من طبيعة الكتّاب أنهم حينما يبحثون في موضوع ما فإنّهم ينطلقون من الماضي (النشأة) إلى الحاضر لدراسته دراسة شاملة. لكن ماذا لو قلبنا المعادلة؟ أو ليس الرّجوع إلى الماضي من الحاضر هو الاتجاه المقصود؟ بدلًا عن أن أجُرّ الماضي إلى الحاضر سأسافر بالاتجاه الصحيح وهو الانطلاق من اللحظة الرّاهنة للوصول إلى الماضي واستنطاقه.. فتعال معي أيها القارئ العزيز في رحلة معقدة من العلاقات الدولية نختمها برؤية عنترة العبسي.

هل ستحدث الحرب التي يتحدث عنها كثير من المفكرين والباحثين ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين فعلًا؟ وما هو المبدأ الذي يدفع للتفكير بهذ النّحو الكارثيّ؟

للإجابة عن هذا التساؤل، نحتاج لدراسة لدراسة تحليلية للمباني التي يتبناها أصحاب هذا الاتجاه، وحتما فإن هذه المباني قائمة على فرضيات ونظريات في العلاقات الدولية، وعليه فإن دراسة الأسس التي يعتمد عليها أصحاب هذا الاتجاه، ستوضح لنا الإجابة المتوقعة عن التساؤل المفروض في هذا المقال.

تختلف وجهات النظر كثيرًا ما بين المفكرين والسياسيين حينما يكون الموضوع، بنية النظام الدولي وكيفية تكوين وتشكيل العلاقات الدولية، فهناك نظريات عديدة تفسر العلاقات والتفاعلات ما بين الدول، لكن الثابت الوحيد هو أن العلاقات مبنية على «المصالح»، سواء كانت المصالح سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو غير ذلك، ولذا يفسر البعض العلاقات الدولية بأنها مجموع المصالح المشتركة التي تربط ما بين دولتين أو أكثر، أي أن كلتا الدولتين التين تربطهما علاقة ما ينتفعان بقدر متكافئ، إلا أن هناك الكثير ممًّن يرى عكس ذلك تمامًا، وهذا واضح من ملاحظتنا لعلاقات كثيرة تربط دولًا قوية بدول ضعيفة، تكون كفة المنفعة لصالح الدولة القوية أكبر بكثير، ويتحطم عندها مبدأ المصالح المشتركة المتكافئة تمامًا!

يعرّف الدكتور أحمد عباس البديع العلاقات الدولية، في كتابه: «العلاقات الدولية: أصولها قضاياها المعاصرة بأنها: «مجموعة من الأنشطة والتفاعلات والأفعال وردود الأفعال بين مختلف دول العالم وعبر الحدود الإقليمية.. ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأمور الحياة الإنسانية وتؤثر تأثيرًا مباشرًا على أمن العالم واستقراره حيث إن العلاقات المبنية على أسس من التعاون والتفاهم تؤدي إلى ازدهار حياة الشعوب وتقدم الدول، على العكس، العلاقات التي تعج بتفاعلات الصراع، التي تستند لسياسة «مركز القوة» في العلاقات الدولية، فإنها تكون مصدرا لإثارة المنازعات الدولية، معرضة العالم لويلات الحروب ومعيقة لمسيرة الشعوب في طريق تقدمها وازدهارها».

إن هذا التعريف يركز على طبيعة العلاقات الدولية في كونها علاقات صراع وتعاون في نفس الوقت، يرجع ذلك إلى الاختلافات الجوهرية بين الدول عقائديًا، مذهبيًا، أيديولوجيًا، اقتصاديًا، عسكريًا، ثقافيًا وتكنولوجيًا. هذه الاختلافات تولد الصراع بين دول والتعاون بين دول أخرى. ومن هذا المنطلق يختلف تفسير العلاقات الدولية وتتعدد المدارس الفكرية كذلك.

قواعد العلاقات الدولية

كيف تنشأ العلاقات الدولية وما هي قواعدها ووسائلها؟ من هذا التساؤل الجوهري ينطلق المفكرون لتحليل العلاقات بين الدول وتتعدد المدارس الفكرية، إلا أنه يمكن حصر المدارس الرئيسية بثلاث مدارس، كل منها تتبنى اتجاهًا مختلفًا عن الأخرى، وهي كل من المدرسة الواقعية، المدرسة الليبرالية المثالية والمدرسة الماركسية. وسنركّز هنا على دراسة مباني المدرسة الواقعية موضوع البحث دون المدارس الأخرى.

تستنذ رؤية الواقعيين على مفهوم «القوة» الذي يحدد شكل العلاقات بين الدول، ولا يوجد ما يسمى الأخلاق أو الفضيلة في هذا النظام. إن النظام العالمي هو نظام «فوضوي» لا تحكمه سلطة عليا يمكن الرجوع إليها، وإن الغاية أو الهدف الأساسي لأية دولة هو «ديمومة البقاء» وبما أن النظام فوضوي فإن كل دولة معرضة للزوال والهيمنة من قبل دولة أقوى. ولتحافظ الدولة على بقائها وعدم زوالها فهي لا بد أن تمتلك أدوات القوة التي تردع فيها أي عدو محتمل وأن تواصل العمل المستمر على تعظيم القوة وإضعاف أي خصم محتمل.

تستند هذه الرؤية إلى الفكرة التي تعتبر أن الإنسان شرير وأنانيّ بطبعه ولا أمان لأحد من أحد سوى القوة التي تردع فيها الآخرين. ويلخص هذه الفكرة الفيلسوف الملكي توماس هوبز – وهو من مؤسسي هذه المدرسة إضافة الى الإيطالي ميكافيللي – بقوله: «وهكذا من الواضح أنه زمن عيش البشر من دون سلطة عامة تحافظ عليهم جميعا في حالة خوف، يكونون في تلك الحالة التي تسمى الحرب، وهي حرب فيها كل إنسان ضد الآخر؛ لأن الحرب ليست في ساحة المعركة فقط، أو فعل المحاربة، وإنما تندلع مع مرور الوقت عندما تصبح الإرادة للمنافسة بالحرب معروفة تمامًا». وتتلخص الفكرة بعدم الأمان وأن البشر في حالة استعداد مستمر للحرب والعلاقات الدولية تبقى محل ريبة وخوف من هيمنة القوي على الضعيف، وإن الاتفاقيات التي تنعقد ما بين الدول ما هي إلا أباطيل وأقاويل كما يرى هوبز.

يطرح البروفسور الأمريكي جون ميرشايمر في معرض حديثه عن الصعود الصيني سؤالًا مركزيًا لينطلق منه لتفسير بنية النظام الدولي والعلاقات التي تربط الدول فيما بينها – وهو من رواد الواقعية الجديدة – حيث يطرح تساؤله التالي: هل يمكن للصين أن تنهض بسلمية من دون حرب؟ ومن هذا السؤال ينطلق في الإجابة متبنيًا النّهج الواقعي، ليصل لنتيجة حتمية مفادها عدم إمكانية نهضة الصين بسلمية من دون حرب مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويوضح أدلته الخاصة على هذا الاستنتاج بعدما يوضح أمرين مهمين من وجهة نظره، وهما افتراضان يفترضها لإثبات نظريته:

الأول: يفترض أن الصين ستواصل نموها الاقتصادي لـ20 أو 30 سنة قادمة، أكثر بكثير مما قطعته خلال الـ20 أو الـ30 سنة الماضية.

الثاني: إن الطريقة الوحيدة للإجابة على سؤالنا عن إمكانية نهوض الصين بسلمية من عدمه يحتاج لنظرية، وعليه لا بد أن يكون السؤال نظريًا، لأنه لا توجد لدينا حقائق مثبتة حول المستقبل؛ لأن المستقبل لم يحدث بعد.

كما يفترض ميرشايمر أن الصين ستنتهج سلوكًا مشابهًا لسلوك الولايات المتحدة الأمريكية للدخول لـ«نادي العمالقة» كما يسميه. ومن دراسة الصراع الأمريكي الصيني ينطلق ميرشايمر لبيان وجهة نظر المدرسة الواقعية، وذلك من خلال افتراضه لخمس فرضيات أساسية حول النظام الدولي في كتابه «مأساة سياسة القوى العظمى». حيث يقدم الكتاب نظرية بنيوية للسياسة الدولية أطلق عليها «الواقعية الهجومية». ترى الواقعية الهجومية أن القوى العظمى تهتم بالدرجة الأساس بالحفاظ على بقائها في عالم لا توجد فيه هيئة أعلى من الدول لحماية إحداها من الأخرى، ولذلك تدرك الدول أن القوة هي الأساس لبقائها. ولذلك تكون القوة وزيادتها هي الهدف الدائم للقوى العظمى والدول عمومًا، ولذلك أيضًا لا توجد قوى الوضع الراهن في النظام الدولي إلا نادرًا، وتتمثل فقط في الدول المهيمنة الفعلية التي يكون من مصلحتها الحفاظ على الوضع القائم كما هو.

تقوم النظرية التي يقدمها الكتاب لتفسير سلوك القوى العظمى وتنافسها الدائم على القوة ونضالها من أجل الهيمنة على خمس فرضيات حول النظام الدولي، توجب على الدول أن تتصرف بطريقة عدوانية وتنافسية:

(1) أن النظام الدولي فوضويّ بسبب عدم وجود سلطة مركزية أعلى من الدول تجبرها على احترام القانون الدولي وتسهر على حماية حقوق الدول، كبيرها وصغيرها.

(2) أن القوى العظمی تمتلك بطبيعة الحال قدرًا من القدرة العسكرية الهجومية تمكنها من إلحاق الأذى أو حتى الدمار ببعضها البعض.

(3) أن الدول لا يمكن أن تتيقن من نوايا الدول الأخرى أو أن تتأكد من أن الدول الأخرى لن تستخدم قدرتها العسكرية الهجومية لمهاجمتها.

(4) أن البقاء هو الهدف النهائي للقوى العظمى، وتحديدًا أن الدول تسعى للحفاظ على سلامة أراضيها واستقلال نظامها السياسي الداخلي.

(5) أن القوى العظمی فاعل عقلاني يدرك بيئته الخارجية ويخطط إستراتيجيًا للبقاء فيها.

إن هذه الفرضيات التي يفرضها الكتاب، تمثل أساس الفكر للمدرسة الواقعية، التي تؤمن بالقوة كركيزة أساسية تقوم عليها بنية النظام الدولي. بالتالي يتضح لماذا أن المدرسة الواقعية ترى بأن وقوع الحرب بين الدول العظمى المتنافسة والصاعدة، كأمريكا والصين، ضرورة حتمية، لا يمكن تفاديها. وأن غالبية الدول – حتى تلك التي لا تؤمن بالمدرسة الواقعية – تسير مختارة أو مضطرة – نتيجة للواقع المفروض – وفق منهج هذه المدرسة في فكرها وسلوكها، وهذا ما نلحظه في سياسيات دول عديدة كأمريكا، والصين، وإيران، وتركيا وغيرها. ووفقًا لهذه النظرية، بات من الغريب أن لا تنتهج الدول الأخرى سلوكًا مشابهًا لسلوك الدّول العظمى، والعمل على تعزيز القوة بأعلى قدر ممكن، وإن كان من دون دافع للهيمنة على الدول الأضعف الأخرى!

لتعزيز القوة أهمية كبرى، أهمها الدفاع عن النفس من أي عدو خارجي محتمل، وليس بالضرورة أن يكون تعزيز القوة لغاية الهيمنة والسطوة، أن تمتلك القوة، فهذا شرط من شروط ديمومة البقاء في الساحة الدولية، أما حينما تبقى الدولة – أيًا كانت – ضعيفة، فهذا يعزز من فرص هيمنة الدول الأقوى عليها، بل ووصولها لمرحلة العدم، كما ينبّهنا التاريخ القديم والحديث.

كان المفكر العربي وعالم الإجتماع المشهور ابن خلدون، قد وضع مفاهيم عديدة تتقارب معها المدرسة الواقعية في يومنا هذا، حيث كان يرى بـ«أن الدولة تكون في أولها بدوية» وكانت تتمحور عملية نشوء الدولة في فكر ابن خلدون بمحورين أساسين، وهما:

(1) إن الدولة تنشأ من البداوة وعمادها العصبية. أي أن الدولة قائمة على العصبية التي تختزل مفهوم القوة والغزو والسيطرة في العقل البدوي.

(2) إن نشوء الدولة يمثل بداية دورة تاريخية – سياسية تتقدم في إطارها الدولة كموضوع وثمرة للصراع.

لذا فإن الفكر الخلدوني قائم على ضرورة النشأة البدوية للدولة؛ لأنه في البداوة تكون العصبية في أوج قوتها، وبما أن فكرة الدولة قائمة على العصبية، فمن الضرورة أن تكون ولادتها بدوية. وإن الابتعاد عن العصبية يهدد الدولة بالانهيار والزوال، فحينما تضعف العصبية تضعف الهمم، ومبادئ الدفاع المشترك وتعظيم القوة المشتركة، فتصعد قوى أخرى، تهدد الدولة خارجيًا أو أن يكون التهديد بالانهيار داخليًا.

مما تقدم يتضح أن ابن خلدون قد سبق المدرسة الواقعية في رؤيته لبنية النظام الدولي، وضرورة القوة والعصبية من أجل البقاء، وإلا كان الانهيار حتميًا. ووفقًا لهذه الأفكار والفرضيات فإن حتمية الصراع أو الحرب، ما بين الدول بشكل عام، والقوى العظمى بشكل خاص، نقطة مفروغ منها في بنية النظام الدولي القائم. وإن الصراع أو الحرب ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين هي مسألة وقت فقط، وستشتعل اليوم أو غدًا، وفقًا لمباني المدرسة الواقعية في تفسير بنية النظام الدولي.

والآن وقد انطلقنا من الفكر المعاصر مرورًا بفكر ابن خلدون في وسط التّاريخ، علينا وضع رحالنا في عصر الجّاهلية وتحديدًا أيام الفارس والشاعر العربيّ المشهور عنترة بن أبي شداد العبسيّ، ليوضح لنا مفهومه للقوة عبر أبيات من أشعاره المشهورة. يقول عنترة العبسي في قصيدته «عتبت الدهر» والتي يروي بها بطولته وشجاعته في الحروب ما للقوة من ىأثر في الصمود وهزيمة الأعداء:

وما رَدَّ الأَعِنَّة َ غيرُ عبْدٍ *** ونارُ الحربِ تشتعلُ اشتعالًا

بطعن تُرعَدُ الأبطالُ منهُ *** لشدته فتجتنبُ القتالا

صدمتُ الجَيْشَ حتى كَلَّ مُهري *** وعدتُ فما وجدتُ لهم ظلالًا

وراحتْ خيلهمْ من وجه سيفي *** خِفافًا بعْد ما كانتْ ثقالًا

فشاعرنا يرى إنّ القوة هي الوسيلة التي ترهب الأعداء وتوقفهم عند حدودهم إذا ما فكروا بالصراع «بطعن تُرعَدُ الأبطالُ منه *** لشدته فتجتنبُ القتالا» ولولا هذه القوة لسحقنا العدوّ المتربص بنا الدوائر. وما أن يرى الطرف الآخر قوتك وثباتك حتى يتراجع عن مهاجتك والنّيل منك. هذا المفهوم الذي تتحدث عنه فلسفة المدرسة الواقعية والذي من خلاله تتنبأ بحتمية وقوع الصّراع الأمريكي الصيني، قد فهمه العبسيّ في ذلك الزّمان.

إنّ الهدف النّهائي لكل دولة في النّظام العالميّ الفوضويّ القائم هو الحفاظ على بقائها من الزوال، ولمّا كان الأمان غير ممكن في ظلّ الفوضوية الحتمية، فإنّ القوة هي السلوك الوحيد الذي بإمكانه أن يضمن للدول بقائها في بنية النّظام الأولي، من وجهة نظر المدرسة الواقعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد