يعتقد الكثير أن النظام السياسي الأمريكي هو الأمثل والأكثر تماشيًا مع مبادئ الديمقراطية الحديثة. كما يرى الكثيرون حول العالم أن الأباء المؤسسين، مثل ألكسندر هاميلتون، وجايمس ماديسون، وبنجامين فرانكلين، نجحوا في بناء الولايات المتحدة الأمريكية على مبادئ الديمقراطية الشعبية. مثل هذه الأفكار جرى تسويقها إلى جلِّ بلدان العالم إلى أن صارت جزءًا لا يتجزأ من الثقافة السائدة تحت غطاء العولمة. لكن الباحث في خبايا النظام السياسي الأمريكي يمكن أن يلاحظ أن مثل هذه الأفكار هي أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة.

سنحاول إذن في هذا المقال النقدي أن نشارك معكم البعض من قواعد اللعبة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية. تركيزنا لن يكون قائمًا على السياسات الخارجية الأمريكية ونظريات المؤامرة، بل العكس، تركيزنا سيكون منصبًا على السياسية الداخلية الأمريكية وطريقة عمل النظام السياسي الأمريكي. يكشف لكم هذا المقال بعض الحقائق المغيبة في ثقافتنا العامة والشعبية حول الديمقراطية الأمريكية وطريقة عملها التي تتعارض أحيانًا مع المبادئ الجوهرية لمفهوم الديمقراطية.
1-النظام الانتخابي الأمريكي: الشعب لا ينتخب حاكمه
يقوم النظام الانتخابي الأمريكي على مفهوم يعبر عنه باللغة الإنجليزية «electoral college». ويمكن ترجمة هذه العبارة ترجمة حرفية إلى «الهيئة الانتخابية». إذ إن النظام الانتخابي الأمريكي لا يعتبر أصوات عامة الشعب كافية لتحديد الرئيس. بل تسند مهمة انتخاب الرئيس إلى هيئة انتخابية مصغرة، بغض النظر عن التصويت الشعبي. وهو ما يعني أن المرشح الذي يصوت له أغلبية الشعب الأمريكي في الانتخابات الرئاسية يمكن أن يخسر الانتخابات في صورة اختيار الهيئة للمرشح الآخر. وهو ما حصل بالفعل في الانتخابات الرئاسية في 2016؛ إذ فاز دونالد ترامب في الانتخابات رغم أن أغلبية الشعب الأمريكي صوت لصالح هيلاري كلينتون بفارق 3 مليون صوت. عمليًّا، كلينتون هي التي فازت بالانتخابات. ولكن ترامب هو الذي أصبح الرئيس بعد أن اختارته الهيئة. وهو ما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية الشعبية والديمقراطية التمثيلية؛ إذ إن الرئيس غير منتخب من أغلبية الشعب، ولا يمثل هذه الأغلبية.
2- نظام الحزبين (two-party system) وغياب التعددية
يعد النشاط السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية حكرًا على الحزبين الديمقراطي والجمهوري. إذ يحتكر الديمقراطيون والجمهوريون كل أشكال الدعم المالي والنفوذ السياسي والعمل الحزبي. وهو ما لا يتماشى مع مبدأ التعددية الحزبية التي تميز مفهوم العمل الديمقراطي.
يظهر هذا الاحتكار خاصة في العمل التشريعي، إذ يتكون الكونجرس الأمريكي، وهو الهيكل التشريعي في البلاد، من مجلس الشيوخ ومجلس النواب. يحتوي مجلس الشيوخ حاليًا على 53 عضوًا من الحزب الجمهوري و45 عضوًا من الحزب الديمقراطي، وعضوين مستقلين فقط. بينما يحتوي مجلس النواب على 196 عضوًا من الحزب الجمهوري و233 عضوًا من الحزب الديمقراطي وعضو واحد مستقل فقط.
وتمتلك معظم الدول الديمقراطية في العالم تمثيلية برلمانية ذات تعددية حزبية، مثل نيوزيلندا، وأستراليا، وأيرلندا، ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية التي يتقاسم الديمقراطيون والجمهوريون التمثيلية التشريعية فيها. وتعد التعددية الحزبية من أهم مبادئ الديمقراطية التي لا يحترمها النظام السياسي الأمريكي.
3- تقنين الفساد السياسي: مجموعات الضغط والتأثير (Lobbying)
ترى العديد من الدول الديمقراطية أن الدعم المالي المقدم للأحزاب السياسية ونواب الشعب يمكن أن يكون مظهرًا من مظاهر الفساد المالي والسياسي. إذ يمكن أن تقدم أطراف معينة مساعدات مالية لأطراف سياسية من أجل خدمة مصالحها الاقتصادية والتجارية والاستثمارية. و هو ما يعبر عنه في السياسة «quid-pro-quo». وتعني هذه العبارة تقديم خدمات شخصية ذات طابع سياسي أو إداري أو تشريعي، مقابل الحصول على المال أو الحصول على معروف بقيمة الخدمة المسداة نفسها. وتعد هذه الصفقات منافية للديمقراطية؛ بما أنها تضع نواب الشعب والأحزاب السياسية في خدمة المصالح الشخصية والضيقة، على حساب المصلحة العليا للشعب والوطن. وتسمى مثل هذه الممارسات «lobbying»، أو ما نعبر عنه بالعربية «اللوبيات».
لكن الولايات المتحدة الأمريكية تعد اللوبيات، أو مجموعات الضغط والتأثير، مؤسسات قانونية لها الحق في التأثير على السياسات الداخلية والخارجية للدولة. من أبرز هذه المؤسسات يمكن أن نذكر الرابطة الوطنية الأمريكية للسلاح، والتي تتكون من أصحاب شركات تصنيع الأسلحة وتعنى بحقوق حمل السلاح. وتُعد السبب الرئيسي في عدم تمرير أي قانون يُنظم حمل السلاح، رغم الارتفاع المتواصل للجرائم المسلحة في الولايات المتحدة. وتؤثر هذه المجموعة في السياسة الداخلية الأمريكية عن طريق تقديم امتيازات مالية ضخمة للأحزاب السياسية، ونواب الشعب. وهو ما تعده الحكومة الأمريكية أمرًا قانونيًّا إلى درجة إضفاء صبغة مؤسساتية على مثل هذه المجموعات.
4-بلوتوقراطية أم ديمقراطية؟
يمكن تقسيم مصطلح بلوتوقراطية إلى كلمتين من أصل إغريقي. الكلمة الأولى هي «بلوتوس» وتعني الثروة و المال. أما الكلمة الثانية فهي «كراتوس» وتعني الحكم والسلطة. ويعني مصطلح البلوتوقراطية سلطة المال. ويستعمل هذا المصطلح لوصف نظام سياسي يحكمه أصحاب المال والثروة. ويمكن تقسيم مصطلح ديمقراطية إلى كلمتين من أصل إغريقي أيضًا. «ديموس» وتعني الشعب، و«كراتوس» وتعني كما أشرنا سابقًا الحكم والسلطة. وبذلك مصطلح الديمقراطية يعني حكم الشعب، عكس البلوتوقراطية والتي تعني حكم الأغنياء.
أشرنا سابقًا إلى أن النظام الانتخابي الأمريكي لا يسمح للمحكوم باختيار حاكمه. أي إنه لا يسمح للشعب بأن يتحكم في مصيره عن طريق اختيار حاكمه. كما أشرنا إلى أن السياسات الداخلية، وحتى الخارجية، تخضع لمصالح مجموعات الضغط والتأثير التي تحرك أولويات الدولة، حتى تتماشى مع أولوياتها ومصالحها الضيقة. أضف إلى ذلك أن 1% من أغنى أغنياء الولايات المتحدة الأمريكية يمتلكون أكثر من 40% من الثروة الإجمالية للبلاد، حسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست.
جدير بالذكر أيضًا أن أكثر من 38 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر في الولايات المتحدة حسب إحصائيات سنة 2018، و هو ما يعادل 12% من مجموع السكان، إضافة إلى تخطي مستويات البطالة 14% وضعف التغطية الصحية بسبب غلاء الأسعار. يقابل كل هذه الأرقام رفض من الحكومات الأمريكية المتعاقبة للاستثمار في مجالات الرعاية الاجتماعية والبنية التحتية. بل من المفارقات أن تتجاوز ميزانية وزارة الدفاع 600 بليون دولار أمريكي يتجه أغلبها لجيوب المتعاقدين العسكريين من القطاع الخاص، بينما لا تتجاوز ميزانية وزارة التعليم 68 بليون دولار.
ويأتي كل هذا تحت إدارة أغنى رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، إذ قدرت ثروة دونالد ترامب بـ2.5 بليون دولار أمريكي، حسب وكالة بلومبرج للأنباء. وطلب ترامب من الكونجرس الأمريكي رفع ميزانية الدفاع إلى 700 بليون دولار لسنة 2021، مقابل التخفيض بـ4.8 ترليون دولار من ميزانيات مختلف برامج الرعاية الاجتماعية، مثل قسائم شراء الطعام، وبرامج السكن الاجتماعي، والتغطية الصحية.
تحيلنا مثل هذه الحقائق على مطابقة النظام السياسي الأمريكي لمنطق البلوتوقراطية أكثر من مطابقته لمبادئ الديمقراطية. إذ تكون السلطة للأغنياء والنخبة، وتستعمل هذه السلطة لخدمة مصالحهم الخاصة. تؤثر بعض رؤوس الأموال في السلطة التشريعية؛ حتى تمرر مجموعة القوانين التي تساعد على مزيد إثرائهم. فكلما زاد ثراؤهم زادت قوتهم وتأثيرهم. وكلما زادت قوتهم، زاد ثراؤهم. حتى تتكون دائرة مفرغة قائمة بذاتها تسمح بتركيز متزايد وغير متناهٍ للسلطة والثروة بأيدي النخبة الثرية والحاكمة وهو ما تحدث عنه الناقد الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه «المبادئ العشرة لتركيز الثروة والسلطة».
كانت هذه بعض مظاهر التناقض بين النظام السياسي الأمريكي وأسس الديمقراطية. وما زالت هناك العديد من التناقضات التي تتطلب المزيد من المقالات لتفسيرها والتعريف بها. ولكن ما يجب أن نختم به هو أن كل الأنظمة الديمقراطية تعاني من التناقضات والنقائص. جدير بنا إذن أن نتساءل: هل يكمن العيب في الأنظمة التي تحاول أن تطبق الديمقراطية؟ أم أن العيب في الديمقراطية بحد ذاتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد