الاستعمار الجديد الممثل من طرف الولايات المتحدة هو المسيطر على الأحداث العالمية، إنه يلاحظ، يدقق ويحلل ويتجسس. إنه يوّجه ويخطط لمصلحته، إن لم نر أياديه في الأحداث العالمية، نجد أنفاسه حتى في الأحداث التي لا تعنيه، محاولًا تحويل جميع أزمات العالم لصالحه ومصلحته مهما كان مجال الأزمة (سياسية، اقتصادية، دينية)، إنه ينفّذ استراتيجياته وخططه بذكاء بارع باستغلال إمكاناته وأدواته المعتبرة، وهذا ما يجعل الولايات المتحدة تقسّم انتصارات البشرية إلى نوعين: انتصار وهمي، وانتصار حقيقي دائمًا المستولي عليه هو الولايات المتّحدة، ومن أحد هذه الأدوات البروباغاندا أو الدعاية.

سياسيًا تستخدم الدعاية من أجل السيطرة على الرأي العالمي من خلال العديد من الإجراءات النفسية والمتطوّرة، وفي القرن العشرين أصبحت البروباغاندا علمًا في حد ذاته بعد أن استغلّت الولايات المتّحدة ريادتها لعالم التكنولوجيا والأبحاث العلمية، وذلك بجعل التطوّر الحاصل في ميدان الإعلام ووسائل التواصل في خدمة دعايتها.

يقال إن السياسة هي فن التقاط رغبات وآمال الجماهير الحقيقية، وجعلهم يسمعون ما يريدون سماعه، لذا على السياسي الماهر أن يعرف جيّدًا سيكولوجية شعبه؛ لكي يحوّلها لصالحه؛ لكي ينجح في معاركه السياسية، والولايات المتّحدة تمكّنت من وضع يديها على الشرق الأوسط والوصول إليه عن طريق ما ذكرناه سابقًا؛ لأنها درست جيّدا نفسية شعوب هذه المنطقة، وعرفت كيف تفكّر، وكيف تتصرف في أوقات الأزمات، لقد عرفت أن من أزمات العقل المسلم هي العاطفية الزائدة في التعامل وسيطرة الوجدان على تصرّفات المسلم وتفسيراته للأمور والواقع والتاريخ، لقد عرفت أن آراء المسلم في السياسة والاقتصاد والدين ليست أراءً في حد ذاتها؛ لان المسلم لم يتعلم في المدرسة أن يحكم على الأمور وينقدها، بل تعلّم إما أن يحّب أو يكره، وليس أن يصدر حكمًا في قضية معيّنة، ولهذا قلّما يحدث التغيير في أوضاع العالم الإسلامي، لقد انتفض المسلم في ثورات سمّيت بـالربيع العربي أملًا في تغيير أوضاعه، لكن سرعان ما تحوّلت هذه الثورات إلى سيبيريا عربي؛ لأن المسلم لم يعرف ماذا يريد، وعما يدافع؟ وعمن يدافع؟ فإن قالوا دافع عن الحريّة نجد أن الشعوب المسلمة هي أكثر الشعوب رفضًا لهذا المصطلح بذريعة الحفاظ على الثوابت، وإن قالوا دافعوا على المساواة، فإن المسلم لا يقبل المساواة بين الرجل والمرأة في الكثير من المواضيع، ولا يزال يرى أن المرأة مجرد مخلوق لا يزال يحتاج إلى الوصاية والرقابة.

لقد كانت البروباغاندا الأمريكية المدعّمة من طرف مراكز الأبحاث تهدف إلى شل طاقات المسلم بخلق المعارك الوهمية لإلهاء المسلم عن واقعه الحقيقي، لعرقلة أي مشروع أو فكرة مفيدة تساهم في نهضة البلاد الإسلامية، فتارة تدعو أمريكا إلى ترسيخ مبادئ الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان في العالم الإسلامي، وهي في الجانب الآخر تدعم من يعادي هذه القيم التنويرية التي ستساهم في نهضة العالم الإسلامي بتمويل الأحزاب الدينية الإسلامية الرجعية، سواء من الشيعة أو السنّة والسلفية التي تتمادى في إغراق الواقع المسلم في التفسيرات الغيبية والمماحكات الجدالية التي لا تجدي نفعًا، كالقول بأن هذا الواقع الذي يعيشه المسلم هو غضب من الله، لقد كان الهدف إعطاء صورة سيّئة عن الإنسان المسلم ليكون من أحقر الكائنات على وجه الأرض، ولا نحتاج للأمثلة في ما يخصّ هذا لأن الواقع وحده يتكلّم عن هذا.

لقد كانت الدعاية الأمريكية تنفّذ نفس الأساليب مع الشيوعيين والاتحاد السوفييتي، لكن الهدف واحد، وهو تشويه الخصم الذي ستتسبب نهضته في تدميره، لكن لا يجب تحميل الولايات المتّحدة وزر أوضاع العالم الإسلامي الكارثية، وننسى أننا الأشخاص المسؤولون عن هذه الأوضاع في المقام الأول؛ لأننا نحن من سمحنا لهذا بأن يحدث، إننا مستعمرون، ونحن لا نستطيع أن نتفطّن لهذا لأن أسباب هذا الاستعمار لا تزال متجذّرة فينا، بل نعشقها ونجعلها من ثوابتنا، نحن لم نحسن قراءة تاريخنا؛ لأننا شعوب لا تعرف قيمة التاريخ وتراه مجرّد أحداث لا فائدة منها إلا التسلية أو التحدّث، فكم من حدث تاريخي في الموروث الإسلامي لا يملك أدنى تفسير عقلاني علمي؟ من يستطيع أن يعطينا تفسيرًا عقلانيًا لماذا تم اغتيال الخليفة عمر بن الخطّاب، وبطريقة مدبّرة وبتخطيط مسبق؟ من يستطيع أن يفسّر لنا كيف تأمر الصحابة على أصحابهم مثلما تأمروا على أخيهم علي بن أبي طالب، بالرغم من أن المسلم لا يستطيع أن يحرر عقله من خرافة أن الصحابة عدول جميعًا، وهم الذين قتلوا بعضهم بعضًا وتأمروا على بعضهم البعض؟ نعم ليس هناك تحليل علمي منطقي وموضوعي لهذه الأحداث التاريخية المصيرية التي قسّمت العالم الإسلامي وساهمت في تشتيته.

إن عدم قراءة التاريخ الإسلامي قراءة علمية وموضوعية من طرف المفكّرين المسلمين، ساهم ذلك بتضليل عقول المسلمين، وشكّل هذا التغافل عن نقد الموروث الإسلامي الفكري في تحويل هذا الأخير إلى مادة دسمة للبروباغاندا الأمريكية لكي تبرر تدخلاتها في الشرق الأوسط، ومن ثم تطويع جماهيرها لأهدافها الخاصة ومحاولة خلق التأييد الاجتماعي لسياستها، لقد أدركت الولايات المتّحدة أهمية الدعاية في حروبها ضد خصومها، وها نحن الآن ندفع ثمن هذه الدعاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد