يجب على الولايات المتحدة أن تكون مدركة للتهديد المتنامي وأن ترد على الجانب الصيني الذي يبدو أنه قد بدأ المناوشات بالفعل. إذ تحاول إدارة الصين علنًا التأثير على السياسة الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي، فتوسع بكين قدرتها الكبيرة بالفعل على التدخل في الديمقراطية الأمريكية على المدى الطويل.

مع تصاعد الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، تستخدم الصين النفوذ الاقتصادي لممارسة الضغط على النظام السياسي الأمريكي. يشمل ذلك التكتيكات التي تم نشرها بالفعل بالضغط على الشركات الأمريكية التي تحاول القيام بأعمال تجارية مع الصين ومعاقبة المصدرين الأمريكيين، وخاصة في المواقع التي تقطنها القاعدة السياسية للرئيس ترامب.

قام ترامب، الذي أخذ هذه الأحداث على محمل شخصي، بالتغريد هذا الأسبوع بأن الصين «تحاول جاهدة التأثير على انتخابنا وتغييره من خلال مهاجمة مزارعينا ومربي الماشية والعاملين في المجال الصناعي بسبب ولائهم لي». هدد ترامب بالانتقام غير المحدد وقام بتصعيد النزاع التجاري من خلال الإعلان عن تحصيل رسوم إضافية من البضائع الصينية وقيمتها 200 مليار دولار.

بينما تحتدم الحرب التجارية علنًا، وراء الكواليس، تستعد حكومة الولايات المتحدة لاحتمال أن تقرر الحكومة الصينية البدء في تسليح شبكة التأثير داخل الولايات المتحدة التي كانت تبنيها لسنوات. على الرغم من أن بكين لم تستخدم بعد «الإجراءات النشطة والفورية» على غرار النمط الروسي، إلا أنها تملك هذه القدرات على أهبة الاستعداد.

فقد قال مسؤول في الإدارة الأمريكية: «لقد رأينا الكثير من العمل التحضيري من قبل الصينيين، ونحن نفهم ما هو مجال الاحتمالات». «موقفنا الآن هو جعل الناس على بينة من الخطر الموجود. تتركز هذه الأنشطة الصينية على استهداف عملياتنا الديمقراطية».

ومن جانبها تنفي الحكومة الصينية جميع الاتهامات بالتدخل السياسي في الجانب الأمريكي، واتهمت إدارة ترامب بأنها ترسم عادة مثل هذه الاتهامات باعتبارها مناهضة للصين، وأنها تروج لفكرة الحرب الباردة.

اشتكت الحكومة الصينية بعد أن ذكر مستشار الأمن القومي جون بولتون الصين كواحدة من أربع دول تتدخل في عملياتها السياسية على شبكة ABC الإخبارية في 19 أغسطس (آب). ردت إدارة ترامب على الشكاوى عندما طلبت من بكين تأكيدًا أنها لا تشارك في مثل هذه العمليات والمناوشات. ولكنها لم تتلق ردًا صريحًا من الجانب الصيني.

ولكن الطرفين في الغالب يماطلان العالم ويكذبان بشأن عدم صحة وجود خلافات بين الإدارتين، فقد اشترى الحزب الشيوعي الصيني وحلفاؤه عدة وسائل إعلام باللغة الصينية داخل الولايات المتحدة كجزء من محاولة للتأثير على الصينيين المغتربين. وردت الحكومة الأمريكية من خلال تكليف مسؤولين حكوميين لإقامة علاقات مع جمعيات الطلاب الصينية للمساعدة في انتقاد الصين في الجامعات.

وأخيرًا، تتدخل بكين من خلال استمالة النخب الأمريكية. في عهد الرئيس شي جين بينغ، قام الحزب بتكثيف استراتيجيته الشاملة لعمليات التأثير الأجنبي، المعروفة باسم «جبهة العمل الموحدة». وما يعد أهم شروطه هو تعبئة أصدقاء الحزب لضرب أعداء الحزب – يتم الإشراف على هذا النظام من قبل إدارة عمل الجبهة المتحدة للحزب.

إن لجبهة العمل دور كبير في توجيه وإدارة العمل الصيني في الخارج، إذ يسعى إلى استمالة الأفراد والمجتمعات الصينية العرقية التي تعيش خارج الصين، في حين أن عددًا من المنظمات الرئيسية الأخرى التي تسترشد باستراتيجية الجبهة المتحدة الأوسع نطاقًا تقوم بالتأثير على العمليات التي تستهدف الجهات والدول الأجنبية. وهناك تقرير صدر في الشهر الماضي من قبل لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين.

ويكشف عن حجم البنية الداخلية لآلة النفوذ الأجنبي في بكين، وشبكة المنظمات الأجنبية المرتبطة بنظام الجبهة المتحدة وعلاقاتها المالية الواسعة مع المنظمات الأمريكية والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث.

في مارس، افتتحت إدارة عمل الجبهة المتحدة ثلاثة أقسام أخرى للحزب الشيوعي الصيني، بما في ذلك لجنة الدولة للشؤون العرقية، وإدارة الدولة للشؤون الدينية ومكتب شؤون الصينيين في الخارج التابع لمجلس الدولة. ويسمح هذا التآزر للحزب بقمع الأويغور (وهي أقلية مسلمة تعيش في الصين) بسلاسة داخل الصين بينما يهددون أفراد عائلاتهم في الخارج. بالنسبة لبكين، إنها استراتيجية واحدة ولن يختلف الأمر كثيرًا.

أضف إلى ذلك التجسس والاختراق في الصين، والذي وصفه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية كريستوفر أ. وراي بـ«التحدي الأوسع والأكثر انتشارًا والأكثر تهديدًا» الذي تواجهه بلادنا في مكافحة التجسس. إن احتمال قيام بكين بتعطيل السياسة الأمريكية يتجاوز بكثير ما نحن على استعداد للتعامل معه.

وبالنظر إلى الوضع في روسيا، قد ترى بكين أن تكاليف حملة تدخّل سياسية واسعة وجليّة باهظة للغاية. ولكن مع استمرار التوتر في الارتفاع، قد يتغير تحليل التكلفة – والفائدة في بكين. في هذه الأثناء، يستمر التدخل الصيني الأكثر هدوءًا إلى حد كبير دون حل.

يجب على حكومة الولايات المتحدة أن تبعث برسالة بوضوح ببكين بأنه لن يتم التسامح مع التدخل السياسي، مع رفع التكاليف إلى أعلى درجاتها، وإعادة إصلاح الأنظمة وإعداد التدابير المضادة. يجب إجبار الصين على العمل داخل نطاق التعامل الرسمي بطريقة شفافة تتوافق مع القوانين والقيم الأمريكية والعالمية أيضًا. لأن أي اهتزاز اقتصادي بين الدولتين من شأنه أن يضر بباقي دول العالم ويقوم بإخلال موازين القوى الدولية. مع التسليم بأن الصين ستكون الساحة الاقتصادية الأهم في القرن الواحد والعشرين.

ولا يمكن لأحد إنكار أن التجارة بين الدول قد مزقت خريطة السياسة العالمية عبر أساليب مختلفة جميعها تدور حول الاثر السلبي للنمو الاقتصادي على واقع الأمن والاستقرار السياسي والعسكري. فالنمو الاقتصادي يزيد من حدة الصراعات بين المجتمعات الآسيوية والغرب والولايات المتحدة الأمريكية ويقوي من قدرات المجتمعات الآسيوية على أن تسود في تلك الصراعات، كما أن النمو الاقتصادي لأكبر قوة في آسيا يزيد من النفوذ الصيني في المنطقة وسيطرتها التقليدية في شرق آسيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد