كان رد فعل المسلمين تجاه ما حدث في زبطرة سريعًا فقد خرج أهل الثغور من الشام والجزيرة لقتال العدو البيزنطي الا من لم يكن عنده دابة ولا سلاح.

أما المعتصم، فإنه استعظم ما حدث وغضب غضبًا شديدًا وعزم أن يرد الضربة للروم وأمر بالنفير العام، ثم أمر عدد من قادته بالتوجه بجزء من الجيش نحو زبطرة لإنقاذ أهلها ومناوشة البيزنطيين وكان من هؤلاء القادة عجيف بن عنبسة وعمر الفرغاني ومحمد كوتة، وعندما وصل الجيش العباسي لزبطرة وجد أن ثيوفيل قد رجع إلى بلاده فلبثوا هناك لتأمين أهل المدن المفجوعة وطمأنتهم وإرجاعهم إلى ديارهم.

ويروى المؤرخون المسلمون عددًا من القصص والروايات الحماسية التي تفسر الحماس الشديد الذي أبداه المعتصم قبل الخروج للأراضي البيزنطية ومن ذلك ما رواه ابن الأثير أن المعتصم قد بلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه فأجابها وهو جالس على سريره لبيك لبيك ونهض من ساعته، وعمل على حشد جيشه وتجهيز قواته.

ومن ذلك أيضًا ما رواه المسعودي أنه لما ضج الناس في الأمصار من المذابح التي قام بها الروم في حملتهم، فإن إبراهيم بن المهدى دخل على المعتصم وأنشده قصيدة طويلة يذكر فيها ما تعرض له المسلمين من مذابح، ويحضه على الجهاد والغزو.

ويبدو أن تلك الأحداث قد أثرت تأثيرًا عظيمًا على المعتصم فأحضر قاضى بغداد عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل ومعهم ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، وأشهدهم على ما وقف من الضياع فجعل ثلثـًا لولده وثلثـًا لله تعالى وثلثـًا لمواليه، وكان ذلك الفعل بمثابة الوصية وهو ما يجعلنا نرى الحماسة والعزم الشديدين اللذين انتابا المعتصم قبل خروجه في جهاد الروم.

أما عن الهدف الذي حدده المعتصم لحملته، فيوجد خلاف بين المؤرخين في توقيت تحديده، فبينما يروى الطبري وابن الأثير أن المعتصم لما ظفر ببابك الخرمي سأله أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ قال له عمورية لأنه لم يتعرض لها أي ملك من ملوك الإسلام من قبل، وهي عين النصرانية وأشرف عندهم من القسطنطينية، أما ابن طباطبا فإنه يروي أنه بعد مسير المعتصم وخروجه على رأس جيشه فإنه قد ظفر ببعض الروم، فسألهم عن أحصن مدنهم فقيل له عمورية

ومن المرجح أن المعتصم قد قرر قصد عمورية وجعلها هدفًا لحملته أثناء الحملة وليس فيما قبل ذلك.

 

خط سير حملة المعتصم

يبدو أن المعتصم في تلك الحملة قد تجهز جهازًا كبيرًا جدًا لدرجة أن الطبري يذكر أن المعتصم تجهز جهازًا لم يتجهز مثله من قبله خليفة قط وأعد المعتصم كميات كبيرة من الأسلحة والدواب وآلات الحرب والحصار والنفط.

وكان المعتصم مثله مثل باقي ملوك ذلك العصر يحب أن يسأل المنجمين ويستشيرهم قبل القيام بالأعمال العظيمة، فسأل بعضهم عن نتيجة الحملة التي يزمع القيام بها فأخبروه أن وضع الكواكب ينبئ بفشل الحملة ولكن الخليفة لم يصغ إليهم وقرر القيام بالحملة، وخرج من عاصمته سامراء على رأس جيوشه يوم الخميس 6 جمادى الأولى 223 هـ/ نيسان 838 م

أما عن حجم الجيوش العباسية في تلك الحملة فيوجد خلاف بين المؤرخين عن حجمها، فبعض الآراء ترى أن الجيش العباسي وصل إلى خمسمائة ألف مقاتل، وبعضهم الآخر يرى أنه وصل إلى مائتي ألف مقاتل، وعلى أية حال فإنه يبدو من تلك الأرقام والأخبار التي وصلت إلينا عن حجم التجهيزات والإعدادات التي قام بها المعتصم أن جيشه كان عظيمًا جدًا.

 

وقد قسم المعتصم جيشه على النحو التالي:

  • المقدمة وجعل عليها أشناس ويتلوه محمد بن إبراهيم
  • الميسرة وعليها جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط
  • الميمنة وعليها إيتاخ
  • القلب وجعل عليه القائد العربي عجيف بن عنبسة

واستمر المعتصم في مسيره حتى دخل أرض الروم ووصل إلى نهر اللمس، فأقام معسكره، وفي تلك الأثناء كان ثيوفيل قد سمع عن خروج المعتصم والجيش الجرار الذي يتبعه، وكان يعرف أن الخليفة العباسي لن يرضى بأقل من الانتقام للمذابح المفجعة التي حدثت في زبطرة على أيدي البيزنطيين؛ لذلك بادر الإمبراطور بالخروج من القسطنطينية وبدأ يعمل على تحصين مدنه التي تقع في خط سير حملة العباسيين وجعل إيتيوس قائد جند أناطوليا مشرفـًا على تحصين مدينة عمورية، كما أنه بعث لعمورية بإمدادات كبيرة تحت قيادة تيودوركراتيروس.

أما المعتصم فقد قسم جيشه تقسيمًا جديدًا؛ وذلك لأنه كان يريد أن يباغت الروم من عدة مواضع وأن يشتت انتباههم ويفرق قوتهم، فقام بتقسيم جيشه إلى 3 جيوش سار كل منها في طريق.

القسم الأول من الجيش جعل عليه الأفشين حيدر بن كاوس وأمره المعتصم أن يسير إلى سروج وبعدها درب الحدث.

القسم الثاني من الجيش وجعل عليه أشناس، وفي يوم الأربعاء  22 رجب 223 هـ، أمر الخليفة أشناس أن يتقدم في درب طرسوس إلى مدينة الصفصاف الواقعة بين أبواب كليكيا والطوانة.

القسم الثالث من الجيش وقاده الخليفة المعتصم  بنفسه وسار يوم الجمعة 24 رجب 223 هجريًا في أثر أشناس.

ويبدو أن المعتصم قبل أن يقوم بتقسيم جيشه قام بعقد اجتماع من قائديه الأفشين وأشناس وبين لهما خطته التي هدفت إلى الوصول لمدينة أنقرة ثم مدينة عمورية، وسار الأفشين في المسار الذي حدده له المعتصم من قبل، وانضمت له في مسيرته قوات من ملطية والأرمن، واتبع الأفشين طريق سيواس Sebastea

اما المعتصم فقد بلغه أن جيش الروم قد عسكر قرب نهر الهليس وأن الروم يستعدون لمفاجأة أشناس وجيشه، ولذلك بعث المعتصم خطابًا إلى أشناس يأمره فيه بالانتظار وبعدم التقدم حتى يصل إليه المعتصم.

بلغ أشناس خطاب المعتصم وهو في مرج الأسقف، فأرسل جماعة من عسكره تحت قيادة عمر الفرغانى للقبض على بعض الروم ومعرفة أخبار الجيش البيزنطي منهم، وبالفعل استطاع عمر أن يتصيد بعض طلائع الجيش البيزنطي واستطاع أن يعرف منهم عددًا من المعلومات المهمة جدًا، ومنها أن ثيوفيل قد اتجه على رأس قمم من جيشه ليلاقي جيش الأفشين، بينما عين أحد أقربائه في وجه القوات العباسية التي يقودها أشناس والخليفة.

بعث أشناس بتلك المعلومات المهمة إلى المعتصم وعندها قام المعتصم بإرسال خطاب إلى الأفشين يذكر له فيه خروج ثيوفيل لقتاله ويطلب منه عدم التحرك للأمام حتى يقوم المعتصم بإمداده وجعل المعتصم جائزة قدرها 10 آلاف درهم لمن يستطيع إيصال رسالته إلى الأفشين وكذلك أمر المعتصم أشناس أن يرسل من قبله الرسل لإيصال رسالته إلى الأفشين، ولكن الأفشين كان قد توغل كثيرًا في بلاد الروم لدرجة أن الرسل الذين بعث بهم المعتصم وأشناس لم يستطيعا اللحاق به.

وأمر المعتصم أشناس بالتقدم وسار من ورائه وكان بين الجيشين مرحلة واحدة وحدثت مشكلة كبيرة في معسكر المعتصم بسبب عدم توفر الماء والعلف.

وكان أشناس قد أسر العديد من الروم أهل البلاد أثناء مسيره، فأمر بضرب عنقهم فخرج له أحدهم وقال إنه يستطيع أن يدله على مكان به كثير من العلف والماء والمؤن إن أمنه على نفسه   فوافق أشناس وبعث معه جزءًا من الجيش فوجدوا فعلاً ما حدثهم به الأسير الروماني؛ فبعث أشناس بذلك إلى المعتصم فسر به.

أما الأفشين فكان قبل ذلك الوقت قد اشتبك مع الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل بالقرب من مدينة دازيمون يوم الخميس 25 شعبان 223 هجريًا، وكان التفوق للإمبراطور في بداية المعركة واستطاع أن يكبد المسلمين خسائر كبيرة، ولكن سرعان ما استطاع الأفشين تنظيم صفوفه، واستطاع أن يضغط على البيزنطيين، فتراجع كثيرون منهم وحدث اضطراب شديد في صفوف الجيش البيزنطي واضطر ثيوفيل إلى الهرب بعد أن خاف خيانة حلفائه الفرس.

وتروي بعض الروايات الرومانية أن القواد الذين هربوا من تلك المعركة قد قدموا فيما بعد على الإمبراطور ثيوفيل وتجردوا من سيوفهم وحكموا على أنفسهم بالموت ولكن ثيوفيل سامحهم ورحمهم وعفا عنهم.

وبالإضافة إلى الكارثة التي حلت بثيوفيل في دازيمون فإنه عقب المعركة قد عرف أخبار محزنة جديدة وهي أن القوة البيزنطية التي كان قد تركها عند نهر الهيليس قد تفرقت ولم تطع قائده قريب الإمبراطور، وأثناء تقدم أشناس نحو أنقرة وجد بعض البيزنطيين الذين أصيبوا إصابات حديثة فقام أشناس بالاستفسار عن تلك الإصابات وعرف منهم أنهم كانوا ضمن الجيش البيزنطي الذي هزم في موقعة دازيمون؛ فبعث أشناس بتلك الأخبار السعيدة للمعتصم.

أما ثيوفيل فقد قام بإخلاء انقرة، وحشد قواته في مدينة عمورية تحت قيادة خاله ياطس حاكم ولاية أناطوليا، وكان ثيوفيل قد سمع بعض الأنباء عن حدوث مؤامرة عسكرية ضده في القسطنطينية فسارع بالمسير إليها.

ويذكر ميخائيل السرياني أنه بعد أن هزم ثيوفيل في دازيمون، فإن بعض القوات البيزنطية الهاربة من المعركة قد وصلت للقسطنطينية وأشاعت هناك أن الإمبراطور قد هلك فأرسلت أم ثيوفيل إلى ابنها تطلب منه المجيء للقسطنطينية لمنع اختيار إمبراطور آخر.

وحاول ثيوفيل أن يصل لحل سلمى مع الخليفة، فأرسل البطريرك باسيليوس إلى المعتصم يحمل رسالتين وعددًا من الهدايا، وكانت الرسالة الأولى فيها اعتذار الإمبراطور عما حدث في زبطرة، أما الرسالة الثانية فكان بها تهديد ووعيد من الإمبراطور للمعتصم في حالة أنه لم يتراجع إلى بلاده، ولما قرأ المعتصم الرسالتين غضب غضبًا شديدًا وعزم على إكمال حملته.

وكان المعتصم قد لحق بأشناس في أنقرة حينذاك، وبلغ المعتصم رسول للأفشين يبشره فيه بالنصر ويبلغه بقربه منه واستعداده لبلوغ أنقرة، وبالفعل وصل الأفشين إلى أنقرة بعد ورود كتابه على الخليفة بيوم واحد وبوصول الأفشين إلى أنقرة، اكتمل الجيش العباسي مرة أخرى.

اجتمع الجيش العباسي في أنقرة ومكث بها لمدة ثلاثة أيام وقام المعتصم بتدمير المدينة وتخريب أسوارها واستطاع المعتصم أن ينتقم لما حدث في حملة ثيوفيل ضد زبطرة

وقام المعتصم بتقسيم جيشه مرة أخرى، على النحو التالي:

  • الميسرة: وجعل عليها أشناس.
  • القلب: وعليه المعتصم.
  • الميمنة: وعليها الأفشين.

ثم أمر المعتصم أن يكون لكل قسم من أقسام جيشه الثلاثة ميمنة وقلب وميسرة، أي أن المعتصم قد حول كل قسم من أقسام جيشه إلى جيش مكتمل متمايز، وأمر المعتصم قادته بأن يقوموا بالتخريب والتدمير في أي مكان يحلون به وأن يفعلوا به كما فعلوا في أنقرة.

كما أن المعتصم قد رتب الجيوش الثلاثة بحيث تكون المسافة بين كل جيش والجيش المجاور له فرسخين، وقد أدى ذلك إلى اجتياح المسلمين لكثير من المناطق البيزنطية وهو ما أثار الرعب والهلع في أرجاء الإمبراطورية.

وكانت وجهة المعتصم عقب خروجه من أنقرة هي مدينة عمورية، وكانت بينها وبين أنقرة مسافة تعدل سبع مراحل.

ومن أسباب توجه المعتصم لعمورية الآتي:-

  • أنها مسقط رأس الإمبراطور ثيوفيل.
  • أن الإمبراطور البيزنطي قد حشد بها قواته الباقية في منطقة الأناضول بعد هزيمته في معركة دازيمون.
  • قربها من مدينة أنقرة.

وبعد سبعة أيام من المسير وصل الجيش العباسي إلى مدينة عمورية وكان أول من وصل إليها هو أشناس ثم تبعه الخليفة المعتصم ثم الأفشين، وكانت عمورية في ذلك الوقت على قدر كبير من الحصانة والمناعة؛ فكان يحيط بها سور مرتفع به أكثر من أربعين برج بالإضافة إلى وجود خندق واسع خارجها.

ولما وجد المعتصم المدينة على تلك الدرجة من الحصانة، بدأ في تقسيم قواته ليختص كل جزء منها بناحية معينة من المدينة، ووزع قادته على الأبراج بحيث يختص كل قائد من قادة الجيش العباسي بعدد معين من أبراج المدينة بحسب طاقته.

وكان هناك أحد المسلمين الذين أسرهم أهل عمورية من قبل داخل المدينة، وكان قد تنصر اتقاء لشر البيزنطيين، وعندما وجد هذا الرجل الجيوش العباسية تحاصر مدينة عمورية، خرج من المدينة وذهب إلى الخليفة المعتصم وأخبره أن السور الذي يحيط بالمدينة به جزء قد تهدم من قبل نتيجة هطول الأمطار والسيول، وأن الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل قد أمر حاكم المدينة أن يقيم ذلك الجزء المهدوم، ولكن حاكم المدينة قصر في ذلك، ثم قام ببناء وجه السور بالحجارة دون أن يحشيه بالحجارة من الداخل، وذلك حتى لا يراه الإمبراطور متهدمًا فيجازيه، وعندما سمع المعتصم تلك الأخبار من ذلك الرجل ذهب إلى ذلك الموضع من السور وضرب خيمته في مقابلته  وأمر جيشه فتم نصب المجانيق وضرب ذلك الموضع بكثافة.

وسرعان ما تصدع ذلك الموضع من السور عقب ضرب المجانيق، فبدأ البيزنطيون في محاولة دعم السور بوضع أعواد الخشب الكبيرة، ولكن تلك الطريقة لم تفلح في صد أحجار المنجنيق المتواصلة في ضرب السور وتم إحداث ثقب في السور.

ولما وجد حاكم المدينة ياطس ما حدث من ثقب السور، عرف أن دخول المسلمين المدينة في حكم المؤكد وأن قواته لن تستطيع الصمود أمام جحافل العباسيين، فعمل على طلب المساعدة من الإمبراطور البيزنطي، فأرسل رسالة إليه مع اثنين من الرجال، وأخبره فيها بأمر هدم السور واقتراب دخول المعتصم في المدينة، وكتب تلك الرسالة أنه سوف يفتح أبواب المدينة ليلاً ويقاتل المسلمين ثم يتجه بقواته نحو الإمبراطور.

ولكن أمر الرجلين اللذين كانا يحملان الرسالة انكشف عند المسلمين، فقبضوا عليهما ثم ذهبوا بهما إلى المعتصم الذي قرأ الرسالة وعرف ما كان ياطس يدبره وأمر المعتصم بعشرة آلاف درهم للرجلين وكثير من الخلع فأسلم الرجلين حينذاك، وأمر المعتصم أن يذهب الرجلان ناحية البرج الذي يتحصن فيه ياطس، فلما رآهما على تلك الحال عرف ما حدث وشتمهما، أما المعتصم فقد أمر بتشديد الحراسة والانتباه ليلاً ونهارًا خوفًا من خروج ياطس للقتال فجأة كما كتب في رسالته لثيوفيل.

وكانت المنجنيقات ما تزال تضرب الموضع المتصدع من السور حتى انهدم، وأراد المعتصم أن يبدا بالهجوم على ذلك الموضع ولكن كانت المشكلة في الخندق الذي يحيط بالمدينة، وكان الجيش العباسي أثناء مسيره من أنقرة إلى عمورية قد استولى على أعداد كبيرة من الأغنام فنادى المعتصم في الجيش بأن يقوم كل جندي في الجيش بذبح أحد الخراف وأن يأكل منه ثم يقوم بحشو جلده بالتراب ويأتي به، وبهذه الطريقة تجمعت لدى المعتصم أعداد كبيرة من جلود الأغنام الممتلئة بالتراب، فأمر بها فتم إلقاؤها في الخندق، وبذلك أصبح متهيئًا لعبور القوات وآلات ثقب الأسوار.

وكان المعتصم قد جهز عددًا من الدبابات الكبيرة التي تتسع كل واحدة منها لعشرة جنود  وبدأ الجنود في دفع إحدى الدبابات على جلود الأغنام الممتلئة بالتراب نحو السور، ولكن حدث أن علقت عجلات الدبابة بالجلود وهو الأمر الذي جعل الجنود يحاولون أن يقوموا بتسوية الأرض تحت الدبابة، ولم يستطيع الجنود أن يحركوا الدبابة إلى أكثر من منتصف المسافة بين القوات العباسية وسور عمورية  وبقيت الدبابة في ذلك الموضع حتى تم إحراقها بعد ذلك أثناء القتال.

اتجه المعتصم بعد فشل خطته الأولى، إلى أسلوب القتال المباشر، فبدأ القتال بين القوات العباسية والبيزنطيين عند الفتحة التي حدثت في السور، وكان المعتصم قد رتب أن يقوم كل جزء من جيشه بالقتال كل يوم في حين يبقى باقي الجيش في راحة، وبدأ القتال في أول يوم أشناس  وقواته واشتكى الجند من ضيق فتحة السور، فأمر المعتصم أن يتم توجيه المجنيقات لضرب السور المجاور للفتحة حتى تم توسيعها، وفي اليوم الثاني من القتال، قام الأفشين وأصحابه بمواصلة الحرب.

وفي اليوم الثالث من القتال، جاء الدور على قوات المعتصم ومعها قوات المغاربة والأتراك وكان يقودهم إيتاخ، وفي هذا اليوم اتسعت فتحة السور بشكل كبير.

وكان البيزنطيون المرابضون في عمورية، قد قسموا الأبراج فيما بينهم بحيث يقوم كل قائد من قادته بحماية مجموعة معينة من الأبراج وجزء معين من السور، وكان القائد المكلف بحماية ذلك الجزء الذي يقاتل فيه المسلمون يدعى وندوا، وكانت الجروح والإصابات قد كثرت بين جنوده بشكل كبير، فذهب إلى باقي القادة البيزنطيين يطلب منهم المدد والمساعدة ولكنهم رفضوا وقالوا له إنهم لن يمدوه بأي مدد، ولن يتحرك أحد منهم من مكانه الذي وكل بالدفاع عنه.

ولما أيقن وندوا بأن المدينة ستسقط في أيدي المسلمين بلا ريب، آثر أن يسلم المدينة بنفسه إلى المعتصم، وفي اليوم الرابع من القتال، خرج وندوا إلى السور ونادى بأنه يريد لقاء أمير المؤمنين وأمر أصحابه ألا يحاربوا حتى يعود إليهم، وكان المسلمون قد انتهزوا فرصة توقف الروم عن القتال ودخلوا المدينة.

وفزع سكان مدينة عمورية عندما وجدوا الجيش العباسي قد اجتاز أسوار المدينة، فهرع كثير منهم إلى كنيسة كبيرة في أحد أنحاء المدينة، واحتموا داخل الكنيسة، ويذكر المؤرخ ميخائيل السرياني أن المسلمين قد أحرقوا تلك الكنيسة بمن فيها من البيزنطيين، أما قادة الروم الذين كانوا في مواقعهم حيث تم تكليفهم بحماية الأبراج، فقد شرعوا في قتال المسلمين واسجنوا شيئًا فشيئًا حتى تحصنوا بأحد الأبراج، وكان ياطس حاكم المدينة معهم، وجرت بعض المفاوضات بينه وبين المعتصم حتى نزل في نهاية الأمر وسلم نفسه للخليفة وتم تسليم المدينة للمسلمين.

وبعد أن دخل المعتصم المدينة عمل على الانتقام لما حدث في زبطرة، فأسرف في القتل   حتى قيل إنه قد تم قتل ثلاثين ألفًا من سكان عمورية، كما أنه ترك للنهب والسلب والتدمير لمدة أربعة أيام كاملة، وتم أسر أكثر من ثلاثين ألفًا من الرجال والنساء.

وبلغت المغانم التي حصل عليها المسلمون في فتح عمورية حدًا لم يصل إليه الخلفاء العباسيون من قبل، حتى إن ابن جرير الطبري يروي أنه قد تم جمع الرقيق والمتاع في مكان واحد لبيعهم، وأمر أن ينادى على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، وعلى المتاع جملة واحدة، وأما باقي المتاع والمغانم التي بقيت بعد خمسة أيام من عرضها على البيع، فأمر بها المعتصم فتم حرقها.

ولما كان المعتصم ينوي ترك مدينة عمورية وأن يرجع عنها بعد أن فتحها ودمرها وخربها، أمر جنوده بجمع المجانيق والدبابات وآلات الحرب وأن يتم إحراقها عن آخرها حتى لا يقوى بها البيزنطيين بعد أن يخرج المعتصم من المدينة.

ويذكر ابن طباطبا أن المعتصم قد أخذ بابًا عظيمًا من أبواب عمورية وهو باب من الحديد، فخلعه من مكانه وحمله إلى بغداد وجعله على أحد أبواب دار الخلافة، وسمي هذا الباب بباب العامة.

وهكذا استطاع المعتصم أن ينتقم ويثأر من ثيوفيل، وبعد أن وصل لمراده وبغيته سار راجعًا نحو طرسوس.

وكان نزول المعتصم على عمورية يوم 16 رمضان عام 223 هجريًا وأقام عليها لمدة خمسة وخمسين يومًا، وعندما رجع المعتصم إلى بغداد، استقبله أهلها استقبالاً حافلاً، وأنشده الشاعر أبو تمام قصيدته الشهيرة التي سخر فيها من المنجمين ومجد إقدام المعتصم وشجاعته، فقال في مطلع القصيدة:

السيف أصدق أنباء من الكتب          في حده الحد بين الجد واللعب

يا يوم وقعة عمورية انصرفت          عنك المنى حفلاً معسولة الحلب 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الطبرى(ابن جرير) - تاريخ الرسل والملوك، تقديم ومراجعة: صدقى جميل العطار، ( 13 مجلد)، دار الفكر، بيروت، 2010 م.
- ابن العبري ( غريغوريوس أبو الفرج الملطي) - تاريخ مختصر الدول، صححه: الأب أنطون صالحاني اليسوعي، الطبعة الثانية، دار الرائد اللبناني، الحازمية، 1983 م.
- ابن كثير( أبو الفداء إسماعيل) - البداية والنهاية تحقيق: عبد الله بن المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، 1998 م.
- المسعودى ( أبو الحسن علي بن الحسين) - مروج الذهب ومعادن الجوهرظ، ( 2 مجلد) دار المعرفة، بيروت، 2005 م.
مؤلف مجهول - العيون والحدائق في اخبار الحدائق
- ميخائيل السرياني، تاريخ مارميخائيل السرياني الكبير، (3 مجلدات)، عربه: مارغريغوريوس صليبا شمعون، متروبوليت، حلب، 1996 م.
3- اليعقوبى ( أبو العباس أحمد بن إسحاق)، معجم البلدان، طبع باعتناء: وليام جوينتبول، ليدن، 1860 م.
عرض التعليقات
تحميل المزيد