بعد زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايكل ريتشارد بينس لكل من مصر والأردن وتوجهه إلى إسرائيل وقيامه بإلقاء خطاب في الكنيست الإسرائيلي، أُثيرت حفيظة الفلسطينيين الذين كانوا قد أعلنوا عن عزمهم وتأكيدهم على رفض استقباله وأنه «غير مرحب به»، لأن الفلسطينيين كانوا على ثقة بأن هذه الزيارة ما هي إلا إرضاء للمصالح الإسرائيلية وتأكيد صارخ من الولايات المتحدة الأمريكية على أن القدس هي عاصمة إسرائيل، واستنكارها وتنصلها للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والتأكيد على أن ما تبقى من أمل للفلسطينيين في الولايات المتحدة الأمريكية بالتراجع عن القرار بات حلمًا لا تحقيق له.

كان لمايك بينس دائمًا أراء مؤيدة لليمين اليهودي ومؤكدة على الحق الإسرائيلي في فلسطين، وظهر ذلك من خلال تأييده على أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها بمهاجمة الأهداف المحيطة بها وعلى رأسها إيران التي تمتلك القدرة النووية والتي تمثل الخطر الأول على الحدود الإسرائيلية، وأيضًا في وقتٍ سابق أعلن عن تأييده لاستخدام الأسلحة ضد الفلسطينيين في الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة.

تعتبر زيارة بينس بمثابة صفعة مدوية للسلطة الفلسطينية التي كانت وما زالت متمسكة بالخيارات السلمية، وإن كانت ترى بأن الولايات المتحدة لن تكون راعية للسلام، وهذا الأمر وإن كان نظريًا مقبولًا كتعبير عن حق الفلسطينيين في إيجاد من يساندهم في قضيتهم، إلا أنه صعب التحقق لأننا نتحدث عن عالم أحادي القطبية، لايمكن للأطراف الدولية أن تغامر بمصالحها من أجل الفلسطينيين عوضًا عن أن أي طرف سيكون أضعف من الولايات المتحدة، وبالتالي إن كانت السلطة الفلسطينية ترى بأنها بإمكانها اللجوء إلى راع جديد فهي في أحلام وردية يجب عليها التنصل منها.

وإن كانت السلطة الفلسطينية ترى بأن خيار الحرب هو خيار ضعيف وبعيد المدى يجب عليها في خضم الأحداث الحالية وفي ظل الصفعات المتتالية من الولايات المتحدة الأمريكية أن تبحث عن وسيط للسلام تكون فيه الولايات المتحدة طرفًا وفاعلًا رئيسًا ومهمًا على اعتبار أن إلغاء الوساطة الأمريكية في عملية السلام بالشرق الأوسط هو غير ممكن وإن كان بالإمكان القول بأنه مستحيل إلا إذا تغيرت المنظومة الدولية وأصبحنا نتحدث عن عالم ثنائي أو متعدد الأقطاب.

وفي إطار الزيارة قام بينس بزيارة حائط البراق في تأكيد من الولايات المتحدة على أنه لا يوجد أي اتفاق إقليمي يمنع إسرائيل من السيادة على الحائط، وأيضًا بدأ الاستعدادات الأمريكية لنقل السفارة الأمريكية للقدس، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أكثر وأكبر عدو للفلسطينيين من خلال خطواتها وتصريحاتها الاستفزازية التي تقوم بها في الآونة الأخيرة.

تعتبر هذه الزيارة هي دافعة قوية لتمرير والبدء بتطبيق الإيحاءات الخفية لصفقة القرن التي بدأت تتكشف في بطءٍ شديد والتي لم تأتِ إلا بعد ضغط إسرائيلي متكرر على الإدارة الأمريكية، وما هي إلا خطوة للبدء بتصفية القضية الفلسطينية.

ويمكن القول بأن زيارته للأردن ومصر أولًا تعبر عن رغبة من الإدارة الأمريكية في حشد الدعم العربي للقبول بقرار القدس ومن أجل أن يكون لها حليف يقوم بالضغط على الفلسطينيين للقبول بها، وبالرغم من محاولة بينس إقناع الأطراف العربية من خلال زيارته لكل من الأردن ومصر بالموافقة على قرار الولايات المتحدة بخصوص القدس، بالرغم من أن زيارته للأردن أدرجت مؤخرًا وذلك في محاولة منها لتخفيف حالة الاستنكار والغضب لدى الأردن بعد قرارها الأخير في اقتناع منها أنها من الممكن أن تحقق هدفها وأن تستحوذ على القبول العربي للقرار الأمريكي، إلا أن بينس لم يحقق ما جاء من أجله، بالرغم من أن اتفاقه معهم على ضرورة إقامة دولة فلسطينية على حدود 67 إلا أنه خرج خالي الوفاض من الموافقة على الموافقة على أن القدس عاصمة إسرائيل.

تظهر الإدارة الأمريكية اليوم بموقع المُضطهِد للحقوق الفلسطينية، لأنها تحاول إجبار الفلسطينيين للاستمرار في مسار التسوية السياسية والعودة للمفاوضات وفقًا للشروط الإسرائيلية ولكن باختلاف بسيط وهو الكف عن ذكر ملف القدس باعتبارها أصبحت ملكًا للإسرائيليين.

في الختام يمكن القول أن ثقة الفلسطينيين بأنفسهم تتخطى حدود المنطق والواقع، بالرغم من كل ممارسات الاضطهاد والعنصرية ضدهم إلا أنهم متمسكين بحقوقهم الفلسطينية المشروعة وبإقامة الدولة الفلسطينية، وأن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وأن على الأطراف الدولية أن تتقبل بأن الفلسطينيين ليسوا ممن يتخلون عن الأرض التي قدموا في سبيلها التضحيات الجمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد