في عام 1807 م ، غذيت المخيلة الأمريكية برواية بعنوان : ” تاريخ معاناة و أسر مسز ماريا مارتن”، كانت تلك قصة شهوانية لخصت بعنوانها الفرعي الحاد : ( استرقت لست سنوات في الجزائر ، قضت اثنتين منهم مقيدة في زنزانة مظلمة و موحشة ، مثقلة بالحديد لرفضها الاستجابة لطلب وحشي من ضابط تركي)

نحن غالبا ما ننسى أن الأمريكيين مكثوا يتأملون في الإسلام لقرون عديدة . في أيام الجمهورية المبكرة ، المسلمون لم يحسبوا فقط كجزء كبير من قوى الرق الكادحة ، لكنهم أُظهروا في القصص في هيئات مرعبة تعرض القيم الأمريكية للخطر .

هذه التصورات القديمة تساعدنا اليوم في إلقاء الضوء على المناظرات الأمريكية عن الإسلام . في الأيام المبكرة للجمهورية ، كانت القصص الشعبية عن المسلمين تقتصر على حكايات أولئك الذين أُسروا و استُعبدوا في أراضي المسلمين .
روائيون مثل مسز ماريا مارتن دعموا الرعب المنتشر من قراصنة شمال إفريقيا بنشر قصص الاختطاف المثيرة . و أحيت تلك الروايات عهد الكتب الأكثر مبيعا عن أولئك المستعمرين البيض المحاصرين من قبل الهنود الحمر .

هؤلاء يستهدفون الإسلام والمسلمين في أمريكا

و مع تقدم سنوات القرن التاسع عشر، بدأ بعض الداعين لإلغاء الرق يجادلون بأن الإسلام لديه ما يعلمه للنصرانية ، معارضو العبودية نادوا بأن ملاك العبيد بالأراضي الإسلامية أكثر عدلا من نظرائهم بالولايات المتحدة .

 

صور1

في 1810 م ، نشرت ( ذا نيو هامبشير باتريوت ) قصة بعنوان : ” تسامح الإسلام “، صورت القصة أحد الخلفاء المسلمين كنموذج للإيمان والفضيلة ، فرغم أن أحد عبده سكب الحساء عليه وأحرقه ، فقد عامله الخليفة بلطف وأعتقه فيما بعد ، مستشهدا بالقرآن لتدعيم رحمته .

علقت الصحيفة على هذا المثال قائلة : ” ربما يكون من النافع تقليده من أساتذة المذاهب الأنقى”، وُظف الإسلام هنا لنسج قصص توجيهية لتنوير الجماهير وتوبيخها في نفس الوقت. إذا استطاع المسلم الإصغاء لنداء خافت من دينه بتحرير العبيد وتحسين فرصهم ، فكيف لا يستطيع النصراني _ الذي يزدري الإسلام _ أن يفعل المثل ؟!

هل كان الإسلام أحد الآباء المؤسسين لأمريكا؟!

 

 

صور2

هذا المبدأ القائل بأن العبودية المحكومة بالإسلام أكثر إنسانية من تلك المحكومة بالإنجيل هو خرافة بلا شك _ لكنه بقي قائما _ فبعد سبعة أعوام نشرت ( ذا كونيتيكت كورانت ) تقريرا بعنوان :

” معاملة العبيد الزنوج في مراكش .. نداء للمسيحين لتعلم المناقب الأخلاقية من المسلمين ” المنادون بإلغاء الرق كانوا خلف هذا التقرير، و لم ينكروا أن الكثير من المسلمين ملاك و تجار رقيق ، لكنهم جادلوا بأن أولئك الذين يصلون لله غالبا ما يعاملون أسراهم أفضل ممن يصلون للمسيح ، فنرى عندهم ” العبيد الأكثر ذكاء يتعلمون القراءة و الكتابة ” و ” يكتسبون معرفة جزئية بالقرآن “.
(ذا كورانت) ادعت أن العبيد في الأراضي المسلمة يبتهج أسيادهم ابتهاجا شديدا إذا تحولوا و كفروا ( تعني اعتناقهم الإسلام ) ثم يحررونهم مثل الخليفة السالف الذكر .

مثل هذه المعالجة الدمثة للإسلام في الصحافة اختفت سريعا ، جزئيا و ربما بسبب الخوف الممتد من ثورة عام 1835 بقيادة المسلمين في مدينة باهيا البرازيلية ، والتي لفتت انتباه الأمريكيين حتى في الولايات التي ألغت العبودية .
جاء في تقرير مبهر كالعادة لـ ( ماستشيستس ) : ” في صباح الخامس و العشرين من يناير سقط سائر مدينة باهيا في حالة من الفوضى العظيمة نتيجة لتمرد العبيد ، إنها الانتفاضة الأفضل تخطيطا و الأكثر امتدادا التي فكرت فيها تلك الكائنات التعيسة حتى الآن “.

 

 

صور3

فيما بعد سموها بثورة المالي _ وهو ما يطلق على المسلمين في لغة سواحل غرب إفريقية _ هذه الانتفاضة كانت معركة دينية شنها المسلمون ضد العبودية النصرانية ، كثير من الموتى كانوا يرتدون تمائم مصنوعة من أجربة جلدية بداخلها أوراق منقوشة بعبارات قرآنية .

ماذا نعرف عن المسلمين في دول أمريكا الجنوبية العشرة؟

في ظلال ثورة باهيا ، ظهر نوع جديد من المسلمين في صحف الولايات المتحدة. في مقال ( ذا بوستن ريبورتر ) المعنون بـ :” نصراني أفريقي متحول عن الإسلام ” نشرت الفضائل المسيحية التي اكتسبها عبد مسلم سابق يسمى مورو ” ألقى جانبا القرآن الملطخ بالدماء ” و ذكرت الورقة ” الآن هو يصلي تحت قدمي أمير السلام “.
كطمأنة للقراء بأن الانتفاضة الإسلامية لا يمكن أن تحدث هنا ، اتخمت المقالة ببعض كلمات من فم المرتد مورو _ من غير المرجح أن يكون قد قالها _ : ” بارك الإله الأراضي الأمريكية ! بارك الإله الرجال البيض ”

ماذا تعرف عن المخطوطات القرآنية التي تم اكتشافها في أمريكا؟

كذلك في الآونة الأخيرة غالبا ما تتأرجح حكاياتنا عن الإسلام فيما بين الأوهام وإطلاق التحذيرات. في الأربعينيات والخمسينيات عرضت العديد من الأفلام غزوات رومانسية خفيفة للشرق الأوسط ، لكنها أفسحت المجال بذلك للخوف من المسلمين السود الذي وصل لذروته في 1964 مع تحول محمد علي للإسلام ، أغلب المسلمين يقتفون آثار قصتهم الأمريكية إلى العام التالي حيث قانون 1965 للهجرة والجنسية والذي سمح بالمزيد من المهاجرين من آسيا و إفريقيا و ساعد بخلق المجتمع المتنوع لمسلمي الولايات المتحدة اليوم .

المكتشف الأوّل لأمريكا .. أمير بِحارٍ عربيٍّ، ربما تكون النقاشات الأمريكية عن الإسلام مزعجة وصاخبة ، لكنها ليست بالجديدة .
و هذه الصور القديمة تذكرنا لنتجنب نزعتنا القديمة لتصوير المسلمين _ الآن هم ملايين من مواطنينا الأنداد _ فقط كشخصيات كاريكاتيرية شريرة مرعبة أو كنماذج أخلاقية جوفاء .
تنبيه هام : في جميع اقتباسات الكاتب عن الصحف الأمريكية في القرن التاسع عشر أُشير للإسلام بالمحمدية و للمسلمين بالمحمديين ، لكننا تجنبنا الترجمة الحرفية لاعتبارات عدة ، أهمها أنه كان هنالك اعتقاد لدى المستشرقين بأن النبي كان معبودا لدى المسلمين كما المسيح عند النصارى و هذا خطأ قطعا .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

WSJ
عرض التعليقات
تحميل المزيد