(1)
ظلامٌ دامس، ولونٌ أسود مسيطر على العالم، وأناسٌ يتحدثون عن بهاء الأبيض، وحلاوة الأزرق، وكيف أبدع الخالق في المزج بين أخضر الشجر وأزرق البحار وأصفر الرمال، وحوّل الكون للوحة بديعة تبدو وكأنها سيمفونية موحدة يعزفها الملائكة في كل أرجاء الكوكب.

إنهم لا يتوقفون عن كيدي بما يتميزون به، ولا يدركون أن بينهم شخصًا خُلِق أعمى لا يرى كل هذا الجمال، يدفعوني لتمنى الموت، أو الإصابة بالطرش حتى لا أستمع لكلماتهم وبحثهم اليومي داخل الدولايب عن قميص كاروه يحوي أكثر من 20 درجة لألوان مختلفة، وبنطلون يحقق كمال الصورة وجمالها أمام المرآة، أنا حتى لا أعرف كيف تبدو المرآة وكيف يرون أنفسهم فيها!

أنزوي في الغرفة، وأبدأ في البحث عن مَخرَج من الواقع الأسود، بينما أسئلة “إلى متى؟ وإلى أين؟” لا تتوقف عن تعقيد الأمور وتضييق فتحات الهواء حد الاختناق، إلى أن جاءت الفكرة – أخيرًا – محمولة على أنغام معزوفة قادمة من خلف جدارٍ خرساني يصعب اختراقه، مع ذلك تجاوزته، في رسالة أولى مفادها أن من السهل تجاوز كل هذه التعقيدات مهما بلغت قوتها وصلابتها.

مع نهاية المعزوفة، أدركت الرسالة كاملة: “يا عمَّار، الموسيقى وحدها قادرة على تجاوز كل هذه العقبات، والتعبير عن كل شيء”.

يومها تحوّل العالم لمقطوعات موسيقية تحكي كل الروايات، وتصف كل الأماكن والأشياء، حتى البشر، هذه المقطوعة تشبه اللون الأحمر، وهذه تشبه اللون الأصفر، وثالثة تشبهني، ورابعة تشبه حبيبتي.

(2)
أنا لا أنا عاجز ضرير
ولا كل من شاف بصير
والله يا عمي القلوب
لا أخط بإيدي المصير

(3)
نعم، أنا عمَّار ابن العدم، رفيق العتمة وأنيسها، اتخذت من الموسيقى لغة، ومن الآله أداة لتوصيل كل ما يدور في البال والخاطر.

أرى العالم كما لم يره بشر من قبل، فنظراتي لا يشاركني فيها أحد، أي أحد، لأنها تعنيني وحدي، فقط أسمع الأشياء، أشم رائحتها، أو أتحسس ملمسها، وبسرعة أرسم لوحة خاصة تُريح خيالي بغض النظر عن معايير البشر وواقع بصائرهم.

كل النساء في نظري سيمفونيات، والعالم عندي لا يخلو من الألحان المبهجة، حتى الضجيج ما هو إلا موسيقى تصويرية لمشهدٍ عابر في فيلم رومانسي.

لا أخش الظلام، الأسود يليق بي، يليق بأحلامي وآمالي، كمساحة فارغة لا نهائية، تسمح للخيال بإطلاق العنان لنقطة غير معلومة، دون قيدٍ أو شرط، وتعطيني من الثقة ما يدفعني لفيضٍ غزيرٍ من الإنتاج دون توقف. أدوّن فيه مقطوعاتي وألحاني التي منحتني لقب “غواص بحر النغم” على اتساعه ورحابته.

كل حكاياتي مدوّنة في نوتة موسيقية، وكأن لحياتي موسيقى تصويرية، ابتدعت تأليفها وعزفها فى خيالي لكي تروي كل الروايات، رواية أول ابتسامة، أول نجاح، أول حب، أول فقد، أول ألم، وأول طرقة على آلة موسيقية أدركت معها أنني أبصرتُ العالم كطفلٍ يكتشف الأشياء من حوله في مهده مع أول ضوء داعب عينيه الصغيرتين.

(4)
«بيشوف يا شوشو»
يصرخ المخرج حسين كمال موجهًا كلماته للمونتيرة رشيدة عبدالسلام مدهوشًا من توافق موسيقى عمَّار مع مشهد يحتاج إلى دقة في فيلم «أرجوك أعطني هذا الدواء».

(5)
الحياة سيمفونية متجددة، والواقع حلو رغم قساوته، حلو لأني لا أعيش فيه، فقط أتخذ من ظلامي جليسًا أبدع معه ما يناسب طموحي ورغباتي وأحوالي، فاليوم أنا حزين، إذا سأدندن لحزني، وبالأمس كنت عاشق، وعزفت لعشقي، ومهما حمل الغد من مشاعر وأحداث ستعبر عنها سيمفونياتي.

أتذكر دائمًا مقطوعاتي، تهمس فى أذني فأروي بها الأحداث، أحزاني التى مرّت عليّ فتجمع حولي الأصدقاء رافضين التخلي، وأفراحي التى منحتني القدرة على البقاء والاستمرار لأصبح بعد رحلة طويلة “الموسيقار الكبير”.

(6)
«إزاي تشوف الموسيقى»
جملة اختارها عمَّار لتكون شعار برنامجه “سهرة شريعي”.

(7)
66 عامًا، وأنتظر، عامان منهم تحت القبر، مع ذلك لم أنته من مقطوعتي بعد، ما زلت أعزفها، فالحال لم يختلف كثيرًا، فقط تحددت إقامتي، وصرت بين قوسين أو أدني، لكن يظل على كل حال الظلام شريكي، والوحدة موطني، وتظل الأحلام رفيقة الرحلة حتى آخرها.

باقٍ أنا في سطور مؤلفاتي، داخل صندوق العود، وبين أوتاره، أدندن كل ليلة كريشة تصنع من درجات السلم الموسيقي لحنًا شجيًا جميلاً بخفة وحرفة.

باقٍ في مفاتيح البيانو، وعلى كرسيه، أرقص على الأبيض وأتمايل على الأسود بأصابع تبدو في حركاتها كراقصات الباليه في أوركسترا بحيرة البجع.

أحتضن الأوكرديون وأتمايل مع إيقاعه بانتظام، كفتى عشريني يراقص فتاته في ساحة قصرٍ ملكي على أنغام قلبي دليلي.

باقٍ في مسامعكم، وطفولتكم، وشبابكم، وشيبكم، كتتر مسلسل أدمنتم متابعته في الثامنة مساءً كل ليلة، وفيلم أحببتم مشاهدته حد المعايشة مع قصته، وأغنية أو مقطوعة موسيقية لخصت نصف الحكاية أو أكثر.
في الموروث، وبين صفحات كتب التاريخ، وداخل بيوت البسطاء الحالمين بغدٍ يليق بقلوبهم الرقيقة، وفي ضحكة طفولية من القلب ما زالت تهز أرجاء المدينة بصدقها وعفويتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد