تسخدم الولايات المتحدة الديمقراطية ونشرها في العالم لتعزيز سيطرتها، ونشر القيم الأمريكية من خلال محاولة فرض الديمقراطية بطريقة أمريكية.

ولكن في كثير من الأحيان تأتي الديمقراطية بنظم حكم ترفضها الولايات المتحدة، إما لأنها تتبنى أيديولوجيات مخالفة للأيديولوجية الأمزيكية، وإما بنظم حكم تتمسك بمصالح بلادها في مواجهة المصالح الأمريكية.

وحينها تعادي الولايات المتحدة تلك النظم، وتعمل على إسقاطها أو الانقلاب عليها، ويتأخر الحديث عن الديمقراطية، وتكون الأولوية للمصالح الأمريكية، وتبدأ بمحاولات إسقاط النظم المنتخبة التي لا تتوافق معها دون اعتبار لرأي الشعوب، أو للقيم الديمقراطية.

في مايو (أيار) 2018، فاز الرئيس الفنزويلي بالانتخابات الرئاسية لفترة ثانية، مخالفًا كل التوقعات بخسارته.

ولكن ولأنه سار على خطى سلفه هوجو شافيز في العداء للولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة تربصت به وأعدت بالترافق مع حلفائها في فنزويلا خطة للانقلاب على الرئيس مادورو، بصرف النظر عن كونه رئيسًا شرعيًّا منتخبًا.

ومنذ أيام أعلن رئيس البرلمان نفسه رئيسًا بالوكالة، وعلى الفور اعترفت به الولايات المتحدة، ثم حلفاؤها في أوروبا. وسيناريو الإعداد لمظاهرات مناوئة لرئيس منتخب ديمقراطيًّا، ثم تدبير انقلاب عليه متعارف عليه في السياسة الأمريكية، رغم إدعائهم بالسعي لنشر الديمقراطية.

في إيران دبرت انقلابًا ضد رئيس الوزراء محمد مصدق 1953، الذي كان يسعى لتأميم قطاع النفط، وهرب شاه إيران وقبل هربه وقع قرارًا بعزل مصدق وتعيين رئيس وزراء آخر، وأرسلوا ضابط مخابرات اسمه روزفلت، وخطط للانقلاب عن طريق تمويل مظاهرات ضد مصدق المنتخب ديمقراطيًّا، وفي النهاية نجح الانقلاب الذي دبرته المخابرات الأمريكية والبريطانية.

وفي مصر سيناريو مشابه في عام 2013، ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، مع تمويل مظاهرات وحملات إعلامية ضده، ولكن ولأن المظاهرات لم تكن كافية لوجود مظاهرات أخرى مؤيدة للرئيس، فكان الحل استخدام القوات المسلحة لعزل الرئيس المنتخب، وتعيين رئيس مؤقت، سارعت الدول الممولة للانقلاب بالاعتراف به ويومها أعلن الرئيس الأمريكي أوباما أن الديمقراطية ليست الانتخابات الحرة فقط، واعترف بالانقلاب.

وتقريبًا في توقيت الانقلاب نفسه في مصر، دبرت الولايات المتحدة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي مظاهرات ضد الرئيس الأوكراني المنتخب يانكوفيتش، وتم تعيين رئيس البرلمان رئيسًا مؤقتًا وهرب يانكوفيتش، ثم دخلت البلاد في حرب أهلية وتقسيم بدعم روسي. وهو سيناريو مشابه كثيرًا للسيناريو الذي يحدث في فنزويلا الآن.

قبل ذلك كانت هناك انتخابات حرة نزيهة في الجزائر، فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأوعزت الولايات المتحدة وفرنسا للجيش الجزائري لعزل الرئيس الشاذلي بن جديد، وإلغاء الانتخابات، ودخلت البلاد في عشرية سوداء من الحرب الأهلية قتل فيها حوالي ربع مليون جزائري.

وفي فلسطين المحتلة كان حركة حماس ترفض المشاركة في الانتخابات الفلسطينية، ولكنها قبلت الدخول في الانتخابات، والاحتكام للشعب وصندوق الانتخابات في عام 2006، وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها محمود عباس رئيس السلطة فوزًا كاسحًا لحركة حماس التي فازت بأغلبية كاسحة 75٪ من المقاعد، وخسارة مذلة لعباس.

وكان نتيجة فوز حماس تكليفها بتشكيل حكومة فلسطينية رفض الغرب التعامل معها، ودبر عباس المؤامرات لإفشالها، وترتب في النهاية عزل حماس في قطاع غزة، وفرض حصار خانق إسرائيلي مصري خليجي على القطاع يعاني منه القطاع إلى اليوم.

ومؤخرًا شكل عباس منفردًا ما أسماه محكمة دستورية لتصدر قرارًا بحل المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، رغم أن عباس فاقد للشرعية أصلًا لانتهاء ولايته الدستورية، ويمارس سلطته بالأمر الواقع، وبدعم إسرائيلي.

فالولايات المتحدة بالفعل تدعم نشر الديمقراطية في دول العالم، بشرط ألا تأتي هذه الديمقراطية بمن لديهم أيديولوجيات تتعارض مع الولايات المتحدة، سواء كانت تلك الأيديولوجيات إسلامية أم اشتراكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد