تأثير السياسة الأمريكية على مستقبل الاتحاد الأوروبى

كان للتغيرات الجديدة في بنية النظام الدولي أثر على مستوى تحالفات الدول وسياساتها في الساحة الدولية بشكل عام، فعلى مستوى الشرق الأوسط نلاحظ ذلك التغير الجذري الذي حصل في المنطقة وظهور التحالف الإسرائيلي العربي – الممثل بالسعودية والإمارات ومصر بصورة علنية – وقد لعب ذلك التحالف على تغيير مسار معظم توجهات الدول العربية، خصوصًا أن المملكة العربية السعودية بمعية الإمارات يلعبان محورًا قياديًا وفعّالًا في المنطقة، والذي بدوره يعكس نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط باستثناء سوريا والجزائر وإيران، والذي بدوره أثر بشكل غير مباشر على بنية الاتحاد الأوروبي من خلال تعارض مصالح الولايات المتحدة مع مصالح الدول الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط في ظل تحالف إسرائيلي عربي يخضع للسياسات الأمريكية بشكل شبه مطلق أكثر من أي وقت مضى؛ مما يجعل نفط الخليج وأموالهم التي لا يحسنون التصرف بها، اداة بيد واشنطن تتحكم بها وفق مصالحها الوطنية بغض النظر إذا كان ذلك سيلحق الضرر باقتصاد بعض الدول الأوروبية التي تعتمد من خلاله على صفقات عملاقة، خصوصًا في مجالات الأسلحة والنفط.

أعتقد أن ذلك التحالف الجديد في قواعده والقديم في شكله مكّن الدول الأكثر إنتاجًا للنفط العالمي «الدول الخليجية » من الحصول على الدعم من «دونالد ترامب» بشكل أكبر من الماضي إلى درجة أنها لم تعد تهتم كثيرًا بعلاقاتها مع بقية الدول، ولاحظنا الخطابات شديدة اللهجة وتصرفات تلك الدول المفاجئة بحجة التدخلات الغربية في شئونها الداخلية كما حدث بين المملكة العربية السعودية وكندا على سبيل المثال، وإن كان مثالًا خارج النطاق الأوروبي، لكنه لن يمنعها من اتخاذ سياسة مماثلة ضد دولة أوروبية إذا تعلق الأمر بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية في ظل تحالف ترى فيه الرياض أنه سيحقق أحلامها الهشة في نزعة القيادة الدولية، وأنها تحت الحماية المطلقة.

– ملاحظة.. قد تتأثر دول الخليج سلبًا بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض بسبب ذلك الاعتماد وتخليها عن بقية الأصدقاء وعدم قدرتها على العمل دون الولايات المتحدة، خصوصًا ان السياسة الأمريكية متغيرة بتغير المؤثرات المحيطة بها، لكن ذلك ليس محور المقال حاليًا.

فبعد الدعم الذي منحه دونالد ترامب لدول الخليج لم يعد لدى هذه الدول وقت أو رغبة كبيرة في البحث عن مزيد من الشراكات مع الدول الأوروبية، كما كان في السابق، بل جعلها تركز على اتّباع التحالفات الجديدة التي تسعى سياسة ترامب لتشكيلها وفق رغبات واشنطن من أجل رسم النظام الدولي الجديد الذي لم تُعرف ملامحة بشكل واضح حتى الآن، وقد أصبحت مؤخرًا تلك التحالفات تتحكم في التجارة ومبيعات الأسلحة والمخاوف الأمنية في العالم.

إن سياسة ترامب في منطقة الشرق الأوسط أثرت بشكل أو بآخر على الساحة الدولية أجمع ودول الاتحاد الأوروبي بشكل خاص، فقد شعرت الدول الأوروبية بأن حليفتهم الولايات المتحدة قد بدٱت تتخلى عن فكرة التعاون الجماعي، وأنها تسعى لتكوين سياسة مغايرة عن السياسة المتعارف عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وخلق تحالفات جديدة، خصوصًا بعد انسحاب واشنطن من تحالفات واتفاقيات سابقة مثل اتفاقية الشراكة عبر الهادي، واتفاق باريس بشأن تغير المناخ، والتشكيك في قيمة «الناتو».

وقد ازداد التأثير السيئ للسياسة الأمريكية على العلاقات الأوروبية بعد انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني الذي بقت فيه مصرة على القرار، رغم توسل دول الاتحاد لها بالتراجع، إلا أن كل تلك المحاولات باءت بالفشل.

بالطبع فهي خطوات قد تجعل الولايات المتحدة الأمريكية تخسر الثقة التي تأتي من الدفاع عن الحرية، الديمقراطية واحترام المعاهدات الدولية ومستقبل فكرة الأمن الجماعي – لكن ذلك ليس مهمًا – وإنما الأهمية في اعتبار ذلك مؤشرًا على وجود مسار جديد وغير مألوف تخطوه السياسة الخارجية الأمريكية يجعل حلفاءها في الاتحاد الأوروبي وفي كل مكان أمام خيارين، إما الخطأ تبعًا للسياسة الأمريكية الجديدة أو الاعتماد الذاتي والعمل دونها، وبالتأكيد إن الخيار الثاني سيفقد دول الاتحاد الكثير من التعاون التجاري مع الولايات المتحدة من جهة والدول الخليجية من جهة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، أي أنه سيقيد أو يقلل حرية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من صفقات السلاح والتجارة العملاقة مع دول الخليج أو سيتم على الأقل التحكم بتلك الصفقات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وتكون هي التي ترسم الضوابط والمحددات لها، أي أنها لن تكون كما كانت عليه في السابق، وما اعتادت عليه أوروبا.

يبقى الجواب غير واضح بشكل كلي عن كيفية تأثير السياسة الأمريكية ومسارها الجديد على عمق الاتحاد الأوروبي ووحدته بشكل مباشر؟

فبالتركيز على الأحداث الأخيرة في الساحة الدولية.. نستطيع ضرب مثال على أثر التغيرات في المسارات والتحالفات الدولية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة على الاتحاد الأوروبي، فعند الوقوف على قرار تشكيل ترامب مؤتمر للدول المعادية لإيران في قمة استضافتها مدينة وارسو البولندية، وحيث إن للتحالف العربي الإسرائيلي دور كبير في انعقاده، وبالطبع كان واضحًا موقف ذلك التحالف من الشأن الإيراني، وكذلك أيضًا كان واضحًا موقف أوروبا المختلف عن الموقف الأول، والذي يعبر عن التزام الاتحاد الأوروبي بالاتفاق النووي الإيراني، إلا أن الجدير بالذكر أن بريطانيا كانت حاضرة في ذلك المؤتمر الذي يهدف إلى ردع الإرهاب الإيراني في المنطقة – كما وصفه وزير الخارجية مارك بومبيو – ولم تكن هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تواجدت في ذلك المؤتمر، بل هناك تواجد نرويجي وبولندي أيضًا.. وهو تعبير غير مباشر بأن بريطانيا هي الأخرى قد أعادت النظر في الاتفاق النووي الإيراني، وقد غيرت أحد مساراتها الدولية كما فعلت الولايات المتحدة من قبل بما يخص ذلك الاتفاق، وهو يعطينا استنتاجًا لحادثة أخرى عندما نقوم بربط الحضور البريطاني في وارسو واتّباع لندن لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية ومساراتها الجديدة بقرار خروجها من الاتحاد الأوروبي ومناقضة رغبات حلفائها الاوروبيين، أي بعيدًا عن الأسباب الفرعية للبريكست، مثل مشاكل الهجرة وتدفق اللاجئين وبالتركيز على مطامح لندن للمساهمة في رسم خريطة النظام الجديد الذي بدٱت واشنطن بتدشينه يعطينا صورة أكثر وضوحًا عن الأحداث التي تؤثر على الاتحاد الأوروبي من تلك السياسات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

وما كان ضرب المثال «لمؤتمر وارسو» إلّا أحد الأمثلة من أحداث عديدة تعطينا مؤشرات على تغير سياسة الولايات المتحدة وكيفية تأثير تلك التغيرات على الدول الأوروبية ومن ثم اثرها على الاتحاد الأوروبي ككل.

وبما أن بريطانيا أحد الأعمدة الرئيسة في الاتحاد الأوروبي، وخامس اقتصاد عالمي، ومركز أوروبا المالي، وصاحبة أكبر نصيب من الاستثمارات الأوروبية المباشرة، لذلك سيكون للخروج آثار سلبية على الاتحاد، وقد يفتح الباب لتفكير دول أخرى للخطو على ما خطت به بريطانيا، وفي نفس السياق صرح ماكرون قبل أيام قليلة عن رغبة باريس في إحياء الجدران العازلة داخل أوروبا واقتراح إلغاء بعض اتفاقيات بلاده مع الاتحاد.

قد يقول بعض الباحثين إن السبب يكمن واضحًا على السطح، فالهجرة غير الشرعية هي السبب، لكنني أرى أن سياسات رسم النظام الدولي الجديد هو السبب، وأن بقية الأسباب ثانوية، ففرنسا أيضًا ستلحق ببريطانيا في مسار رسم النظام الدولي الجديد، ومن الواضح انه إذا تم تنفيذ اقتراح الرئيس ماكرون، ستتوقف «قاطرة التكامل الأوروبي» عن الحركة، وهو ما قد يصبح بمثابة إرهاصات لتفكك الاتحاد الأوروبي لاحقًا، وموشرات على أن العالم سيتغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات