تعودنا على ألا نصدق الغرب ولا نحسن الظن به أبدا”، وخاصة أمريكا. إذ لم تفعل في تاريخها ما نعتبره جيدا لأحد. ومن يلومنا على ذلك ؟ لا أحد . ولكننا في موضوع العراق نغفل دائما أهم نقطتين من أصل الموضوع .

 

الأول : أن أمريكا دولة قائمة وذات سيادة وهي القوه العظمى في العالم وتكاد تكون الأقوى بلا منازع . وأن لها شعب متحضر ومتطور اجتماعيا” وتكنولوجيا” . أمريكا واجبها الأول هو رعاية مصالح شعبها ، والشعب الأمريكي ينتخب من ينفع أمريكا أولا” ولا يهتمون بخارج أمريكا كثيرا. وهي في هذا شأنها شأن كل الدول في العالم ، والمفروض أن تكون دولنا وشعوبنا مثلها .

 

ثانيا : الشعب الأمريكي يسأل حكومته دائما وفي كل خطوة، كم وكيف ولماذا . والحكومة الأمريكية مجبرة أن تقول للشعب الحقيقه، طبعا في حينه وبالاعتماد على تقارير ودراسات وليس رأيا شخصيا، ويسألونها عن الخطط المستقبلية؟ وهم يجيبون بصريح العبارات عن الخطة وما سيفعلون . قد تكون الإجابه مغلفة ببعض العبارات الناعمة وحسن النوايا، ولكن ما يهم الشعب هو ما فائدة أمريكا منها وليس فائدة الآخرين. وإن كانت الأجوبة علمية ومقنعه نجت الحكومة من المحاسبه مستقبلا”.

 

نحن العرب والعراقيين على وجه الخصوص لا نسمع ما يقولون بالشكل الذي يقولونه، ونفترض دائما أن عليها فعل ما يخدمنا ويحمينا، ويحفظ ثرواتنا، ويحافظ على ديننا ونسيجنا الاجتماعي، حتى ولو كنا نكيل لها السباب والشتائم ليل نهار، ونكفرها ونحل مقاتلتها وقتل مواطنيها. وعندما نسمع تصريحات مسئوليها فإننا نفهمها بمزاجيتنا وفهمنا وتمنياتنا ممزوجه بالتشكيك بحسن نواياها، معادله لايمكن وصفها أو حلها أو تعقب نتائجها! وإن اكتشفنا أنهم كانو يقولون الحقيقة ندعي أننا كنا نعرف مؤامرتهم، وقد قلناها وقالها فلان وفلان، ونختمها بكلمة كل الناس تعرف أو هاي معروفة.

 

لنعد إلى موضوعنا من كذب على من؟

قالت أمريكا إنها ذاهبة لتحرير العراق، لم يسأل أحد من العراقيين، لماذا وما هو المقابل؟ كيف ومتى؟ الشعب نام تلك الليلة يحلم كما تشتهي مخيلته وكل على هواه. اجتمع السياسيون المعارضون العراقيون، ولم يسألوا إلا عن مناصبهم والرواتب والامتيازات وكل منهم يفسر الأمر والأجوبه على هواه . لم يكلف العرب أنفسهم بالسؤال ولا حتى الجالية العراقية في الغرب!

 

بالمقابل بدأ الأمريكيون يسـألون، ماذا بتلك الحرب من فوائد لنا ولأجيالنا، كم ستكلف؟ متى ستبدأ؟ كم ستطول؟ هل سنكسبها بالتأكيد؟ كيف سنسوقها؟ هل ستحصلون على موافقة المجتمع الدولي؟ وإن لم تحصل فما هي الخطة البديلة؟ هل اقتصادنا يتحمل هذه التكاليف الآن؟ هل هنالك فائدة لحلفائنا في المنطقه والعالم؟ وبكل جرأه هل الموضوع أفضل لأمن لإسرائيل؟ وهل الأولويه لأمن لإسرائيل؟ ما هو مستقبل المنطقة؟ وما هي الخطة التكتيكية؟ وما هي الخطة الاستراتيجية؟ وأسئة لا تنتهي في الصحافة والجامعات والمؤتمرات وداخل أروقة الحكومة بشكل علني وسري.

 

جاءت الردود كلها واضحه لا لبس فيها ، إنها الطريقة الأفضل لأمن ومصالح أمريكا. وتم شرح كل مفصل منها بالتفصيل والأدلة العلميه النظريه والتطبيقية. أهم ما تم التركيز عليه هو أنهم يريدون خلق شرق أوسط جديد لا يفرخ الإرهابيين والمعادين للغرب وأمريكا، ونشر الديمقراطية (طبعا حسب المفهوم الأمريكي ) وتغيير نمط الحياة والتفكير لدى الشرق أوسطيين وسموها العولمة وأسهبوا في شرح فوائدها لأمريكا وأمنها وأمن إسرائيل!

 

لم ينتبه أحد من الشعب العراقي إلى كل هذا وإن سمعوه، فسروه حسب تمنياتهم، أما المعارضة العراقيه فأخذوا الموضوع على محمل الجد وأن أمريكا هذه المرة جادة في كلامها وبدءوا تقسيم الغنائم والمناصب، وكثفوا اتصالاتهم بإيران والسعوديه وتركيا وحتى دول البلطيق! وانتهى الموضوع بالنسبة لهم على تكثيف الاتصالات وإيجاد من يدفع أكثر وجمع ما أمكن من أشخاص لنهب أو للاستيلاء على أكثر ما أمكن. وبدأت حركة سريعه تدب في أوساطهم  لمعرفة مواقع ما خف وزنه وغلا ثمنه، وبدءوا بإطلاق الكتابات والنشرات والإعلانات التي تبيض صفحاتهم النضالية وكيف سينشرون صورهم ورعين متقين مناضلين معارضين، ومن أية قبيله وأي مرجع يتبعون أو يقلدون!

 

أما الأمريكان فإنهم سئلوا وبشغف وتفصيل أنها فكرة رائعة أخبرونا كيف ستنفذون بقية الأسئله التفصيليه ؟

 

جاء الرد واضحا” وصريحا” كالعادة: أنها الفوضى الخلاقة، سنقوم بأحداث فوضى عارمة تهز الإنسان العراقي بقوة وسنبدؤها بعملية الصدمة والرعب، الفوضى ستأخذ وقتها وسيتغيير داخل الإنسان ويمكن لهذه الفوضى أن تخلق ما هو أفضل وستنتشر إلى الجوار مثل النار في الهشيم، بكل وضوح وعلانية”. بدأ الأمريكان شعبا ومؤسسات ومراكز بحث وجامعات بالبحث والتمحيص في مصطلح الفوضى الخلاقة، ويسألون كثيرا عن كيفية السيطرة على الفوضى ومخاطر انفلاتها وكيفية ضمان نتائجها ولم يمض يوم بدون جدال ونقاش ووجهات نظر مختلفه عن القنوات الأمريكيه وفي قاعات التدريس والبحوث، وألفوا الكتب وكتبوا المقالات والبحوث حولها وبدأت الشركات تدرس كيفية الاستفاده منها.

 

أما الشعب العراقي فلم يرغب حتى أن يفكر أو يسأل ما هي هذه الوصفة، واكتفوا بترديد المقولة الشهيرة حتى لو يحكمنا يهودي مو مشكلة فقط دعنا نخلص والمناضلين المعارضين كل منهم استلم مبلغا من أية جهة تعطي لا يهم أي شيء آخر وبعضهم استلم التعليمات للاستحواذ إلى الأرشيف المعين أو الآثار المعينة ومنهم من فكر تجاريا واشتغل مخبرا” من الداخل لتوجيه القذائف الأمريكية!

 

قام الأمريكان بتنفيذ الخطة وحسب ما خططوا له وشرحوه أكثر من مرة وبصوره علنية، وضربوا كل ركائز الاستقرار في دولة الفجوة حسب مصطلحاتهم، لتعم الفوضى، أولها الصدمة والرعب ثم طرد الجيش وكل ما يخص مؤسسات الدولة وإطلاق يد اللصوص والمعارضين للسرقة والانتقام وآخرها الترويج لاجتثاث البعث، وأعطوا كامل الحرية للسياسيين الجدد للتصرف طالما بالاتجاه المطلوب. تبرعت إيران مثلما توقعوا بالمحافظة على الفوضى وزيادة الاحتراب المذهبي.

 

توهم العراقيون كالعادة وعتبوا على أمريكا أنها لم تحم الوزارات عدا وزارة النفط والمخابرات، عتبوا عليها كثيرا وكأنها من عشيرتهم أو من أولاد عمومتهم أو مقلدين لنفس مراجعهم، والأكثر أنهم اعتبروها أخطأت وتم الضحك عليها وخداعها من قبل المعارضين الفطاحل من السراق المعروفين بدهائهم في الاختلاس وعمالتهم للغرب وإسرائيل، وبعضهم ذهب أبعد قليلا فحمل الاستعمار والصهيونية والأمبريالية، حملهم المؤامرة ومنهم من بدأ يقلب في الكتب القديمة حول دور الماسونية قبل مئات السنين وأنها مخطط قديم . أما البعض الآخر فذهب باتجاه آخر هو أن ما حصل ذكره ديننا ومنهم من قال تنبأ به الإمام علي في كتاب الجفر، ومنهم من بدأ يرى ما يحصل على أنه علامات صغرى أو كبرى ليوم القيامة، وبدأ الشعب العراقي الاستسلام، وانتخب بملئ الإراده الحرة أشخاصا يعرف أنهم سراق ومفسدين على أمل الاستفاده منهم مما يبقى من فتات الكعكة، أو انقادوا كعادتهم إلى المرجعية القبليه أو الدينية، وأعيدت الانتخابات، وإذ بنفس الأشخاص يعودون للمشهد، وأعيدت الانتخابات وإذا بنفس الأشخاص يعودون للمشهد وسقط ثلث العراق بيد داعش والثلث الآخر سلخه الأكراد، والشعب غيروا فقط المناصب بنفس الوجوه . وبكل صلف يخرج علينا المتغير الجديد ليقول شكلت لكم حكومة بنفس الوجوه، ولكن بنفس إيجابي، وتأملنا به خيرا”.

 

السؤال بسيط هنا، وهو: من كان يكذب؟ أمريكا أم الشعب العراقي وسياسو الصدفة في العراق الجديد؟

 

بدأت الآن الحركة الشعبيه وفيها زخم كبير، بدأت ولن تتوقف . وهي ترفض تدخل الدين في الدولة وتطالب بدولة مدنية علمانية. من كان يتصور أن هذا سيحدث؟ أليست الفوضى بدأت تخلق نوعا ومزاجا جديا وجديدا لدى الشعب ؟ ألسنا نرى جيلا” جديدا لا يشبه ما عهدناه؟ ستأخذ وقتها وبين صعود ونزول، سيتطور الصراع وتتضح معالمه، ولكنه لن يعود إلى الوراء، سواء أعجبنا التحول الاجتماعي والفكري الجديد أم لم يعجبنا، أنه حاصل.

 

بالله عليكم من كان يكذب منذ البداية؟ ومن كذب على من؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد