ليس صحيحًا على الإطلاق أن نظامًا ما في المنطقة بوسعه الخروج على الخريطة الأمريكية التي اختطتها للعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن الكثيرين يحاولون جاهدين طمس الحقائق لتظل الشعوب عمياء منقادة خانعة. حتى الثورات العربية المسماة بالربيع العربي ستتفتت أوراقها ورقة ورقة، وستتكسر أغصانها غصنا بعد غصن، ولن تصمد كثيرًا أمام الخريف الغاضب القادم من الغرب.

 

إن الثورات العربية لم تفشل، لأنها إرادة صادقة لشعوب ضاقت بأنظمة تابعة، والإرادة لا تهزم، وصدقها الذي برهنت عليه في العديد من الدول العربية لن يهزم أيضًا.

 

ما يحدث قادم من الغرب، ريح الشمال الباردة اجتاحت مقاصد الشعوب وأرجعتها إلى مساكنها من جديد ليظل البيت الأبيض هو قبلة الأمر والنهي، وليظل إله النفوس الضعيفة.

 

كانت الأنظمة القديمة طيّعة لينة في يده، تقوم على مسرحه بدور البواب الحارس لمصالحه، ومشاركة في تنفقذ بعض من إستراتيجيته في الشرق الأوسط، أنظمة ليس عندها موانع قومية من استباحة الرجل الأبيض لأوطانها، كاستغلاله لأراضي المنطقة كقواعد عسكرية، أو استخدام مجاريها المائية دون قيد أو شرط، أو أن يستغل مجالاتها الجوية عسكريًا بكل حرية، أو يستخدم نفط البعض وأموالهم لازدهار اقتصاده وتقوية هيمنته، وهناك أيضا من استثمر سكوتهم في تمرير إستراتيجيته.

فالربيع العربي كاد أن يُخرج الأمور عن السيطرة، لولا أن قدر الله للأمريكان رجالًا مخلصين أنزلوا الشراع وأوقفوا الموتور.

أو كما يقول الأمريكي ألكسندر هاميلتون عن الشعب “يجب أن يعود الوحش الكبير إلى قفصه الخليق به.”

هذه العودة التي كلفت دول الربيع العربي الكثير من الدماء والكثير من الآمال والأحلام التي ضاعت وتهشمت في موجة باردة قادمة من الشمال

 

بعد الحرب العالمية الثانية وضع الأمريكان تصورًا للعالم يكونون على رأسه كشرطي، ويمتاز بالقوة المطلقة التي لا تقارن.

وقسموا العالم إلى مناطق، لكل جزء فيه مهمته وكيفية إخضاعه، وكان مصير الشرق الأوسط أن يكون مخزنًا للمواد الخام والنفط اللازم للمصانع الأمريكية.

ولم تنتهِ الهيمنة الأمريكية وبسط نفوذها عند حد الاقتصاد، بل راحت تبسط هيمنة أخرى سياسية، مفادها أن أية حكومة ستحاول الخروج عن النسق والخط الأمريكي سيكون الزوال مصيرها، إما بالقلاقل والقتل كما حدث في اليونان، وإما بانقلاب عسكري كما حدث في العديد من دول العالم، فأمريكا تحرص على إقامة علاقات جيدة مع العسكريين في الدول الضعيفة أكثر من السلطات السياسية في هذه الدول لاستخدامهم وقتما تتعرض مصالحها الإستراتيجية في أي منطقة لخطر الخروج عن الصف.

 

وهي لا تتوانى إذا ظهرت حكومة وطنية تسعى إلى الاستقلال السياسي الحقيقي والخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية في تدميرها، إما بقلاقل مفتعلة وإما بانقلاب.

لذا سكتت عن انقلاب سوهارتو الدموي، وسكتت عن جرائم صدام حسين ضد شعبه لما ضرب مدينة بأكملها بالكيماوي، وإلى الآن تسكت عن بشار الأسد وما يقوم به من إبادة شاملة للشعب السوري حتى بعد وصوله لاستخدام السلاح الكيماوي المحرّم دوليًا.

كذلك جددت أمريكا العهد في 2002 بأنها لن تسمح بإقامة قوة موازية لها مهما كلفها الأمر، حيث جاء في الصياغة الخطابية الرسمية لإستراتيجية الأمن القومي “قواتنا يجب أن تكون قوية بما فيه الكفاية لثني الخصوم المحتملين عن مواصلة بناء قوة عسكرية بأمل مضاهاة القوة الأميركية أو تجاوزها”.

فلم يكن لها أن تدع الأمور حتى تخرج عن السيطرة، ولم يكن لها أن تسمح بإقامة ديمقراطيات حقيقية خارج أمريكا، ولم يكن لها أن تتنازل عن مزاياها أو تخسرها بانهيار أنظمة عفى عليها الزمن، وكان عليها أن تقيم (بوابين) جددًا.
أمريكا تبارك أي انقلاب عسكري ما دام في صفها ويخدم إستراتيجيتها.

 

إن سؤال (ماذا يحدث؟) ربما يكون ليس من حق أغلب الشعوب في أكثر الأحيان، لكن طلب الإجابة بعد ذلك جهرًا ليس مسموحًا به على الإطلاق.

لكن السؤل الآن هل ستظل شعوب العالم خاضعة للمارد الأمريكي على الدوام دون طفرة حرة تنقذ العالم وتنقذ نفسها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد