أدى الانفتاح الذي فرضته وسائل التواصل الحديثة والتلاصق الثقافي من خلال الساحات الضيقة ضمن عوالم السوشيال ميديا، إلى تحول المجتمعات إلى أخرى متوازية تنتج مفرزاتها وتعيد إنتاج أو رمي موروثات وتستبدلها بأخرى سويةً. يساهم هذا التقارب بطبيعة الحال بتهيئة حاضنة لأفكار عابرة لحدود الثقافات المحلية، وما يليها من صدامات بين الثقافات. هذا الحال اليوم أدى بشكل شبه يومي لنشوء صراعات غالبها مواجهاتية بين مُعتقدات مجتمعية وموروثات صح ما صح منها أو انتهى عهده وبين مفاهيم تغييرية «حداثية» تطالب بتغيير الموروث ونسفه ببعض الأحيان. هذه الحالة الصراعاتية تملك من الإيجابية بأنها هزت الجمود والتابوهات الفكرية وكسر مُسلمات ساهمت بتحنيط الفكر العربي، وتجسيد عبادة طبقاتية وإخضاع الشعوب لهيمنة هذه الطبقات من رجال الدين ومن ورائهم أنظمة السلطات الحاكمة حيث طالما عمل هذا الارتباط على ترسيخ السلطوية القمعية من خلال واجهة دينية كانت غطاءً لشرعنة وتشريع إخضاع الشعوب قمعيًا، أدى هذا لنشوء علاقة دولة-مجتمع عمودية تسلطية، وبناء مجتمعات على أساس العبادة للأفراد والتكرار وخلل في النسيج الاجتماعي.

جاءت الثورات العربية في «الربيع العربي» كفاصل بين الماضي الحاضر، وجدت تلك المجتمعات أنفسها على مفترق طرق من حيث إعادة تعريف المفاهيم في الحريات، والممارسة السياسية والتحرر. كان الانفتاح المذكور والتي كانت المنصات الإلكترونية عاملًا مهمًا وأساسيًا فيه، ساهمت في بناء الأفكار وتشكيلها. وبسبب ما يتيحه العامل التكنولوجي في كثافة المعلومات والمصادر وتنوعها مع إبراز تجارب الشعوب الأخرى، شكل حالة من الفوضى في المعطيات الفكرية والمجتمعية، فهذا الانفتاح نفسه هو خاضع لمتغيرات وقتية (Timing) وثقافية وسياسية تتحكم بدرجة تأثيره. فمجتمع يطوف على الدماء والنزوح والتشرد لن يكون بنفس مستوى المعالجة لأفكار ومفاهيم مغايرة لعاداته وموروثاته. هنا تلعب الهوية الدور الأبرز والأهم في تحديد مدى تأثير عبور الثقافات الأخرى ومدى نجاعتها ومناسبتها لذاتها أم لا. هذه الهوية المبنية على التاريخ والتراكمية الثقافية التاريخية. حالة التخبط هذه والفوضى لم تصل بعد لمرحلة الفرز والفلترة لما هو مقبول أم لا، وهنا حتى مدى القبول سيحتاج لتعريف آخر واستنادات تاريخية على لماذا قُبل هذا ورفض ذاك؟

ومع غياب النُخب الثقافية في العالم العربي، أو تسييرها واستئجار قلمها بعد اجتياح المال لعالم الثقافة، زادت الفوضى وحشية أمام عدم انتظام عولمة الثقافة وانفجار هذه المتغيرات. فالحالة النخبوية لا تقل أسى ولا تقل سوءًا عن حال المجتمعات نفسها، الاثنان مرآتان لبعضهما ويعكسان مدى حالة العجز الثقافي العربي أو الشرق أوسطي عن إنتاج منظومة متجددة، حتى أصبحت نسخة تكرارية لأمجاد الماضي القريب تجتر منه بعض الذكريات وتعتاش عليها. هي الهوية الممزقة التي تفرز هذه الفوضى من دون أن تجد طريقة للترقيع وتحويل المتغيرات الثقافية إلى حالة صحية تساعد في إعاد بناء الثقافة العربية كحركة ريادية بعيداً عن الاستنساخ، ولكن أولاً اعتناق الهوية هو بداية وعلى هذه الهوية أن تُخرج من دوامة التعريف بين أنها الغاية وبين أنها الوسيلة.

الشعوب العربية والشرق أوسطية شعوب متجذرة في إرثها الثقافي، والذي يشكل جزءًا من تكوينها الحياتي واليومي، هنا بيت قصيد الحال الراهن. بالتالي على الهوية الثقافية أن تُحدد وأن تتم والترفع عن رفضها المسبق فقط بسبب أنها جزء من الماضي الفاشل. جزء من المنظومة الاستبداية، حيث إن الاستبداد العربي هو من استغل الهوية الثقافية لاجترار شرعيته، ولم يؤسسها، وهو ما تفعله الأنظمة الجديدة في محاولتها لشرعنة أو ترويج ديمقراطيتها وانفتاحها من خلال التغيير في الوجود الثقافي على حساب الوجود السياسي والحريات.

حتى تحولت الحالة إلى ما يشبه الشعبوية الفكرية لحالة مستنسخة من الشعبوية السياسية السائدة، أدى لجعل الصدام حالة عادية وطبيعية وتقبل الدم كحالة بشرية طبيعية وهذا ما قد يفسر نوعًا ما ازدياد الجريمة أو ازدياد الجريمة العلنية.

تشكل هذه الحالة من «التفاهة» التي نشهدها، محرضًا أساسيًا للبحث عن الربط بين العوامل المطورة للثقافة الفردية والمجتمعية والثقافة الفكرية الموروثة وما يجب أن يبنى عليها في سبيل تطويرها لا محوها. الصراع الآن هو صراع ثقافي، وما التيارات والسياسات إلا عوامل تابعة أساسًا لا تملك الشعوب العربية تقريبًا قراراها فيما يتعلق بسياسات خارجية وحتى داخلية، ولا اقتصادية حتى. الشعوب المسلوبة القرار بهذا الشكل، ستكون نتيجة طبيعية أن تتحول لمستهلكة في كل قطاعات الحياة والتطور الأنتروبولوجي. لكن تملك القشة القاسمة في أن لا تتحول لمستهلك ثقافي دون أن تدرك ماهيتها.

هي حالة من صراع الايدلوجيات المباشر، ماوحدته الثورات، عاد وقسمه القهر إلى فتات يتصارع على الفتات. زاد ذلك حالة الإحباط التي بدورها تلك العجز السياسي وأيضاً قطبية الصراع الديني – السلطوي التي رمت بالشعوب وثوراتها في أزقة ظلامية بعيدة كليًّا عن ماتطلعت إليه مابين القمع السلطوي والتطرف. كل هذه الفوضوية جعلت من الهوية الثقافية حالة فارغة في تلك المنطقة وعند هذه الشعوب. لكنها مع ذلك تبدو آخر القلاع في الوجودية الفكرية. تستطيع تلك الشعوب إعادة تموضعها على خارطة الفكر، إذا ما أعادت لأدبها وفكرها مكانتهما وأعادت تمايزيتها الثقافية من خلال فسح المجال للتطوير والإبداع بعيدًا عن سلطة المال وجوائز المال وسلعنة الفكر والأدب في سبيل كسب رضى حكوماتٍ هنا وهناك.

الحاجة ألح إلى ما يشبه ثورة ثقافية، فليست الفكرة في أن يكون العربي أو أي أحد حرًّا دون إسقاط هذا المفهوم على الثقافة والمجتمع والتأثير فيه وتحرره. هذه الشعوب لم تكن شعوب وجودية يومًا تعتمد بنسيجها على الفرد من دون ربطه بالمحيط. أعجبتني مقولة لفرانكلين حين قال «الأشخاص الفاضلين هم الوحيدون المؤهلون للحرية، فبتفاقم الفساد والوحشية في الدول تتزايد حاجتها للسادة». وفي تعريف الفضائلية أيضًا كلامٌ آخر. فالحرية ما بين أن تكون هدفًا أو وسيلة، تحتاج لأساس ثقافي وهوية واضحة كي تُبنى، وإلا هي ليست إلا تكرارًا هشًا سينهار عند أصغر مفترق تاريخي. وتعود الدائرة على بدء في الفوضى والثقافة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد