عدو عدوي صديقي

يا أمة ضحكت من ضعفها وشتاتها الأمم، لا أفهم لماذا معظم الحكومات العربية والإسلامية ظلت ترسل مناشدات إلى الإدارة الأمريكية لوقف قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟ لماذا هذا الضعف والهوان والخضوع؟

على مدى أكثر من نصف قرن ونحن نسمع شجب الحكومات العربية واستنكارها وغضبها، لماذا غاب عن قاموس السياسة العربية الفعل ورد الفعل؟ الولايات المتحدة قررت نقل سفارتها إلى القدس، فعلى العرب والسلطة الفلسطينية أن تقرر فتح سفارة لها في بيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية ليكون أبلغ رد على سياسة الولايات المتحدة العدائية، التي لم تعر أي اهتمام لأكثر من 50 دولة إسلامية وأكثر من مليار ونصف مسلم في شتى أنحاء العالم.

لا ضرر ولا ضرار، كل يبحث عن مصلحته؛ فالسياسة فن الممكن، يجب أن نتعلم أن يكون باستمرار، وخاصة في العمل السياسي والدبلوماسي، «عدو عدوي صديقي».

فالولايات المتحدة تصر باستمرار على مدى عقود ألا صديق لها في العالم، مصلحتها فوق كل اعتبار، أينما وجد للأمريكان مصلحة ذهبت إليها دون الرجوع إلى أي جهة.

الواجب على الحكومات فعله

وعلى الحكومات الإسلامية أن تعلنها صراحة، ألا مشاكل بينها وكوريا الشمالية، وإنما كنا تابعين كالعميان للولايات المتحدة التي «تفصل وتخيط والمسلمون يلبسون»، وأنهم اليوم وبكل صراحة بصدد فتح سفارات وقنصليات لهم في كوريا الشمالية، ولا يعني ذلك العداء مع الولايات المتحدة، وإنما البحث عن المصلحة مثلما تفعل أمريكا، التي جعلت من مصلحتها فوق اعتبار أكثر من مليار ونصف مليار مسلم.

أمة ضحكت من جهلها السياسي الأمم، أمة كبيرة في الحجم وأكثر ثراء وغنى من الولايات المتحدة نفسها، لكن ساساتها سخَّروا كل إمكانياتهم وإمكانيات شعوبهم للغرب، لدرجة أن أصبح الأمريكان قادرين على التجسس ومراقبة كل المكالمات الهاتفية، التجسس على كل بيت، ماذا يفعل، وماذا يصنع، وبماذا يفكر، وكيف يفكر الإنسان العربي، كل شيء تحت مراقبة الأمريكان ومتابعتهم، أصبح الحكام العرب بالفعل أسرى للعم سام؛ فنحن لن نستطيع فعل شيء إلا بعلم الأمريكان ومشورتهم.

أمة مهزومة بكل معنى الهزيمة

فالعم سام لا مبدأ عنده، ولا يعرف معنى الأخلاق، ولا يفهم شيئًا في الصداقة؛ فقد تعود الدوس على الذين قدمّوا له خدمات جليلة، وأبرزهم على الإطلاق شاه إيران محمد رضا بهلوي، الذي استنجد بأطبائهم فمنعوه من دخول أمريكا للعلاج، وتخليهم عن ماركوس في الفلبين، واعتقالهم لنورييغا في بنما بعد أن كان ضابطًا عميلًا للمخابرات الأمريكية بامتياز، وعدم منحهم تأشيرة دخول إلى أمريكا بغية العلاج للرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، وهو الذي مكنّ لهم ولمخابراتهم في السودان.

بالفعل نحن اليوم أمة عربية مهزومة بكل معنى الهزيمة، أمة تملك كل وسائل الضعف والانعتاق، أمة ظالمة لنفسها، الفاسد والفساد طغى وانتشر على الأرض العربية، طغى قلة قليلة تسيدت المجتمع، فاسدون امتصوا عرق الشعب وشقاه وتعبه، فاسدون لم يكترثوا لشيء، التهموا الأخضر واليابس، وتركوا بقية الشعب في الحضيض للفقر والجوع والجهل الجديد، أمة لن تستطيع أي تقدم وتطور، طالما الاعتماد على الغرب في مساعداته، وخيرات الأمة تذهب إلى جيوب علية القوم من كبار المسؤولين.

النفط لم يعد سلاح العرب

صحيح أن خريطة النفط العالمية بدأت تتغير الآن تغيرًا جذريًّا، وبدلًا من استمرار اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط البعيد عنها، فإن التقنية الحديثة، وبشكل غير متوقع، غيرت الخريطة، وتجد الولايات المتحدة منابع أكثر وفرة للنفط، إما على أراضيها، وإما قريبًا منها في كل من كندا والبرازيل. هذا التغير سيجلب بالطبع معه تغيرات كبيرة، ليس على جانب الاقتصاد فقط، ولكن الأهم من ذلك هو جانب السياسة، الذي سيؤثر بشكل كبير في الجاذبية السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وسيحد من قدرة التأثير السياسي التي جلبها النفط إلى دول الشرق الأوسط الغنية بالنفط؛ فالوقود الصخري المستخرج من الصخور في الولايات المتحدة، والذي سيشكل مصدرًا رئيسًا من مصادر الطاقة في الولايات المتحدة، والذي أصبحت كندا المجاورة أحد أكبر منتجيه في العالم.

هذا ما يفسر تغير السياسة الأمريكية مؤخرًا، وأصبحت لا تبالي كثيرًا كما في السابق، بشأن حلفائها السابقين؛ فهي تغض النظر عن كثير من الملفات، وما تذبذب موقفها تجاه القضية السورية والملف الإيراني وعدم المبالاة بما يحدث في سوريا وليبيا واليمن تاركة الأمور للفوضى.

الحلم الصهيوني الكبير

أصبح الأمر أكثر وضوحًا، ويتجلى الوضوح كل يوم في أن ما يفعله الغرب والأمريكان كله في مصلحة حماية أمن إسرائيل، وفي طريق الحلم الإسرائيلي الكبير من «النيل للفرات». فمن أجل أمن إسرائيل دك الجيش العراقي أحد أقوى الجيوش العربية وأعتاها وأكثرها كفاءة قتالية دكًا دكًا خدمة لأمن إسرائيل، ووفق استراتيجية مخطط لها ومعدة سلفًا، واصل الغرب التمهيد لإسرائيل الكبرى بدك الجيش الليبي أحد أفضل الجيوش العربية تدريبًا، واستمروا إلى أن استطاعوا بذكاء ودهاء تفكيك مصادر القوة في الجيش اليمني. إلى أن وصل بهم الأمر إلى أن يُترك الجيش السوري يُدمر بأيدي أبنائه وأهله، ويستهلك كل قوته في حرب خاسرة طاحنة أعادت الجيش السوري، بل الشعب السوري، لعشرات السنين إلى الخلف.

الفساد السبب

يحدث هذا بسبب الطغمة الحاكمة الفاسدة على مدى عقود، الذين تركوا شعوبهم للفقر والجوع والعوز، أصبح هم المواطن لقمة عيشه، وهمهم كم من الأرصدة والأموال في بنوك العالم.

جُوِّع الشعب لدرجة لم يعد فيها قادرًا على الدفاع عن معتقداته ودينه الإسلامي بفعل فاعل وتدمير معنوياته؛ ليصبح غير قادر في مراحل قادمة على مواجهة العدو الحقيقي للأمة؛ فالمليارات التي صرفت على الجيوش العربية ذهبت هباء منثورًا، والمليارات التي تصرف اليوم على الجيوش لا فائدة منها، ولن تستطيع هذه الجيوش التحرك؛ لأن معنوياتها معدومة في الدرك الأسفل في الحضيض.

وأصبح مصدر القوة الأساسي والسلاح الحقيقي بيد الغرب والأمريكان، متى أرادوا حركوا أساطيلهم ودمروا بلدًا وشعبًا بأكمله، فوق ما هو مدمر من قبل مسؤوليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد