«يجب أن يتم وزن الأصوات الانتخابية وليس عدها» عبارة قالها الفيلسوف والمؤرخ والشاعر الألماني فريدريش فون شيلر «Friedrich Von Schiller» على الأقل منذ أكثر من 215 عامًا (توفي في 9 مايو 1805م).

تذكرت هذه المقولة ونحن في خضم الانتخابات الأمريكية التي جرت يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وما زالت عملية فرز الأصوات جارية في ولايتين أو ثلاث، كما استمرت تداعياتها حتى بعد انتهاء الفرز في معظم الولايات والإعلان غير الرسمي عن تفوق المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن ونائبته كامالا هاريس على الرئيس الحالي والمرشح الجمهوري دونالد ترامب ونائبه مايك بنس؛ ليكون -في ما يبدو- بايدن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، وسط مناوشات من ترامب الذي أعلن مرارًا وتكرارًا أنه الرئيس المنتخب للمرة الثانية.

تذكرت مقولة شيلر وسرح بي الخيال في ماذا لو تم تنفيذها واقعيًّا؛ ماذا ستكون النتيجة؟

كي تتحقق هذه المقولة يجب أن نضع عاملًا نعتمده كمحدِّد لعملية تحديد وزن كل شخص، ولعل الحصول على الشهادة الجامعية كحد أدنى من التعليم يكون محدِّدا جيدًا ومنطقيًّا في تحديد وزن كل شخص؛ إذ من جهة ربما يكون مقياسًا معتبرًا لتقدير مستوى فهم الفرد وثقافته واطلاعه واهتمامه بما يجري حوله من أحداث أو في العالم، ومن جهة أخرى الحصول على الشهادة الجامعية هو النسبة الأكبر قياسًا على الحصول على المستويات الأخرى من التعليم العالي كدرجات ما قبل الماجستير والماجستير والدكتوراه؛ لذا سنعتمد في مقالتنا هذه الحصول على الشهادة الجامعية كمحدد حاكم في تحديد وزن الفرد.

وكي يكون تطبيقنا لهذا المحدد منطقيًّا؛ فإنه يجب ألا نبتعد في تحديد الشريحة المستهدفة بالدراسة عن أقرب انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولمَّا كانت انتخابات عام 2020م لم تنتهِ أصداؤها ولا تفاعلاتها ولا تداعياتها، بل قد تطول هذه التفاعلات والتداعيات وتتمدد وتنتشر لتتحول إلى فيلم حركة «Action» من أفلام السينما الأمريكية يشاهده العالم.. لما كانت انتخابات عام 2020م غير واضحة التفاصيل والإحصاءات؛ ارتأيت في دراستي هذه الاتجاه إلى انتخابات عام 2016م، وذلك لأنها آخر انتخابات رئاسية تمت وانتهت وظهرت أرقامها وإحصائياتها، كما أن أحد أطرافها هو مرشح في انتخابات 2020م، وهو الرئيس الحالي دونالد ترمب.

لذا كان اختيار «الحصول على الشهادة الجامعية» هو المعيار المحدد لوزن الفرد، وكانت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016م هي الشريحة التي ستتم دراستها عبر تطبيق هذا المعيار عليها.

نشير بداية إلى معلومة تأسيسية؛ هي: وفقًا لمكتب تعداد الولايات المتحدة فإن التحصيل التعليمي في الولايات المتحدة لدرجة الحصول على الشهادة الجامعية لعام 2018م هو 36.98% لمن هم بين 25 إلى 30 عامًا.

الوزن لا العدد.. نظرة في تقرير مكتب الإحصاء الأمريكي عام 2016م

أورد تقرير مكتب الإحصاء الأمريكي حول التحصيل التعليمي في الولايات المتحدة لعام 2016م أن أكثر الولايات الأمريكية حصول مواطنيها على الشهادة الجامعية بأكثر من 35% هي: كولورادو «(CO) Colorado» ورود آيلند «(RI) Rhode Island» وكونيتيكت «(CT) Connecticut».

وبالنظر إلى خارطة نتائج انتخابات عام 2016م نجد أن جميع هذه الولايات قد ذهبت أصوات المجمع الانتخابي فيها إلى هيلاري كلينتون الديمقراطية.

كما أورد التقرير أن عدد الولايات التي نسبة الحاصلين فيها على الشهادة الجامعية من 30 إلى 35% هو 8 ولايات؛ منها ولايتان فقط ذهبت أصواتهما إلى ترمب هما ولاية أوهايو «(OH) Ohio» و«(WY) Wyoming»؛ بينما الولايات الست الأخرى (واشنطن، نيويورك، إلينوي، فيرمونت، ماساتشوستس، ديلاوير) ذهبت أصواتها إلى هيلاري كلينتون.

فيما 10 ولايات من 18 ولاية كانت نسبة الحاصلين على الشهادة الجامعية من 25 إلى 30% ذهب أصواتها إلى كلينتون مقابل 8 لترامب.

وكذلك فإن الولايات التي نسبة الحاصلين على الشهادة الجامعية أقل من 20%؛ كان عددها ثلاث ولايات ولايتان منها ذهبت أصواتها إلى ترمب هما: تينيسي «(TN) Tennessee» وألاباما «(AL) Alabama»؛ فيما كانت الولاية الثالثة هي: ماريلاند «(MD) Maryland» قد ذهبت بأصواتها إلى كلينتون.

وهذه الأرقام تشير بوضوح إلى فوز كلينتون في الولايات الأكثر حصولاً على الشهادة الجامعية؛ بالرغم من أن هناك ملاحظة مهمة حول هذه الانتخابات؛ إذ حقق ترمب في الولايات نسبة نجاح لصالحه أكثر من كلينتون؛ فحصل ترمب على 29 ولاية مقابل 21 ولاية لكلينتون؛ ومع ذلك فقد حصلت كلينتون على الولايات الأكثر حصولًا على الشهادة الجامعية.

وبالعودة إلى فرضية شيلر بتمنيه وزن الأصوات لا عدَّها؛ فإننا نجد أن هذه الفرضية إذا نُفِّذَت فإنها ستحقق الفوز لكلينتون بوضوح وبلا مراء، وكان سيكون جلوسها على كرسي الرئاسة أمرًا لا نقاش فيه، وكان سيكون من أبعد أحلام ترمب حتى مجرد الاقتراب من هذا الكرسي؛ ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، لأن الأصوات بالعدد لا بالوزن.

الوزن لا العدد.. نظرة في تركيبة الحزبين الجمهوري والديمقراطي

وتركًا لحديث الأمنيات حول الوزن لا العدد، وبعيداً عن انتخابات 2016م، وبما أننا أمام استحقاق انتخابي رئاسي ما زال جاريًا في الولايات المتحدة، وحيث إن المقعد الرئاسي منذ عام 1856م تحت سيطرة أحد الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي؛ فإنه من المناسب أن ننطلق من فكرة «الوزن» لا «العدد» لنتطرق إلى تركيبة هذين الحزبين من خلال عاملَيْن حاكمَيْن في تحديد قيمة الحزبين «الوزنية» لا «العددية»؛ دون التطرق للعوامل الأخرى التي تحدد تركيبة كل حزب في المجتمع الأمريكي، مكتفين بالحديث عما يرتبط بأصل المقالة القائم على المقارنة بين «الوزن» و«العدد»، والذي بنينا المعيار الحاكم فيه هو المستوى التعليمي.

هذان العاملان الحاكمان هنا هما:

– العمر: العمر يعطي دلالة قوية على اهتمام الفرد بالعلم؛ حيث الأشخاص الأصغر سنًّا أكثر حرصًا على العلم، وأعلى قابلية في التعلم.

وتخبرنا المؤشرات أن الأشخاص الأصغر سنًّا يميلون إلى الحزب الديمقراطي؛ فيما يتجه كبار السن إلى دعم الحزب الجمهوري، لهذا نجد الشباب أكثر انضمامًا للحزب الديمقراطي؛ كما أن الحزب أكثر ميلًا لقضايا الشباب.

– العرق: الولايات المتحدة معروفة بتنوع الأعراق فيها ما بين بيض وسود وملونين ذوي أصول إسبانية أو أمريكية جنوبية أو جنوب شرق آسيوية أو هنود أو عرب وغير ذلك؛ ولأن الغريب عادة ما يكون التعليم أحد أهم تقديراته لتثبيت تواجده في البلد التي هاجر إليها، ولإثبات وجوده كذلك؛ فإن العرق عامل فارق في تحديد التفوق العلمي، وقد أشارت الإحصائيات إلى أن العرق الآسيوي يحتل المرتبة الأولى في التفوق التعليمي في الولايات المتحدة الأمريكية، متفوقًا في ذلك على العرق الأبيض؛ الأمر الذي يؤكد الاهتمام العرقي بالتعليم.

وعلى مستوى الحزبين؛ فإننا نجد أن 40% من ذوي الأعراق المختلفة في الولايات المتحدة يدعمون الحزب الديمقراطي مقابل 8% فقط يدعمون الحزب الجمهوري، ولهذا الدعم تأثيره في توجهات كل حزب؛ حيث نجد الحزب الديمقراطي أقرب إلى دعم حقوق الأقليات، فيما يهتم الجمهوري بتأصيل حقوق العرق الأبيض وضرورة سن قوانين لتقييد الهجرة والحد من دخول الأعراق الأخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

لن نعود لحديث الأمنيات حول «الوزن» لا «العدد» ؛ لأنه لن يقدِّم أو يؤخر، ولن يجد طريقه للتطبيق لا في الولايات المتحدة ولا في غيرها من بلدان العالم، وليس في المنظور القريب أو البعيد ما يشير إلى ذلك؛ هذا عوضًا عن صعوبة تحقيق ذلك في الواقع العملي، وأن تطبيق هذا الفكر يحتاج لقدر كبير من التفكير والتخطيط والتجهيز والتنفيذ، وهذا عبءٌ على عبء الانتخابات المضني.

بيد أن ما يمكن الاستفادة منه من حديث الأمنيات هذا هو الإشارة إلى ضرورة السعي في رفع المستوى التعليمي في البلاد التي نعيش فيها؛ كي تصبح أصوات الأعداد كأصوات الأوزان، أو تقاربها على أقل تقدير.

والتأكيد على أنه كلما ازداد عدد المتعلمين كان وصول الأنسب للمناصب المؤثرة في البلاد أقرب؛ وبالتالي تحقيق نمو وتطور وازدهار في البلاد، وتقليل مجالات التأخر والتعطل والروتين، وربما الفساد والظلم.

«الوزن» لا «العدد».. إنه حديثُ أمنياتٍ نعم؛ لكن من الممكن أن نحصل منه على حديثِ واقِع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد