كانت فكرة الحرية والدعوة لها هي الفكرة التي شغلت العالم منذ الثورة الفرنسية وما تزال، فباسمها تتم كل التحولات السياسية في العالم، وتحت رايتها تخوض الدول الكبرى حروبها وبسببها هبت شعوب المنطقة العربية في موجاتها الثورية المتلاحقة؛ مما يرتب علينا لزامًا أن نطرح أسئلة مهمة لندرك ماهية الأمر الذي أصبحنا نعيش لنبلغه بل يموت الناس في سبيله.

ما هو تعريف الحرية؟ وهل لها مصطلح جامع مانع متفق عليه؟ وكوننا مسلمين فكيف ينظر الدين الإسلامي لها؟ هل هي قيمة مطلقة فيها الخير العميم أم هي جزء من منظومة تخضع لها وتتشكل بشكلها؟

للإجابة على هذه الأسئلة علينا أولًا معرفة أن مفهوم الحرية بشكله الحالي تشكل في أوروبا مع بروز معالم عصر النهضة ضمن إطار الصراع الناشئ بين تيار العلمنة وتيار الكنيسة، كما علينا أن ندرك أن هذا المفهوم فضفاض حتى ضمن منظومته الحضارية فلا نكاد نجد تعريفين منطبقين لاثنين من فلاسفة الغرب لهذا المفهوم.

ضمن الصراع مع الكنيسة في التاريخ الأوروبي نشأت فكرة وضع الإنسان في مركز الكون بهدف نزع النفوذ من الكنيسة المتمترسة خلف الحقيقة القائلة إن الإله هو المركز الذي تدور حوله الحياة والأفكار، وانطلاقًا من مركزية الإنسان ولدت كل الأفكار والمنظومات الأخرى ضمن الفكر الغربي.

وقد حاول الفلاسفة الغربيون دومًا إيجاد الجواب لمعضلة التوازن بين الحرية المطلقة للفرد بصفته موضوع الحياة، وبين القيود الواجب عليه الالتزام بها كونه كائنًا يعيش ضمن مجتمع فيه أفراد آخرون، فقد قام توماس هوبز مثلًا وهو منظر الليبرالية الكلاسيكية بافتراض أن الإنسان كان في غابر الأزمان في عصر ما قبل الحياة الجماعية -وهي الحالة التي أطلق عليها الحالة الطبيعة اصطلاحًا- كائنا حرًّا حرية مطلقة له أن يفعل ما يشاء وكيف يشاء إذ يقول: «إن الحق الطبيعي الذي يسميه عادةً بالعدل الطبيعي (naturel justice) معناه، حرية كل واحد في العمل بكامل قوته، وكما يحلو له، من أجل الحفاظ على طبيعته الخاصة، وبعبارة أخرى على حياته الخاصة، وبالتالي القيام بكل ما يبدو له، حسب تقديره الخاص وعقله الخاص، بما يراه أنسب وسيلة لتحقيق هذا الغرض». (1)

لكن هوبز يستدرك بأن الحياة لا يمكن أن تستقيم بهذه الطريقة، فالكل سيعتدي على الكل ليحقق كل فرد مصالحه الذاتية؛ مما سيحول الحياة لفوضى لا تطاق، مما حتم على الجميع البحث عن صيغة توافقية للتخلص من مساوئ هذه الحياة، فوجدت فكرة الدولة التي يتنازل الأفراد جميعًا لها عن كامل حقوقهم متخلين عن حريتهم لصالح سلطة مطلقة ليس لهم عليها إلا تقديم الأمان ومتطلبات الحياة الرئيسية من مأكل وملبس والمسكن، ولا يجوز لأحد الاعتراض أو التمرد لأن ذلك سيردنا إلى الحالة الأولية.

نلاحظ من كلام هوبز أنه قام بتقيد الحرية عمومًا حتى خنقها؛ فأصبح الفرد مكبلًا بشكل كامل بالسلطة منزوع الصلاحيات.

من منظار آخر نجد أن جان جاك روسو نظر للحرية كجزء أصيل من طبيعة الإنسان، فيقول: «ولد الإنسان حرًّا وهو في الأغلال حيثما كان، ذلك يظن نفسه سيد الآخرين وهو ما انفك أكثرهم عبودية، ترى كيف حدث هذا التغيير؟ هذا أمر أجهله»(2).

لذا نظر روسو للإنسان في الحالة الطبيعية بأنه إنسان يتمتع بالحرية التي هي جزء من تكوينه «في هذا الوضع كأنما الإنسان إله»(3)، وما يميز الحالة الطبيعية المفترضة عند روسو عن هوبز أن روسو لم يفترض أن الإنسان شرير وسيندفع خلف مصالحه للاعتداء على الغير، بل اعتبره كائنًا معزولًا محققًا لذاته ضمن فلكه، ولكن لسبب ما فقد هذا الإنسان حريته، فوجب إعادتها له ضمن سياق المجتمع الحديث بشكل يحقق مصلحته كإنسان.

فهذا الإنسان يكون حرًّا إن التزم بالقوانين المجتمعية المفروضة، وتتشكل هذه الحرية بأسمى الصور إن كان هو قد شارك في صياغة تلك القوانين فيحقق الحرية الكاملة (الحرية الأخلاقية) فيقول: «إن إيجاد شكل للتجمع يحمي ويحفظ بمجموع القوة المشتركة شخص كل واحد وممتلكاته، وبذلك يظل كل واحد، وإن اتحد مع الجميع، لا يطيع سوى نفسه، ويبقى حرًّا بنفس الدرجة التي كان عليها سابقًا» (4).

فروسو يرى الحرية هي الالتزام بما نصوغه أي بما نلزم أنفسنا به، تلك هي الحرية، أما أن تفعل ما تشاء على هواك فهو بهائمية غير مقبولة «إن ما يفقده الإنسان بالعقد الاجتماعي هو حريته الطبيعية وحقًّا لا محدودًا في كل ما يغريه وما يكسبه، أما ما يستطيع بلوغه فهو الحرية المدنية… التي وحدها تجعل الإنسان سيد نفسه حقيقة، إذ إن نزوة الشهوة وحدها عبودية وطاعة القانون الذي نسنه لأنفسنا حرية» (5).

ولنأخذ اتجاهًا ثالثًا كجون ستيوارت ميل الذي لم يبحث الموضوع من منطلق فلسفي، بل انطلق من منطقه النفعي، إذ نظر إلى أن الناس يطمحون للاعتراف بحقوقهم السياسية وعدم تجاوز القانون وإلى إنشاء آليات للمراقبة الدستورية، كما أنه نظر إلى علاقة الفرد بالمجتمع فهو يطيع المجتمع فقط في حيز الآخرين، بينما هو حر في حيزه الخاص.

هكذا نلاحظ أن ما يجمع الجميع هو التمركز حول الكائن البشري والنظر له بطريقة مادية بحتة، واختزاله بمجموعة من الغرائز وما يحق له ممارسته من تلك الغرائز، وما لا يحق له أو متى وأين يحق له إبراز تلك الغرائز، وأين لا يحق له ذلك.

كما نلاحظ غياب المرجعية التي ترسم حدود تلك الحرية، والتي نحكم من خلالها على ما هو مقبول وما هو مرفوض، بل إن ما كان مرفوض في الأمس قد يغدو مقبولًا اليوم وهكذا.

هذا في إطار الحضارة الغربية أما حضارتنا الإسلامية فلها منظار آخر للحياة يجعلنا مجبرين على عدم تقبل الطريقة الغربية في التفكير لتنافيها مع أصولنا وإيماننا.

فدين الإسلام ننظر للإنسان كعبد لله خلقه الله في هذا الكون وضمن له المنهاج القويم لحياته التي لا تنتهي بموته، بل الموت فيها مرحلة نحو حياة البقاء في الآخرة، وغاية هذا الخلق هو عبادة الله سبحانه وتعالى «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»(6)، فهذا الكائن هو خليفة الله في أرضه «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»(7).

وتلزمه هذه العبودية لله وحده أن يخرج من عبادة العباد بكل أشكالها إلى توحيد الله الفرد الصمد، والامتثال الكامل للواجبات المترتبة على ذلك التوحيد في مقابل حقوق ضمنها له ربه جل وعلى.

هذه النظرة جعلتنا لا نرى وجودًا مباشرًا لمصطلح الحرية في التنظير الإسلامي لا لأن الإسلام أنكر حرية البشر، بل لأن نظرته لهذا الكائن مختلفة عن المنطق الغربي، إنها نظرة قائمة على عبوديته لله كما أشرنا، وعلى مبدأ الحقوق والواجبات المنبثقة عن هذه العبودية. فلا معنى ولا وجود لحالة متخيلة تصف حالة الإنسان قبل المجتمع كالتي يسمونها الحالة الطبيعية بل إن حقيقة الخلق كما في القرآن تبدأ مع كائن مكلف هبط الأرض، وهبط معه التكليف أصلًا.

«وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ، فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»(8).

وقد ضمن الإسلام لهذا الكائن حقوقه كاملة بما فيها حرية الاعتقاد «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(9).

لكن هذا الحق لا يعني أن له الحرية في إفساد المجتمع فقد حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأوجب على المجتمع محاولة حماية نفسه من الإفساد بإلزام الجميع بقواعد الشرع الحنيف وأصوله «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم» (10).

كما أن الشرع الإسلامي لم يبنِ المجتمع ككتل إنسانية مستقلة بل بناه كأجزاء تتجمع لتشد المجتمع كجسد واحد فحرص مثلًا على تثبيت قواعد الأسرة، فأنت لست حرًّا في التخلي عن أبويك ولا عن إخوتك والانعتاق منهم، وينسحب الأمر على إخوتك في الإيمان ضمن المجتمع فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره»(11).

كما يقول في حديث آخر: مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا»(12).

هكذا نرى أن الفرق شاسع بين النظرتين، وأننا بتبني النظرة الغربية نسير في اتجاه بعيد عن ما كلفنا الله به كمسلمين، وتعبدنا به كي ننال الخير في الدارين الأولى والآخرة.

 

_______________________________________________________________________________________________

1- توماس هوبز مؤسس نظرية الحق الطبيعي.

2- ج. ج. روسو في العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي، تعريب عمار جلاصي وعلي الأجنف، دار المعرفة للنشر ط2 تونس إبريل 2014 ص11.

3- قول لروسو أورده فريدريك لوبياس في كتابه الحرية، تعريب محمود بن جماعة ط1، دار محمد علي للنشر، تونس 2009 ص31

4- ج. ج. روسو في العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي، تعريب عمار جلاصي وعلي الأجنف، دار المعرفة للنشر ط2 تونس إبريل 2014 ص22.

5- ج. ج. روسو في العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي، تعريب عمار جلاصي وعلي الأجنف، دار المعرفة للنشر ط2 تونس إبريل 2014 ص28.

6- سورة الذاريات الآية 56.

7- سورة البقرة الآية 30.

8- سورة البقرة من الآية 35 إلى الآية 39.

9- سورة البقرة الآية 256.

10- سورة المائدة الآية 33.

11- أخرجه البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه وغيرهم، ولفظه كما في البخاري.

12- رواه البخاري عن النعمان بن بشير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد