عندما كنت جالسةً بين أوراقي وكتبي الهندسية، الممل منها والممتع، وقع بصري على كتاب لمساق «البيو فلويد»، الذي يتحدث عن نظريات ميكانيكا المواد الصلبة والمائعة، وسلوكها الفيزيائي اتجاه البيئة المحيطة، فبرقت في ذهني عبارة أن أي شيء صلب إن تعرض لقوة موازية لسطحه فإن له مدى مقاومة، يستطيل على أثره، ثم ما أن تذهب هذه القوة حتى يعود لشكله الطبيعي، لكن إن زادت هذه القوة عن الحد المسموح، بشدة أكبر أو وقت أطول فإن إمكانية عودة الجسم لهيئته الأصلية تصبح أصعب بكثير، وربما مستحيلة!

بل إنه يتخذ شكلًا جديدًا، مختلفًا وربما على إثرها يمضي معطوبًا مشوهًا لا يصلح لشيء بعدها، وربما يمضي مصقولًا، متألقًا، تحفة فنية غاية في الغرابة والجمال.

بعكس الموائع التي تتخذ ردة فعل متباينة تسير مع التيار وتتبعه ولا تجادله وتبقى تتموج إلى ما لا نهاية نحو الأثير، حتى بعد زواله وانتهاء الضغط المصوب عليها!

وهذا يعود طبعًا إلى أساس تكوين المواد وقوة الروابط بين جزيئاتها الصغيرة، فكلما زادت الرابطة، كانت المادة أكثر صلابة، وكلما ضعفت كلما استحالت نحو الحالة السائلة ثم الغازية، بالتوالي، وحيث تصنف السوائل والغازات في علم الفيزياء والكيمياء تحت بند الموائع.

ألا يعني هذا شيئًا ما ؟ ألا يفسر طريقة تعاملنا مع الضغوطات المتتابعة كبشر نجمع الصلب والمائع في جسد واحد؟

يقودني هذا لحقيقة حتمية ومفارقة مذهلة: نحن بعد كل صدمة، بعد كل صفعة وطرقة وخدش وانسياق، لا نعود الشخص ذاته أبدًا.

لذلك يجب أن نحاول فقط أن نواري جسدنا ليصبح أكثر صقلًا، أن نزيد من مقاومتنا ودفعنا وقوتنا وتحدينا، أن نتمسك بأطرافنا، ونحكم غلق ثقوب ضعفنا، ونقبض على قلوبنا وألا نستسلم! متبعين ذاك السرب الأهوج، وإيانا ثم إيانا أن نكون نسخةً مكررةً عن القطيع، جزيئًا متشابهًا في نسيج عريض ضخم، كي لا نفنى بفنائهم، ونصير للعدم.

يجب أن نكون قطعةً براقةً في نهاية المطاف على أقل تقدير، لا شيئًا فاسدًا غير مفهوم، لا يصلح حتى للنظر ولا للمساومة!

وهذا لا يعني تمسكنا بهيئة واحد أبدًا، بل أن نكون صلبين وسائلين وغازيين حسب المكان والحرارة والظرف والقوة التي يحتاجها الموقف، أي أن نكون متقولبين متكيفين كي نستمر. لا صلبين دائمًا قابلين للتحطيم، ولا سائلين دائمًا قابلين للانجراف، ولا غازيين دائمًا قابلين للتلاشي! بل جامدين متصديين لكل ضربة، وطريين منساقين حسب ما يتوافق مع مبادئنا، ومنتشرين واسعين في فراغاتنا المحببة وخيالاتنا الملونة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهندسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد