تابعنا جميعا على شاشات التليفزيون ومنصات الإنترنت مشهد السباق الرئاسي الأمريكي، الذي ظل محتفظًا بعنصر التشويق والإثارة إلى آخر لحظة، حتى بعد التأكيد على فوز دونالد ترامب، إلا أن عدم ظهور هيلاري كلينتون بعد إعلان النتيجة للاعتراف بالهزيمة وفوز ترامب أضاف مزيدًا من التشويق والإثارة للمشهد، الذي بكل تأكيد تخطى أعظم مشاهد الإثارة والتشويق المعهودة في أفلام هوليوود.

الحدث الأهم عالميًّا بلا شك، ولهذا فإن نتائجه أيضا كانت مهمة جدا لكلا المعسكرين، وخاصة معسكر هيلاري كلينتون والذي يحتوي على مفاصل السياسة الأمريكية وحيتانها، والتي استخدمتهم هيلاري كلينتون في حملتها لترويج برنامجها الانتخابي حتى أن أوباما وهو ما زال رئيس الولايات المتحدة، شارك وبقوة في حملة هيلاري وواصل دعمه إلى تقديم وصلات «استاند أب» كوميدي يتهكم فيها على ترامب مستجديا ضحكات المشاهدين في أمر كان بمثابة تأكيد للرأي العام أن المنافس ضعيف وغير قادر على تولي مقعد رئاسة أكبر قوة في العالم، هذا بالإضافة إلى دعم حكومات دول كثيرة عربية وأوروبية لتولي هيلاري كلينتون هذا المقعد الخطير، آملين أن تظل سياسة أمريكا تجاه العالم كما كانت دائما للحفاظ على مصالحهم، ولأن الدعم المالي كان كبيرًا وغير مسبوق للحصول على وعود كثيرة قطعتها هيلاري كلينتون على نفسها تجاه منطقة الشرق الأوسط تحديدا بمجرد توليها مقعد الرئاسة، فكان الدعم المالى ببذخ، والأموال تبعثر هنا وهناك، وكأن هيلاري كلينتون هي طوق النجاة بالنسبة لهذه الحكومات بدعمها هذه الأنظمة عسكريا وسياسيا، بل إلى أبعد من هذا بكثير.

وفي خضم المعركة ولأن معسكر هيلاري كلينتون كان واثقًا من الفوز وتعامل نفسيا مع هذا الأمر على أنه طبيعي وأن المعركة سهلة وتكاد تكون من طرف واحد، ولأن حملة هيلاري تحظى بهذا الدعم العالمي والإعلامي ولهذه الثقة الزائدة عن الحد، تناسى القائمون على حملة هيلاري أن هناك خصما يستعد جيدا لخوض هذه المعركة بكل حرفية هو الآخر رغم أنه جديد العهد بالسياسة.

دونالد ترامب

هذا الملياردير الأمريكي الذي استطاع أن يهزم ستة عشر منافسًا جمهوريا ليحظى بتأييد الحزب الجمهوري للترشح للانتخابات الأمريكية، هذا الرجل الذي استطاع أن يستغل كل نقاط الضعف التي كشفتها حملة الخصم عنه كنقاط قوة، وقلب في النهاية الأمر إلى انتصار كبير ليحظى في النهاية بمقعد هو الأخطر والأقوى على هذا الكوكب، وهو مقعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

عدم خبرته السياسية أهلته للفوز بالانتخابات

استغل هذا الرجل المخضرم كل خبرته في مجال الأعمال والتسويق وخلق لنفسه شخصية شعبية تسعى إلى تحقيق رفاهية الشعب الأمريكي من جديد، مقارنًا نفسه بالنظام والقيادة الحالية وما سبقها مبرزا إخفاقاتهم في حل مشكلات داخلية وخارجية كبيرة، وظهر إلى المواطن الأمريكي على أنه المنقذ والمحافظ على أموال الأمريكان وأنها لن تخرج أبدا خارج أمريكا كما كان يحدث في عهد من سبقوه مصورًا النظام الحالى وهيلاري وهي امتداد له على أنه من أضاع أموال دافعو الضراب على السراب، نعم السراب فأمريكا لم تجن شيئا من وراء سياساتها الخارجية، بل إن ديونها تضاعفت حتى هيبتها كأكبر قوة في العالم بات مشكوكًا فيها بعد صعود الصين وروسيا إلى الساحة من جديد.

ولأن ترامب قادم من معسكر الأعمال (البيزنيس) فأدخل مصطلحات جديدة على الساحة السياسية لم تكن موجودة من قبل، كما داعب مشاعر الأمريكان اقتصاديًّا ووعدهم بمزيد من فرص العمل وتقليل نسب ومعدلات البطالة التي باتت منتشرة داخل المجتمع الأمريكي.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة تعد هي وجهة الحريات في العالم وملاذًا لكل باحث عن الحرية، إلا أن هذا أثر كثيرا على مستوى رفاهية المعيشة في الولايات المتحدة وهذا ما أثاره ترامب عن المهاجرين الذين يستحوذون على وظائف الأمريكان، ودعا أمام أنصاره إلى ضبط معدلات الهجرة إلى الولايات المتحدة، حتى يستطيع توفير أكبر عدد من فرص العمل للأمريكان.

إن دونالد ترامب رغم حداثته بالعمل السياسي إلا أن أمواله ونفوذه داخل المجتمع الأمريكي قد ساعدته في اختيار من يساعده في حملته الانتخابية، والذين كان لهم عظيم الأثر في تربع دونالد ترامب على كرسي الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، هؤلاء الأشخاص المخضرمون سياسيا والدارسين للمجتمع الأمريكي جيدا قد استطاعوا أن يذهبوا بدونالد ترامب إلى كل المناطق المحرومة ليتواصل معها، وأجبرهم من خلال برنامج طموح أن يدلوا بأصواتهم لصالحه في الانتخابات هذه الأصوات التي كانت كثيرا تمتنع عن التصويت لشعورها بالتهميش والإبعاد ونجد هذا ظاهرا عندما كانت هيلاري تخاطب مؤيديها في عواصم الولايات والمدن الكبرى أما ترامب كان يذهب إلى المدن الصغيرة وكان تعليق حملة كلينتون على هذا الأمر أن ترامب لا يستطيع حشد أنصار له في هذه المدن الكبرى ولكن التجربة أثبتت أن هذه المدن الصغيرة في المحصلة على نفس درجة الأهمية مثلها مثل المدن الكبيرة تماما.

حقيقة نجد أيضا أن أهم ما يميز حملة ترامب أنه استطاع أن يتواصل مع البسطاء نجده تارة يبحث عن المحاربون القدماء ويذهب إليهم، ويسمع إلى شكواهم وطموحاتهم في مستقبل أفضل، ويمنحهم عهودًا بأن طلباتهم ستكون محور البحث الأهم لديه على مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض. وتارة يبحث عن كبار السن ويستمع إلى شكواهم ويعدهم بنظام تأمين صحي حقيقي يصل إليهم أينما كانوا، وهكذا ظل يبحث عن المهمشين ويستمع إليهم حتى حمله هؤلاء إلى مقعده الرئاسي لأقوى دولة في العالم.

نجح ترامب وفشلت هيلاري وأوباما وفريق الديمقراطيين وسقطوا أمام العالم وسقط معهم الديمقراطيون في الكونجرس أيضا مما أثار نقاشًا واسعًا عن مدى مصداقية الديمقراطيين وبرامجهم في الشارع الأمريكي.

انتهى السباق الرئاسي وأصبح ترامب الرئيس..

هل انتهت الحرب؟ هل انتهى السباق عند هذه النقطة؟

أعتقد أن الحرب بدأت بالفعل، وسيحاول الديمقراطيون أن يثبتوا للعالم أن اختيار ترامب للرئاسة كان الاختيار الخاطئ، لهذا سنجد ترامب دومًا في دوامات واختبارات السياسة، حتى أنه صباح أول يوم له باعتباره رئيسًا يجد قيام مظاهرات في عدة ولايات ضد اختياره رئيسًا لأمريكا، وأشخاصًا يحملون لافتتات تقول بأن (ترامب ليس رئيسي) إنها أول خطوة في حرب شرسة سيقودها الديمقراطيون ليجعلوا الأربع سنوات المقبلة أسوأ أربع سنوات في التاريخ الأمريكي، وفي حياة دونالد ترامب ذاته، سنجد مظاهرات هنا وهناك، سنجد تحركات سياسية وتصريحات من حكومات كانت تمول الديمقراطيين ضد ترامب، وكثيرًا من الاستفزازت السياسية التي تحاول أن تدفع بترامب إلى اتخاذ مسارات سياسية مجبرا حتى يتفادى أزمات يضعه فيها دوما الديمقراطيون وأنصارهم حول العالم.

إن الحرب بدأت ولن تنتهي سريعًا وسيكون على ترامب أن يتماسك ويحاول أن يوفي للشعب الأمريكي بما وعدهم به، وعليه عدم الانسياق وراء محاولات المعسكر الآخر الإيقاع به وإسقاطه باعتباره رئيس أمريكا أمام الشعب وأمام العالم.

المظاهرات التي بدأت تظهر ضد فوز ترامب بالرئاسة هي مجرد بداية وسنشهد قريبًا أحداثًا أخرى لممارسة بعض الضغوط السياسية على ترامب، والتي تحاول إحراجه أمام العالم والشعب الأمريكي.

الحرب ما زالت قائمة، وسيدفع ثمنها الشعب الأمريكي كله ديمقراطيون وجمهوريون، ومن المؤكد أن العالم سيتأثر بهذه الحرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا
عرض التعليقات
تحميل المزيد