متيمنًا بفاتحة كتاب عن الحب وشياطين أخرى للكاتب القدير جابريل جارسيا ماركيز أبدأ مقالتي هذه.

اقتحم ترامب الذي تعلو وجهه حمرة بارزة بتاريخ 20 مايو (أيار) 2017 أوعاس الخليج العربي فقلب موازينَ عُمل بها منذ نحو 70 عامًا، ونهش أشلاء تحالفات وصداقات استمرت هذه المدة أيضًا، وأثخن حكومات أُثخنت من حروب دفعت فاتورتها مضاعفةً ومرارًا وتكرارًا.

شرهٌ للمال وحريصٌ على تحقيق مكاسب لحكومته الوليدة والجديدة في وصولها لمستوياتٍ عاليةٍ من التغول، وخلال يومين فقط، قفل راجعًا إلى قبيلته محملًا بالمليارات من الدولارات وتاركًا خلفه ضرعًا حلوبًا ليستعيد عافيته بعدما تم استنزافهُ.

وبنفس الزيارة أعطى الإيعاز لهذه الحكومات بأن تتحول من الإسلام السلفي المتشدد إلى ما يسمى بالإسلام الناعم فنرى كاظم الساهر يقيم حفلة في السعودية وياني أيضًا بعد أن كان من المحرمات على المرأة أن تشغل التكييف وليس في البيت رجل (إحدى فتاوى السلفية الوهابية).

والآن يعود ترامب أيضًا ليؤكد على أهداف حكومته لمستقبل المنطقة ويتأكد من أن هذه الأهداف تتحقق ويعلن هذه الأهداف عن طريق الإعلام، سلاح أمريكا الأوحد.

نعم، نحن نعيش عصرًا أمريكيًا بامتياز.

فبالسابق كانت الحكومات الأمريكية تنهب ثروات العالم ولكن بطريقةٍ سياسيةٍ ودبلوماسية حيث كانت تصنع التحالفات وتصطنع الحروب لسد جوعها الذي لا يشبع للمال والموارد، وبالسابق كانت الحكومات الأمريكية واجهات لرجال الأعمال وهم أي رجال الأعمال أوجدوا هذه الحكومات لكي تحقق مصالحهم، ولكن الآن (لا وقت للحب)، لا يوجد وقت ولا حاجة أيضًا لدى هذه الحكومة للدبلوماسية والسياسة فقد بلغ الجشع الأمريكي مبلغه بعد أن ترأسها مباشرة وبوضوح حكومة من رجال الأعمال، لذلك السياسة الأمريكية الخارجية الحالية قائمة على مبدأ (هذا ما نريده وهذا ما سيتحقق وبسرعة وبدون مقدمات وبدون جدال أيضًا) وإلا فسيف الربيع العربي مسلط على كل الحكومات العربية.

هذا الربيع الذي بدأ من الجزائر في مطلع التسعينيات والذي خرجت منه الجزائر بعد أن قامت بشراء سندات دين الحكومة الأمريكية (أي بدفع الإتاوة لأمريكا) واستمر هذا الربيع ليصل إلى تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا بحجة الديمقراطية المشوهة التي تريدنا أمريكا أن نتبناها الآن.

نعم، نحن نعيش عصرًا أمريكيًا وبامتياز.

فأمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تأمر وتنهى في هذا العالم فلا حل ولا ربط إلا بموافقتها وتزكيتها ومباركتها، فجامعة الدول العربية تنعقد بوجود مندوب لأمريكا بها فالخطابات تكتب مسبقًا والقرارات تكتب مسبقًا ونحن نجتمع فقط لكي نصادق على هذه القرارات واجتماعنا عبارة عن حدث إعلامي فقط لا أكثر.

نعم، نحن نعيش عصرًا أمريكيًا وبامتياز.

فخيارات الدول والحكومات محدودة فهي إما أن تكون وطنية حيث لا تستمر سوى بضعة أعوام مليئة بالأزمات أو أن تكون عميلة وتسحق مواطنيها سحقًا أو أن تكون شريكة لأمريكا وتملك ما تفاوض عليه ومع ذلك تعيش حالة من التذبذب بين الأزمات ومساحات قليلة من الهدوء النسبي.

نعم، نحن نعيش عصرًا أمريكيًا وبامتياز.

فهي تقرر ما يجب علينا تدريسه لأبنائنا وما يجب أن نأكل وما يجب أن نسمع من الأغاني وما يجب أن نلبس هي تفرض علينا طريقة حياة، إذًا… لماذا؟ أنا أسألكم، كل هذه الدول والحكومات والعملات ما دامت أمريكا هي الحاكم بأمرها فينا لماذا نعيش مواطنين من الدرجة العاشرة في دول تحكمها أمريكا، لمَ كل هذه المهزلة لمَ لا نحقق حلم رجال الأعمال ونعطيهم الدولة العالمية التي طالما طمحوا بها وسعوا من أجلها ونصبح مواطنين أمريكيين حتى ولو كنا مواطنين من الدرجة الخامسة.

لا تخافي يا أمريكا فنحن لا ولن نطالب بحق الانتخاب فهذا الحق لم نعتد عليه، نحن فقط نريد العيش بسلام، نحن فقط نريد أن نخرج من هذه الحالة من الانفصام العقلي والاجتماعي. لا تخافي سيبقى لك شعبك الماشي خلال النوم ليعود وينتخبك مرة تلو أخرى.

نعم، نحن نعيش عصرًا أمريكيًا وبامتياز.

لم نعد نريد انتظار 2022. لم نعد نريد النظر إلى طوابير المواطنين على سفاراتك وهم ينتظرون الموافقة على التأشيرة.
نريد جواز سفر أمريكيًا، نريد التعامل بالدولار مباشرة وليس بعملات هي وجوه مشوهة منه.

من قال إن الشعب يريد إسقاط النظام؟ الشعب يريد إحلال النظام… النظام الأمريكي طبعًا. فهذا الشعب قد فقد معاني العمالة والشراكة والوطنية وعندما تفقد هذه المصطلحات معانيها علينا كلنا أن نهتف:

«الشعب يريد أمريكا وبس.. الشعب يريد أمريكا وبس.. الشعب يريد أمريكا وبس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات