وفيما يتعلق بالدعوة القضائية أعلاه، شاركني بعض المهتمين بالشأن التركي بمعلومات يجدر ذكرها هنا، وهي بأن أنقرة كانت قد طلبت من واشنطن تحويل القضية إلى دعوة إدارية، وفقًا لإجراءت مكتبة مراقبة الأُصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، والمعروف اختصارًا بــ(أوفاك)، مقابل إطلاق أنقرة سراح القس برانسون، وهذا ما رفضته واشنطن؛ ما دفع أنقرة إلى تأجيل إطلاق سراح برانسون، وحكمه بالإقامة الجبرية إلى حين الفصل في دعوته في الفترة القادمة.

وفي تقديري يرجع السبب الرئيس في التوتر بين واشنطن وأنقرة إلى تغيرات جذرية في السياسة الداخلية والخارجية التركية، تسببت في انزعاج الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يلاحظ أن تركيا تحت قيادة الرئيس أردوغان تحاول الاستقلال في قرارها الخارجي، ونسج علاقات مع من تراه مناسبًا، في إطار خدمة مصالحها القومية، ومن أجل تحقيق ذلك تسعى إلى إزالت العقبات الداخلية المتمثلة في القوى التي تعتبر أذيال القوى الغربية، والخادمة لمصالحها في تركيا، حسب بعض المتنفذين الأتراك.

ونقصد بالتغيرات، تزايد نفوذ التيار القومي والإسلامي المناهض للإمبريالية الغربية في تركيا هو السبب الرئيس الذي أزعج كثيرًا الدول الغربية كما ذكرنا في أعلاه، لذلك اتهمت أنقرة بعض الدول الغربية الوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة، حيث صرح زعيم حزب وطن دوغو برنجك بأن المحاولة الانقلابية وراءها الولايات المتحدة الأمريكية.

مآلات التصدعات في العلاقات التركية الأمريكية

نظرًا للتطورات والمعطيات المتوفرة، يمكننا القول إن مآل العلاقات بين البلدين تسير نحو مزيدًا من التفاقم، وما دام الجانب الأمريكي بدأ في فرض العقوبات على شخصيات ومؤسسات تركية، سيكون رد أنقرة مماثلًا، وذلك في سياق التعامل بالمثل؛ لأن تركيا لم تصبح الدولة التابعة للغرب في سياستها الداخلية والخارجية.

ولكن هنا تجدر الإشارة إلى أن أنقرة لا تريد تأزيم علاقاتها مع واشنطن، وذلك لتفهمها التداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في حال تازيم العلاقات معها، وبالتالي ستقوم بعقد لقاءت ثنائية تسعى من خلالها إلى بحث السبل الدبلوماسية من أجل إيجاد حلول للمفات العالقة بين البلدين. وخصوصًا كانت قد أرسلت أنقرة وفد دبلوماسي من أجل بحث الأزمة مع الطرف الأمريكي، وبعد عملية التفاوض بين الطرفين كان من المتوقع بأن يحصل نوعًا من الانفراج في بعض القضايا على سبيل المثال، قضية القس برانسون، وقد يطلق سراحه في الفترة القادمة.

ولكن بعد أن عاد الوفد الى تركيا، لم تصدر أي تصريحات تخص اللقاءات التي أجريت مع القادة الأمريكان؛ ما يؤشر بعودة الوفد خالي الوفاض، وأن الأزمة متواصلة في تأزمها، وإذا ما افترضنا جدلًا استمرار الأزمة بين الطرفين، فستكون التداعيات متفاوته على البلدين، وقد تتأثر تركيا في بعض الصعد، حيث يمكن تفاقم الأزمة الاقتصادية بالتدريج، وتراجع قيمة الليرة الحاد أمام الدولار، وفي حال تفاقم الأزمة الاقتصادية ستقل فاعلية تركيا في السياسية الدولية لانشغالها بوضعها الداخلي ومحيطها القريب، أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فستفقد حليفًا مهمًا في استرايجيتها الشرق أوسطية؛ ما سيقوي وضعية الفاعلين الآخرين كروسيا في الساحة الإقليمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد