الخريطة تسرد محطات الوصول لحياة متميزة وناجحة، ونحن إذ نتحدث عزيزي القارئ عن النجاح لا بد من ذكر نقطة محورية وهامة: أن النجاح هدف في نهاية طريق وللحصول عليه لا بد من معرفة طريقه أولًا، ثم السير فيه ثانيًا للوصول إليه، وبمعرفة الطريق دون السير فيه لن تكون هناك أي نتائج أو أي تقدم، بل على العكس ربما تنعكس معرفة الطريق إلى طاقة سلبية تجعل الإنسان ينفر من أي كلام عن النجاح، مثل “إن الذين يتحدثون عن النجاح هؤلاء لا يعيشون على أرض الواقع إنما هم يحلقون في السماء، إنهم واهمون”، أو “كل هذا الكلام غير واقعي” أو “هذا الكلام لا يصلح للتطبيق في عالمنا، ربما يصلح في أوروبا أو أمريكا”، وهكذا. والحقيقة أن النجاح هو النجاح في أي مكان وقوانينه واحدة ولكن لا بد من العمل والتعب والصبر والمحاولة مرة وراء الأخرى حتى نحصل به، وتبقى النظريات نظريات فإذا طبقت غيرت الواقع.

والآن نبدأ في سرد محطات الخريطة والتي نهايتها الحياة المتميزة إن شاء الله مع العلم عزيزي القارئ أن هذا السرد مختصر، ولكن المبادئ المذكورة ستحتاج منك مزيدًا من التأمل والتفكير للاستفادة منها بشكل كامل.

المحطة الأولى: مطابقة الواقع للضمير

الإنسان عبارة عن مجموعة من الطاقات، عندما تتكامل مع بعضها يتضاعف أداء الإنسان وعندما تضطرب هذه الطاقات ربما يؤدى هذا إلى تعطيلها جميعًا، وليس مجرد تعطيل الطاقة التي حدث بها الخلل، ولذا لا بد من المحافظة على طاقات الإنسان جميعًا. من أهم الأشياء التي تضعف طاقات الإنسان الشعور بالانفصام بين واقعه وقيمه ومبادئه.

دعني أولًا أعرف ما هو الضمير: هو وعي ذاتي عميق يحكم تصرفاتنا ويحدد إلى أي مدى أفعالنا منسجمة مع بعضها وهو شعور عميق داخلي بالخطأ والصواب. والضمير مبني على المبادئ والقيم والفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، والتي لا يختلف عليها أحد أيًّا كانت ديانته. عندما يخالف الواقع الضمير ستصيب الإنسان رجة وهزة تهدم طاقته وتجعله مهزوزًا مضطربًا، وتقلل من ثقته بنفسه وسيسقط الفرد أول ما يسقط من نظر نفسه.

مطابقة الواقع للضمير تزيد من الألفة الداخلية وحب الذات، وليس معنى حب الذات الأنانية وإنما أقصد بها تقدير الذات والذي هو مبعث الثقة والقوة الداخلية، والتي تزيد بشكل متضاعف عند خلقها وهي مصدر الحماسة والشجاعة والتحفيز الذاتي. وكل انهزام في ميدان الحياة مبدؤه انهزام في ميدان الضمير وسقوط للذات الداخلية.

المحطة الثانية: التكامل

الإنسان لا يعيش وحده في هذه الحياة، فهو أولًا ابن، ثم بعد ذلك أخ، وربما يكون زوجًا ولذا من الممكن أن يكون أبًا وفي نفس الوقت صديقًا وفردًا في المجتمع وعبدًا لخالقه الذي يعبده ويقدسه. وهو أيضًا موظف أو مدير أو عامل، وهكذا، للإنسان أدوار متعددة في حياته، وأي نظرة جزئية للفرد هي نظرة ناقصة ورؤية غير صحيحة.

النجاح الحقيقي ما كان في جميع جوانب الإنسان وأي محاباة لجانب على الآخر سيضعف الأداء في كل الجوانب بما فيهم الجانب صاحب النصيب الأكبر من الاهتمام.

على أي أساس يستند هذا الادعاء؟، يستند الادعاء السابق على تشريح الإنسان نفسيًّا، .فالإنسان عبارة عن روح وجسد وعقل، ولا بد من الوفاء بالمتطلبات الثلاثة للوصول لشخصية متزنة قادرة على النجاح والعطاء والتميز.

فمتطلبات الروح العبادة ومعرفة الغاية الأسمى، الله في كل الديانات، والتي تشعره دائمًا بأن الحياة يوجد بها من هو أكبر وأعظم منها وهذا يشبع حاجته للرقي الروحي الشفيف، فوجود الله في حياة الإنسان يمثل له الملجأ في والمصائب والملاذ في المآزق ومجرد علمه أن هناك من سينجده ويغيثه في الشدائد يعطيه شعورًا بالطمأنينة والسلام. لذا كان الدين جزءًا من الإنسان متأصلًا وجزءًا من كل حضارة عظيمة، وفوائد الدين النفسية أكبر من أن نحصيها في هذا المقام. علاوة على أن الدين هو وسيلة الدخول الوحيدة للجنة.

متطلبات الجسد هي الأكل والشرب والزواج وأن يغلف هذا الجسد في بيئة اجتماعية تقدره وتتقبله، ومن هنا كان دور الموظف أو العامل أو المدير وهو مصدر إشباع بعض حاجات الجسد لأنه رافد المال والمكانة الاجتماعية. وكان دور الزوج ثم دور الأب وبطبيعة الحال توجد أدوار الأخ والابن والصديق وهذه كلها من متطلبات غلاف الاجتماع اللازم لاتزان الإنسان نفسيًّا للوفاء بمتطلبات الجسد.

متطلبات العقل هي تثقيفه ودوام إعماله وتشغيله ويمكن الوفاء بهذا من خلال دور الموظف أو العامل بجانب دور العابد للخالق لأن العبادة تتطلب المعرفة وجميع الأدوار في الحقيقة تتطلب إعمال العقل لأن كل دور في الحياة أصبح علمًا وللوصول إلى التميز فيه لا بد من قراءة رصيد الحضارة في هذا الدور، وللأسف فمن مآسي المجتمع الشرقي بشكل عام الزهد في العلم والقراءة، على عكس العالم الغربي فمتوسط القراءة في العالم العربي 6 دقائق في السنة، بينما متوسط القراءة في إحدى الدول الغربية 200 ساعة في السنة، ويصدر كتاب لكل ربع مليون عربي بينما يصدر كتاب لكل 15 ألف مواطن في العالم المتقدم.

وبعد أن أدركنا بشكل مختصر غير مخل أدوار الإنسان نعود لمعنى التكامل في الأدوار، ومعناه إحراز تقدم في جميع الأدوار السابقة، وبهذا نفي بمتطلبات الروح والجسد والعقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد