بين ليلة وضحاها, أصبح أخي أمير حيدر عنان الشخصية الأشهر في عالم التواصل الاجتماعي في قطاع غزة, وأصبح خبر وفاته عن عُمر 24 عامًا هو الأبرز على صفحات النشطاء والأصدقاء, الذين حاول كل منهم أن ينعيه بطريقته, ويذكر محاسنه ومآثره, عزيمته وإصراره وطموحه. نعَتهُ الصحافة المحلية, التي كانت قد لقّبته بـ “ستيفن هوكينج الفلسطيني”, وعنونتْ إحدى الصحف: وفاة مبدع فلسطيني بعد صراعٍ مع المرض.

 

 

 

أشكُّ في قدرتي على التعبير بكلماتٍ أفضل من كل الناعين الذين كتبوا عن أمير, ورأوا فيه صفات, نعم كنّا – بحكم كوّننا أبناء بيتٍ واحد- نعلم أنها موجودةٌ فيه, ولكنها لم تكن بهذا القدر من الإكبار والإعجاب الذي جاء في سطور كتبها أصدقاء أمير ومعارفه, البعيد منهم قبل القريب. لا أدري, هل يستطيع عادةً البعيدون عن الجوهرة أن يشعروا بقيمتها أكثر ممن هي في حوزتهم؟

 

 

 

 

في إحدى المحادثات الأخيرة التي جمعت بيني وبين أمير ووالدي, قلتُ لهم إنني أريد أن أعود للكتابة, وأخبرتُهم عن بعض الأفكار التي راودتني كخطوطٍ عريضة للرواية التي طالما تحدثتُ عن رغبتي بكتابتها. يرن الآن في أذني طلبُ والدي وهو جالس بجوار سريره: اكتبي عن أمير.

 

 

 

أتعلمُ يا أبي, سيكون للحديث عن إنجازات أمير وأعماله الإبداعية جلسةٌ أخرى. سأكتب اليوم عن أمرٍ مختلف, لأن هناك جنديين مجهولين لم ينالا بعدُ حقّهما من الوصفِ والكتابة. سأكتب عنكما يا أبي العزيز, أنت وأمي.

 

 

أبي وأمي يا سادة هما السرُ وراء تميّز أخي, وهما من غرس فيه وفينا حب العلم والمثابرة والاجتهاد.

 

 

 

 

والدي أ.د. حيدر سليم عنان, عالِمٌ رفيع المستوى, لا يكل ولا يمل من العلم. تخرّجتْ على يده أجيالٌ وأجيال من الطلاب والطالبات خلال مسيرته العلمية في جامعة عين شمس بالقاهرة, وجامعة الإمارات بمدينة العين, والجامعات الإسلامية والأزهر والقدس المفتوحة في غزة. تجاوز عدد أبحاثه ومنشوراته العلمية السبعين.

 

 

 

 

ورغم وصوله لأعلى الدرجات الأكاديمية “الأستاذية”, إلا أنه إلى الآن لا يتوقف عن البحث والكتابة ومراسلة المجلات العلمية العربية والأوروبية والأمريكية, بل إنني أجزم أنه يكون في أسعد حالاته النفسية والمعنوية, ويضيء وجهه وعيناه عندما يتم نشر بحثٍ جديد باسمه في مجلة علمية مرموقة, هنا أو هناك.

 

 

 

 

 

أقول لكم إنه لم ينلْ ما يستحقّه من التكريم والشهرة التي تليق بمكانته العلمية, ربما لأن مجاله, علم الجيولوجيا, لم يكن مجالًا شائعًا أو ذا أهمية بالنسبة للكثيرين. لكن والدي كان محبًا وشغوفًا بهذا العلم الذي يجعله يتعمق في خلق الله, وهو دائم الترديد للآية الكريمة من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

 

 

 

 

 

والدي عمل على إنشاء مكتبة كبيرة في بيتنا, ووجودها كان يشجعنا جميعًا على اكتساب عادة القراءة والاطلاع منذ الصغر. كان يمثّل هو ووالدتي – التي سأخبركم عنها بعد قليل- لي ولإخوتي مثلًا أعلى وقدوة نسعى للاحتذاء بهما في سنيّ حياتنا التعليمية, ولذلك كان أمر الحصول على معدلات دراسية مرتفعة أمرًا متوقعًا وبديهيًّا, بل هو الواجب والطبيعي لكل إنسان.

 

 

 

 

 

 

والدي زرع فينا حب التميّز, والثقة بالنفس, والرغبة في ترك بصمة في الحياة. يعلمُ علمَ اليقين أن أبحاثه العلمية المستمرة, وكتبه التي يعمل على تأليفها, – وإن كانت بلا مردود مادي- تقع تحت بند “علمٌ يُنتفعُ به”, وأعتقد أن أمير كان الأنجح فينا في العمل بهذه المبادئ في حياته القصيرة.

 

 

والدي لم يُمانع سفري – كفتاة عزباء – لبلد أوروبي في سبيل الحصول على درجة الماجستير في هندسة الحاسوب, بل كان هو المحرّك الأساسي لحصولي على منحة دراسية بمجرد حصولي على درجة البكالوريوس. وكذلك فعلتْ أختي د. هدى  التي حصلتْ بدورها على درجة الماجستير في الصحة العامة. كانت تربيته لي ولأختي قائمة على مبدأ واحد: العلمُ فضيلة وسلاح في يد البنت, أما الزواج باكرًا فهو أمرٌ لا يعوّل عليه.

 

 

 

 

 

في السنوات الأخيرة من عُمر أمير, وخاصة تلك التي تلَت وفاة أخي المرحوم بإذن الله سليم عام 2008, عمل والدي على تسخير كل جهده المادي والمعنوي في التركيز على تلبية طلبات أمير, ومجاراته في رغبته الدائمة في الحركة بحريّة وعيش حياته بصورة طبيعية, ما أمكن ذلك. وهُنا لا بد أن أذكر أن أخي سليم, الذي توفي في التاسعة عشرة من عمره, لم يكُن يقلّ مثابرة واجتهادًا عن أمير, وإن كان أكثر هدوءًا وأقل اجتماعيةً منه.

 

 

 

 

 

لقد كان سليم متفوقًا في دراسته وحصل على معدل مشرّف في الثانوية العامة, واختار أن يدخل كلية الدراسات الإسلامية, وكان الأول على دفعته في العاميْن الدراسييْن اللذين قضاهما في الكلية قبل أن يتوفّاه الله.

 

 

 

 

أما والدتي, أستاذة العلوم, ومديرة المدرسة أ. كريمة مهدي عنان, فهي حكاية وحدها. بموضوعية شديدة وبغض النظر عن حبي وتقديري لها كأمي, هي امرأة عظيمة ذات عقل وقلب كبيرين, قلّ أن تجد لهما مثيلًا.

 

 

 

 

 

 

لقد تحمّلت أمي الكثير في سبيل رعاية ولديْن من ذوي الاحتياجات الخاصة, وكانت لهما بمثابة الممرضة والمربية والحاضنة والصديقة. لم يمنعها ألمُها على المستوى العائلي من أن تكمل تعليمها وتطور مهاراتها لتحسين وضعها المهني عامًا بعد آخر. لديها جَلَد وحب للدراسة والتحصيل العلمي, أو كما كنا نحب أن نداعبها أحيانًا بوصفها بـ”الدحّاحة” عندما يكون لديها امتحان قادم أو مقابلة وظيفية تتطلب بعض الاستذكار.

 

 

 

 

 

هي ابنة الأستاذ مهدي عبد الرحمن عنان رحمه الله, المدير الأسبق لدائرة التعليم بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا), وهو الآخر كان أبًا محبًا للعلم والتعليم, وحرصَ أن يحصل أبناؤه – وكريماته بالتحديد- على الشهادة العلمية الأعلى التي كانت متاحة في قطاع غزة في ذلك الوقت: دبلوم المعلمات.

 

 

 

 

 

 

أمي حصلتْ على هذه الدرجة وعملت كمعلمة قبل زواجها, ثم استكملت تعليمها للحصول على درجة البكالوريوس بعد سنوات عديدة من توقفها عن الدراسة. عملتْ لعدد محدود من السنوات كمعلمة ابتدائي في مادتيْ العلوم والرياضيات, ثم طمحت لأن تصبح مديرة, وهو أمر يتطلب مذاكرة منهاج خاص والدخول في امتحانات ترقية ومقابلات شديدة المنافسة. وحققت فعلًا ما كانت تصبو إليه, وهي الآن من بين المديرات الأكثر تميزًا ونشاطًا بشهادة الكثيرين, ودائمًا ما تبادر بأنشطة تطوعية لخدمة المجتمع, منها على سبيل المثال إطلاقها حملة تطوعية لمحو أمية أمهات الطلاب والطالبات في مدرستها.

 

 

 

 

 

 

 

حققتْ أمي كل هذا في خط موازٍ مع كل الصعوبات والضغوط النفسية التي صاحبت مرض ابنيْها, ووجدتْ في العمل والطموح المهني السلوى والمهرب المشروع من الوقوع في فخ الفراغ والحزن والتحسّر على مصائب الزمان ومصاعب الحياة.

 

 

 

 

إن كان هناك درسٌ مستفادٌ من كل ما سبق, فهو يتلخص في كلمة واحدة: أهمية التعليم والثقافة. وهنا لا يقتصر التعليم الذي أقصده على التحصيل الدراسي والدرجات النهائية. إننا بحاجة لأن نزرع في أبنائنا حب القراءة والقدرة على التفكير النقدي, والإبداع في حل المشكلات, والدفاع عن الحقوق, والاستفادة من تجارب الآخرين, وأن نغرس فيهم حب التميّز والمثابرة و”المعافرة” مع الدنيا مهما كانت الصعوبات.

 

 

 

 

 

إن أوطاننا بحاجة لمئات النماذج مثل أميرعنان, مئات من الشباب والشابات الذين يطمحون لتخليد أسمائهم بحروفٍ من ذهب, كلٌّ في مجاله, بالحلول الإبداعية, والتفكير خارج إطار المألوف والمتوقع. تخيّلوا شكل مجتمعنا لو أن هناك مئة أو ألفًا أو آلافًا من الشباب والشابات الذين يحملون نفس الإيجابية والإصرار والطموح الذي كان يحمله أمير في عقله وقلبه!

 

 

 

 

يا مَن أحببتُم أخي أمير وأعجبتم بسيرته في حياته أو بعد مماته, لا تجعلوا من أمير الاستثناء. لا تجعلوا من أمير نموذجًا واحدًا لا يتكرر, فإن في هذا ظلمًا كبيرًا له ولكم, وإهدار لطاقاتكم وقدراتكم. ترحّموا عليه واقرأوا له الفاتحة, ولكن أيضًا تذكروا وصيته: كونوا ما تريدون وحلّقوا بطموحاتكم وأحلامكم واعملوا على تحقيقها ما استطعتُم, بعيدًا عن كل أعذار الحصار أو نقص الكهرباء أو الفقر أو الضعف أو المرض. هذا ما سيغيّر من حالنا, ويجعل مجتمعاتنا وأوطاننا أفضل حالًا مما هي عليه الآن.

 

 

 

 

 

أمير كان مقتنعًا بهذه الأفكار والمبادئ, ولهذا ستجدوا أن الشعار الذي اتخده في حياته وفي صفحته الشخصية يتلخّصُ في الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) صدق الله العظيم

 https://www.facebook.com/omarzain11/videos/879477095459898/?pnref=story

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد