غالباً ما تُقترن السياسة الخارجية الأمريكية بمبادئ الرؤساء الأمريكيين وقراراتهم، ونظرياتهم في طريقة التعاطي مع القضايا الدولية والداخلية على حد سواء، وهذا ماثل في تاريخ الإدارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض، منذ (الأب المؤسس) للدولة الفيدرالية، «جورج واشنطن» 1789-1797، والذي حافظ في تلك الفترة على حياد سياسة بلاده تجاه الحروب الأوروبية، وهذا بالطبع يرجع لقضايا مهمة تقع على عاتقه كأول رئيس للولايات المتحدة، مثل بناء الدولة والهوية «الأنجلو أمريكية»، وإنشاء حكومة وطنية قوية.

بعد انتهاء ولايتي واشنطن ظلت أمريكا ملتزمة بمبادئ واشنطن وشعاراته: «تجنب الأحلاف وعدم التدخل في الشؤون الأوروبية»، وهذا أساسه أن الوصول إلى «الحُلم الأمريكي» يتطلب سياسة مُحايدة تجنب الخوض – قدر الإمكان – في حروب وأزمات قد تُعيد أنظار الإنجليز – تحديدًا – للأراضي الأمريكية؛ إذ ساد اعتقاد لدى بريطانيا بحتمية فشل المستعمرات الأمريكية من الاتحاد في فيدرالية. جاء الرئيس الأمريكي «جيمس مونرو» 1817- 1825 ليُطلق مبدأهُ الشهير «أمريكا للأمريكيين» عام 1823، والذي أطْرَ السياسة الخارجية لقرن من الزمن؛ للحيلولة دون تدخل الدول الأجنبية في شؤون الولايات المتحدة. ظل هذا النهج «الانعزالي» و«الحِمائي» مستمرًّا حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا عام 1917 ودخول «أمريكا » الحرب ضد الإمبراطورية الألمانية بعد سياسة الأخيرة في إغراق السفن والغواصات الأمريكية في المحيط الأطلسي.

في تلك الفترة تطورات كثيرة ومهمة كانت تنشط في الساحة الدولية ( انهيار امبراطوريات عريقة- الحرب العالمية الأولى – الثورة البلشفية) وأول ما بدأ يلمع في أمريكا كان وصول الرئيس «وودرو ويلسون» للبيت الأبيض، مؤسس الليبرالية الحديثة ومنظر المثالية السياسية، والتي عُرفَت بنقاط ولسون الأربعة عشر، والتي أكد فيها مبدأ السِلم الدولي، ومنح القوميات حق تقرير المصير. لكن ويلسون، (المثالي)، أدرك أن اللحظة المواتية لإعلان انفكاك الولايات المتحدة من عُزلتها لم تحن بعد، وهذا يُفسر جزءًا من أسباب عدم انضمام الولايات المتحدة لعصبة الأمم رغم توصية ولسون بتأسيسها.

بُعيد الحرب العالمية الأولى، طرأت على السطح تغيرات وأحداث مهمة كانت بمثابة إرهاصات نشوء حرب عالمية ثانية، والأهم من ذلك أن تجليات الحرب أدت إلى انقضاض الولايات المتحدة على الساحة الدولية دون عودة. في تلك الفترة قُبيل إشعال فتيل الحرب كانت أزمة الكساد العظيم عام 1929 وصعود هتلر إلى السُلطة في ألمانيا عام 1933 بمثابة ناقوس الخطر في السياق الأمريكي والدولي على حد سواء.

وجاءت اللحظة الأولى الحاسمة والفاصلة في تاريخ الولايات المتحدة بعد قرنٍ ونيف من الانعزالية والحياد دوليًّا، بنهضة شمولية متفوقة في كافة الأصعدة، ورصيد هائل من التطور وتسجيل براءات الاختراع، تمثلت في وصول «فرانكلين روزفيلت» 1933- 1945 أحد الرؤساء الأمريكيين «العِظام» إلى البيت الأبيض، إنه الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة الانتصار على ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية، وتدشين عهد جديد تكون فيه السطوة وقيادة النسق الدولي للولايات المتحدة، بثقل عسكري واقتصادي عملاق، تجلى في مواجهة الاتحاد السوفيتي وخطر التمدد الشيوعي بطرق غير مباشرة خلال الحرب الباردة (الاحتواء- القوة الناعمة- الاستقطاب الدولي)، والهيمنة على الاقتصاد الدولي والأوروبي فيما عُرف بخطة «مارشال» لإعادة إعمار أوروبا الغربية المدمرة، وتدخل أمريكي مُفرط في جُل الحروب والأزمات والقضايا التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 ( الحرب الكورية – الأزمة الكوبية- حرب فيتنام- سباق التسلح- غزو الفضاء- إنشاء حلف شمال الأطلسي بمواجه حلف وارسو). والأهم من ذلك، الدعم الكامل واللامحدود لإسرائيل من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتعدي على شعوب العالم في حق تقرير المصير! متنصلةً من مبدأ «ويلسون» الشهير.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 عمِلت الولايات المتحدة على صياغة وحياكة نظام دولي جديد يستند إلى الأسس والمعايير التي تتناسب مع أهدافها ومصالحها الاستراتيجية والقومية وفق النظريات السياسية التي نحتها أصحابها «كمورغنثاو» و«والت» و«دونلي» بانهماك في تطوير الواقعية، المؤطرة لعلاقات دولية صراعية تستند على مبدأ توازن القوى؛ للحيلولة دون انهيار النظام الدولي، إضافةً لتقويض نشاطات وسياسات الاتحاد السوفيتي بطرق دبلوماسية، والتي عُرفت بسياسة الاحتواء، لصاحبها «جورج كينان». والأهمية بمكان، مقارنة نجاح واشنطن من إنهاك موسكو بفضل دراسة مراكز الأبحاث الاستراتيجية الأمريكية للاتحاد السوفيتي من داخله «الهش» «والمضطرب» والمنهك، بالفشل الأمريكي في العراق، والذي كان نتيجة إهمال واستهتار الساسة الأمريكان بخصوصية العراق وتركيبته.

جاءت اللحظة الثانية والحاسمة وربما الأهم في السياق الدولي والأمريكي، أتت بعد عقود من التنافس والاستقطاب، إنها لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية وانهيار جدار برلين، والتي أدت لإعلان الولايات المتحدة انتصار قيمها ومبادئها الليبرالية والديمقراطية وتفردها كأقوى دولة عظمى لقيادة النظام الدولي، وتأريخ نظام أحادي القطبية بمبدأ الرئيس جورج بوش «النظام العالمي الجديد» تكون الهيمنة الدولية للولايات المتحدة، حتى وصل الاستعلاء لحذو «فرانسيس فوكوياما» بشحذ فكرة «نهاية التاريخ» وانتصار العالم «الحُر». تجلت أولى تجارب مبدأ «بوش» بحشد قوات دولية وعربية وأصوات عالمية «تُشرعن» الحرب على العراق بُعيد غزو واحتلال الكويت عام 1990 وطرد القوات العراقية من هناك، في رسالة واضحة لروسيا الاتحادية «وريثة الاتحاد السوفيتي» وللعالم، بأن النظام الدولي «الوليد» أمريكي بحت، يُحذر من المساس بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها وأهدافها ومناطق نفوذها (الشرق الأوسط تحديدًا).

ظلت الساحة الدولية منطوية تحت مِظلة الولايات المتحدة لعقدٍ من الزمن تمثلت في انفراد «أمريكا» بالشؤون الدولية وإرساء المبادئ الديمقراطية خلال حقبة «بيل كلينتون» و[الـ]محاولة في تصفير الخلافات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، كرعاية واشنطن لاتفاقيات «أوسلو» عام 1993 [وحل] أزمة البوسنة والهرسك عام 1995؛ باتفاق «دايتون» للـ[سلام]. في تلك الفترة 1993-2001، يمكن القول بأن الركود الدولي السياسي كان عنوان المرحلة. إذْ ساد الاستقرار الدولي وذابت معه حدة التوتر بين الفواعل الدولية، وباتت الولايات المتحدة تعتقد فعلًا بنهاية التاريخ، وتربعها على «عرش» النظام العالمي بذراعها العسكري الدولي (حلف شمال الأطلسي)، [والتدخل الإنساني] في معظم الصراعات الصغيرة (الصومال- البوسنة والهرسك- كوسوفو). كما استطاعت جذب الاهتمام والإعجاب بالسياسات الأمريكية، مثل حقوق الإنسان والحريات والقيم الديمقراطية، والإعلام والثقافة والأفلام السينمائية والتفوق الاقتصادي والرخاء الاجتماعي ونجاحات محطات الفضاء والطاقة، والثورة المعلوماتية. ولمن لا يعرف فإن هذا في العلوم السياسية يُعرف بالعولمة والقوة الناعمة.

مثلت أحداث 11 سبتمبر 2001 «ضربة» للنظام الدولي والولايات المتحدة، وطرحت إشكاليات «الإرهاب» والجماعات الأصولية، والأهم من ذلك إعادة الولايات المتحدة استراتيجيتها الدفاعية والأمنية وكيفية مواجهة هذا التهديد، وما دعم من ذلك هو إدارة الرئيس «جورج دبليو بوش» «المحافظ» «والعدواني» «الميكافيلي» وطرحه خطة «الحرب على الإرهاب»، ومبدأه الشهير «من ليس معنا فهو ضدنا»، وإعلانه الحرب الاستباقية والحمائية ضد «الجماعات الجهادية» في أفغانستان أواخر العام 2001 وقدرته في سحب الموافقة من الكونجرس لغزو العراق عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين. وعليه فقد اتسم النظام الدولي بحالة من «اللاسِلم» «والضبابية» «وعدم الاستقرار» وغياب تعريف لماهية النظام الدولي وفاعله وأقطابه، وبات العالم يعيش في حالة خوف بعد استغلال الولايات المتحدة لهجوم برجي التجارة ومبنى البنتاجون، تمثل في الخطط والسياسات والقرارات الدولية بإيعاز أمريكي لكبح جماح أي من تراه واشنطن له صلة مع أعدائها، وهذا بالطبع قد عانى منه العالمان الإسلامي والعربي، والقضية الفلسطينية، وصار «المقاوم» «والمسلم» تهمة تجسد «الإسلاموفوبيا» و«الإرهابي» «والمتطرف الديني»، ثم عقوبات اقتصادية ودولية على الحكومات «المعادية» أو «المغايرة» للسياسة الأمريكية.

واجهت الإدارة الأمريكية برئاسة «باراك أوباما» مطلع العام 2009 نظام دولي مضطرب وشائك وأزمة اقتصادية عالمية، والتي عُرفت بأزمة «الرهن العقاري» عامي 2007- 2008. على صعيد العلاقات الخارجية، واجه أوباما ملفات مثخنة بالفشل كما العراق وأفغانستان، وتوتر أمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ماثل في تعاقب الإدارات الأمريكية؛ بمعنى أن الرئيس الجديد يواجه تحديات وقضايا سلفه في ملفات يُمكن تجاوزها وأخرى يستحيل ذلك. حاول أوباما ببراجماتية تخفيف حدة التوتر الدولي، تجلت أهمها في كبح جماح إيران من امتلاك برنامج نووي، توجَ في الاتفاق التاريخي عام 2015. أما [النجاح] الثاني، فتمثل في سحب القوات الأمريكية من العراق عام 2011 وتصفية خصوم الولايات المتحدة كأسامة بن لادن، رغم استمراره في نهج أسلافه في التدخل ببعض الصراعات والحروب، والانحياز الكامل لإسرائيل. لم يستطع أوباما إعادة النظام الدولي لما كان عليه قُبيل أحداث 11 سبتمبر، بمعنى أن النظام الدولي في عهد أوباما ما زال أحادي القطبية، إلا أنه اصطدم بفواعل وتوجهات جديدة في ظل الصعود الروسي والصيني، وهذا يُفسر مرونة الولايات المتحدة وقبولها بتوقيع الاتفاقيات لصالح روسيا مثلًا، في الأزمة السورية.

في نهاية هذا التحليل الموجز والسريع لفهم أسباب ولوج وانقضاض الولايات المتحدة على الساحة الدولية منذ 80 عامًا، وإسقاطها مبدأ «العزلة»، لا يمكن إغفال ولاية دونالد ترامب الجارية، والتي نسفت وأخلت في «مبادئ» العلاقات الدولية والنظريات الكلاسيكية لأسلافه الأمريكان، فمنذ العام 2017 وحتى اللحظة، يسير النظام الدولي مع ترامب في نفق مظلم ومجهول، بعقيدة عنصرية لشخص ترامب، وسياسة مجحفة وعدائية للآخر، والمحاولة لانغلاق أمريكا على نفسها، و«مللها» من حماية ومساعدة الآخرين وحتى الحلفاء والشركاء، وهذا بالطبع يرجع لعقلية ترامب التجارية، وما يثير الدهشة أن إدارة ترامب لم تفتعل إلى الآن أي حروب تذكر، بل قبولها الجلوس مع حركة «طالبان» للمفاوضات ونجاحها.

ما زال النظام الدولي بقبضة الولايات المتحدة، إلا أن مغامرات دونالد ترامب وقراراته «الفجة» قد تنحو أمريكا نحو الهاوية، وخاصة إذا استطاع الفوز في الولاية الثانية، وهذا بالتأكيد سيطرح تساؤلات في غاية الأهمية حول مستقبل أمريكا، فيما لو «تعلقَ» ترامب بمبدأ العزلة؟ وربما الأهم من ذلك، ما مصير البشرية فيما لو اعتلى النظام الدولي فاعل يُعادي الديمقراطية شعار أمريكا الطنان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أميركا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد