لم يكن أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الوحيد المؤمن بما قاله في تسجيله عقب الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث وصف ما حدث بـ”العقاب الإلهي لجرائم أمريكا في العالم”، فقد اجتاحت مشاعر الشماتة قلوب الملايين في العالم جراء هذا المشهد. حتى من أدانوا الحادث وطالبوا بمحاسبة فاعليه وتبرؤوا منهم قبل توجيه أصابع الاتهام ﻷحد فقد شعروا بشيء مختلف، فلأول مرة يشعر الأمريكيون بشعور سكان الدول الواقعة تحت الغطرسة الأمريكية. وﻷول مرة يشعر الأمريكيون بأن أمنهم مهدد من السماء مثلهم مثل الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم من سكان الدول الذين تعرضوا لما هو أسوأ بسبب حكومات أمريكا وجيشها.

لم يكن ما حدث معتادًا، فهذه ليست سفارة أو اغتيال سياسي بل انهيار مبنى التجارة العالمي (أحد رموز قوة أمريكا الاقتصادية) مثل قطعة البسكويت من الأعلى للأسفل بشكل جعل المعارضين الأمريكيين يخرجون بنظريات مؤامرة تتباين من المنطقية الشديدة إلى الاحتماليات السخيفة المضحكة، محاولين تفسير المشهد المخيف الذي يرمز لنهاية أمريكا عسكريًّا، حيث صار من الممكن استهدافها داخل أرضها: اقتصاديًّا لمكانة المبنى، وحضاريًّا من كون ارتفاع المبنى -طبقًا لمعايير البعض!- رمزًا لقوة عظمى في شتى المجالات.

سينما 3

قدمت السينما الأمريكية أفلامًا لتصورات نهاية العالم، تحتوي على خيال علمي وبعض المناقشات الفلسفية والدينية. والبعد السياسي لهذه الأفلام يظهر أمريكا بمظهر المنقذ لكوكب الأرض ضد الإبادة كفيلم Independence Day، فعلى ما يبدو لا يوجد على الأرض أنداد حقيقيون لقدرات الولايات المتحدة، ومن ثم كان الخصم الوحيد الكفء هو المخلوقات الفضائية التي تتجاهل يد الولايات المتحدة الممدودة لهم بالسلام، ويصرون على قتل البشر لتتصدى لهم الولايات المتحدة قائدة العالم الحر! أما أن تأتي هزيمة أمريكا على يد دول أخرى أو حتى منظمات “إرهابية” فهو المستحيل بعينه، لذلك اتسمت الأفلام المتعلقة بـ”الحرب على الإرهاب” و”الحرب الباردة” بالكثير من السطحية والسذاجة.

 

ففي ذروة الأحداث يأتي شخص منقذ من داخل الحكومة الأمريكية وينزع فتيل الأزمة سواء كان ضابطًا كما في مسلسل 24، أو عامل بإحدى الوزارات كما هو الحال في فيلم The Sum Of All Fears ، أو حتى الرئيس الأمريكي نفسه وهو يقاتل بيديه العاريتين من حاولوا خطف طائرته كفيلمAir Force One! ، حتى الأفلام التي عرضت جزءًا يسيرًا من هزائم أمريكا العسكرية كفيلم (Black Hawk Down) خففت كثيرًا من الحقائق، وأظهرت أمريكا بصورة من يقوم بمهمة نبيلة لإنقاذ الإنسانية من “الآخرين”!.

 

لكن في فيلمي Olympus Has Fallen و White House Down اللذين أنتجا بنفس العام تبدو الصورة مغايرة للأفلام السابقة، فلا تبدو فكرة هزيمة أمريكا في عقر دارها على أيدي دول أو تنظيمات أمرًا مستبعدًا، بل واقعًا يمكن حدوثه بسهولة.

وبمقارنة الفيلمين يبدو أن السينما قد مهدت للجمهور الأمريكي تقبل الأسوأ، حتى إذا صار الخيال واقعًا يكون عند الناس تصور لما ينبغي عليهم فعله. هناك الكثير من القواسم المشتركة في الفيلمين، فالمبنى المراد إسقاطه هو البيت الأبيض، وإذا كان معنى الفيلم الثاني واضحًا من حيث “سقوط البيت الأبيض” فإن الأول يحمل معنى رمزيًّا حيث يشير لسقوط البيت الأبيض ووقوع الرئيس الأمريكي أسيرًا بـ”سقوط جبل الأوليمب” فهل يشير هذا إلى اعتبار أمريكا امتدادًا للحضارة الإغريقية بأساطيرها وفلاسفتها؟ فالديمقراطية ظهرت في اليونان أولاً، والولايات المتحدة تتباهى دومًا بكونها رائدة الديمقراطية والعالم الحر، حتى وإن كفرت بهذه الشعارات لاحقًا لمصلحتها!

 

سينما 6

تبدو عملية إسقاط البيت الأبيض من حيث هو رمز للسلطة التنفيذية وثقل أمريكا السياسي لاحتوائه على الحكومة المنتخبة بإرادة الأمريكيين أمرًا مخيفًا يتجاوز مرحلة استهداف برج التجارة، أو وزارة الدفاع؛ حيث إن إسقاط البيت الأبيض وتعريض حياة الرئيس ومعاونيه للخطر هو إسقاط للدولة الأمريكية وهيبتها، وإعلان هزيمة رسمي لأمريكا في أرضها وعاصمتها، وفي أهم مبنى حيوي لها؛ مما يجعل الفيلمان بمثابة نقلة نوعية في نظرة السينما لإمكانية سحق أمريكا باستهداف البيت الأبيض وتدميره من قبل معاديين للحكومة الأمريكية.

سينما 7

ففي فيلم Olympus Has Fallen وأثناء انشغال الرئيس الأمريكي بمباحثات سلام مع كوريا الجنوبية تتم عملية لمنظمة شبه عسكرية كورية شمالية تستهدف حراس البيت الأبيض، وتسيطر عليه كليًّا، وتمنع كل من يحاول الاقتراب من البيت من محاولة التفكير في الهجوم عليهم؛ مما يدفع المسؤولين خارج البيت الأبيض لاختيار رئيس مؤقت لإدارة البلاد؛ حيث إن الرئيس الموجود في البيت الأبيض على أفضل الفروض مختطف.

 

لا يختلف المشهد في فيلم White House Down وإن اختلف الجناة ودوافعهم هذه المرة فهم من الداخل الأمريكي، ومنهم من يريد الانتقام من الرئيس بسبب قراراته التي آذت أحباءه، ومنهم من تحركه مصالحه المادية التي تقف أمامها القرارات الإصلاحية التي اتخذها الرئيس، لكن المحصلة واحدة. وﻷن النهاية لا بد أن تكون سعيدة، فبعد المشاهد الصادمة لتدمير البيت الأبيض وإسقاطه والسيطرة على من فيه، وقتل كل من يعترض، يظهر من العدم شخص إما أنه ضابط طاقم حراسة الرئيس بالفعل كما هو في الفيلم الأول، أو أنه يطمح ﻷن يكون كذلك كما بالفيلم الثاني لينقذ الموقف رغم الصعاب التي يواجهها !

سينما 8

من الملفت المبالغة في إظهار الرئيس الأمريكي بمظهر إنساني، وأنه ضحية للمؤامرات الداخلية والخارجية، فالفيلمان لم يحاولا التطرق لخفايا عالم صناعة القرار في الدولة الأمريكية، ولا حجم النفوذ الذي تملكه الشركات الكبرى على السلطات الثلاثة: التنفيذية والقضائية والتشريعية.

 

حتى الفيلم الذي أشار بأصابع الاتهام لأشخاص بداخل الحكومة رسخ الصورة النمطية لكونهم أشرارًا يواجهون ملائكة منهم الرئيس نفسه! ولعل السبب هو كون الديمقراطية الأمريكية ترتكز في الأساس على شخص الرئيس فانتخابه من قبل الشعب يرمز لاختيارهم، وبالتالي يصبح تهديد حياته تهديدًا لاختيار الشعب نفسه إلا أن أجهزة الدولة الأمريكية تنجح في تجاوز الأزمة بكفاءة حتى يأتي البطل المنقذ ليرضي غرور المشاهد الأمريكي، وينقذ الرئيس من الأشرار الذين اختطفوه!

سينما 9

إن ارتباط السينما بالواقع وأهميتها في تمرير الواقع أو حتى استشراف كوارث مستقبلية في العقل الجمعي للشعوب بشكل يمكنهم من استحضار مشاهد معينة، لتكون صورة ذهنية عندهم في حالة تحول الخيال للواقع أمر تكرر حدوثه. فالفيلمان قد نجحا في تمرير رسالة واضحة للشعب الأمريكي، وهي أنه في حالة استهداف أهم ما لدينا سنتجاوز الصعوبات، وسننتصر مرة أخرى.

 

قد يكون في الفيلمين العديد من الصور النمطية (كالبطل الأمريكي الذي يسحق الأعداء جميعًا وحده، وإظهار العرب والمسلمين ككائنات هامشية تحتفل بما يحدث بحرق العلم الأمريكي في بلدانهم) إلا أن الإتقان الشديد الذي نفذت به مشاهد تدمير البيت الأبيض يمكننا من فهم لماذا اهتم تنظيم الدولة في العراق والشام بصنع فيلم هوليوودي عن عملياتهم في محاولة منهم لمخاطبة أمريكا بنفس اللغة التي يجيدونها (ولم يحقق الأثر المطلوب نظرًا لتمرس الأمريكان وأقدميتهم في هذا المجال بالطبع)، أو لماذا عقد أوباما مؤتمرًا صحفيًّا عاجلاً بعد الهجوم الإلكتروني لكوريا الشمالية على موقع شركة أنتجت فيلمًا سينمائيًّا عن كيم يونج؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد