شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية في الايام الأخيرة الماضية توترًا غير مسبوق، وذلك بسبب الملف النووي الإيراني الذي اعتبرته أمريكا شغلها الشاغل، فقد قامت أمريكا بإرسال قوة عسكرية للرد على التهديدات الإيرانية حسب ما قالت الإدارة الأمريكية.

إن هذا التوتر في العلاقات ليس الأول، بل شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية العديد من التوترات منذ قيام الجمهورية الإسلامية، ومنها هجوم أنصار الخميني على مقر السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 واحتجز 52 من العاملين فيها، وعلى أثر ذلك قطعت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وفرضت حظرًا تجاريًا وحظر سفر عليها عام 1980، وأيضًا قامت بارجة أمريكية بإسقاط طائرة تابعة للخطوط الجوية الإيرانية عام 1988 عن طريق الخطأ.

وفي عام 1995 فرضت الإدارة الأمريكية حظرًا اقتصاديًا على إيران بحجة التزود بأسلحة نووية، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل قامت أمريكا بفرض عقوبات على شركات تستثمر في قطاعات النفط والغاز الإيراني، وفي عام 2002 تم اعتبار إيران من دول محور الشر الداعمة للإرهاب.

هذه سلسلة من الأحداث التي تبين تاريخ التوتر في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ولكن في فترة ولاية الرئيس باراك أوباما بدأت العلاقات تسلك اتجاهًا آخر أكثر تقربًا، حيث عرض أوباما التحدث مباشرة مع الشعب الإيراني وإلى قادة جمهورية إيران الإسلامية في مارس 2009، وفي يونيو2013 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن رغبتها في التعاون مع الرئيس حسن روحاني، ومن هنا بدأت العلاقات الأمريكية الإيرانية تتطور بشكل عام، وفيما يخص الملف النووي الإيراني بشكل خاص فقد وقعت إيران والولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية تاريخية بشأن الملف النووي الإيراني.

في 14 يوليو (تموز) 2015 جاء هذا الاتفاق عقب المفاوضات الإيرانية مع الدول الست (الصين، روسيا، أمريكا،  فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) التي عقدت في مدينة لوزان السويسرية في 2 أبريل (نيسان) 2015، وقد تضمنت اتفاقية لوزان رفع العقوبات الأمريكية عن إيران مقابل تقديم ضمانات بأنها لن تسعى لامتلاك سلاح نووي، كانت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما تسعى إلى فصل قضية النووي الإيراني عن القضايا الإقليمية الأخرى، حيث أراد باراك أوباما التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران ومن ثم التفاوض على القضايا الأخرى، بما في ذلك الأزمة السورية وحزب الله واليمن وقضايا الإرهاب.

ولكن الإدارة الأمريكية الحالية رفضت هذا الاتفاق وانسحبت منه، واتجهت إلى تشديد العقوبات الدولية على إيران، وذلك لأنها ترى بأن إيران هي مصدر تهديد لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومصالح حلفائها في الشرق الأوسط، وهذا ما تسبب في إعادة توتر العلاقات الأمريكية الإيرانية من جديد وتصعيد هذا التوتر حتى بدأ خيار المواجهة العسكرية قريبًا، فقد قامت الإدارة الأمريكية بإرسال قوة عسكرية تحتشد الآن في المياه الخليجية.

ونرى هذا التحرك تكمن فيه الجدية من الجانب الأمريكي، وأيضًا من الممكن أن تكون فترة جني الثمار للسياسة الأمريكية السابقة تجاه الشرق وذلك عبر زعزعة استقراره، ومن هنا يكون هذا التحرك لجني الثمار بحجة الطرف الإيراني وقضيته النووية، وقد سبق وأن حدث ذلك في قضية النووي العراقي، فالتحرك الأمريكي من وجهة نظري جاء لتحقيق جملة من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية وتثبيت الوجود الأمريكي في الشرق في ظل التنافس مع منافسها القديم روسيا، كما أن هذا التحرك جاء لتحجيم التدخلات الإيرانية في الدول المتوترة في الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق وفرض سياساتها عليها وهذا بحد ذاته يمثل خطرًا بالنسبة للسياسة الأمريكية.

ولا يفوتنا ذكر أن توتر العلاقات الأمريكية الإيرانية حاليًا جاء أيضًا من أجل تحقيق الأهداف التي تخدم إسرائيل وحلفاء أمريكا في المنطقة، وباعتقادي أن من أبرز هذه الأهداف ما ظهر أخيرًا على المسرح الدولي وهو ما يسمى بصفقة القرن، حيث أن انشغال المجتمع الدولي في العلاقات الأمريكية الإيرانية سيسهم في تمرير صفقة القرن وأهداف أخرى تسعى أمريكا لتحقيقها أيضًا:

1- منع السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز الذي يمثل الشريان الرئيسي لحركة البواخر التجارية.

2- تحقيق مكاسب مالية من دول الخليج العربي التي تعتبر إيران عدوة لها وهذا ما قاله الرئيس الأمريكي ترامب في العديد من تصريحاته.

3- وجودها وسيطرتها في هذه المنطقة الاستراتيجية يحقق نوعًا من الغلبة على منافسها القديم روسيا.

4- خدمة حلفائها في الخليج العربي بحصر الامتداد الشيعي حيث أن إيران تعتبر من الدول ذات الأغلبية الشيعية ومتقاربة فكريًا وهناك قواسم مشتركة ما بينها وبين الدول المتوترة في المنطقة.

هذه جملة من الأهداف الكثيرة التي تريد الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقها في منطقة الشرق الأوسط، والتي باتت منطقة صراعات بين القوى الدولية مرة أخرى، لفرض السيطرة عليها وكتابة تاريخ جديد من الاستعمار في المنطقة، بعد أن نالت استقلالها من حركات الاستعمار القديمة، حيث لا يريد الغرب التخلي عن هذه المناطق الحيوية والاستراتيجية فهي تعتبر مصدر قوة لأي دولة قادرة على السيطرة على تلك المناطق وذلك لما تملكه من ثروات طبيعية ومعدنية وموقع حيوي.

فلذلك تعلم أمريكا مدى أهمية الشرق العربي في التوازن السياسي، ولهذا تفرض سياستها على العالم أجمع من خلال التحكم والوجود في تلك المنطقة، فمن هنا يكمن التحرك الأمريكي في هذه الفترة الحرجة من تاريخ منطقة الشرق الأوسط، وتربص الكثير من قوى الغرب به من أجل الفوز بثرواتها، ولكن هذه المرة تريد أمريكا أن تكسب نصيب الأسد من تلك المنطقة، فلذلك تريد تدعيم وجودها من خلال قضية مهمة للشرق وهي قضية المد الشيعي في المنطقة، بل والعمل على كسب تعاطف الشعوب العربية ضد إيران وذلك لاختلافهم في المذاهب الدينية الذي وصل لحد العداء بفضل السياسة الأمريكية وغيرها من قوى الغرب، فلذلك على الخليج أن يعلم أن الأعداء يحيطون من كل جانب ويريدون افتراس ثرواته، فعليه أن يتجه لسياسة الملاينة والصلح مع الجميع، والانكماش على ذاته للحفاظ على ثرواته وشعوبه، ولا ينجر وراء سياسة الأمريكية فيخسر الكثير ويظل العداء باقيًا ومشتعلًا، وينزف الكثير من الأموال والأنفس لصالح غيره وليس لصالح قضاياه.

فعلينا أن ننتظر ونرى، هل بالفعل ستكون حربًا أمريكية إيرانية؟ أم هي لعبة جديدة على الشرق، وتربح إيران وأمريكا كما هي العادة دومًا، ويخسر الشرق والخليج أرضه وثرواته مرة أخرى، بل علينا أن ننتظر من سيوضع في القدور المغلية، ويكون ضحية هذا الصراع، وهذه العلاقات المتشابكة بين الدولتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا, إيران

المصادر

تحميل المزيد