“لكن في المجمل مفيش أي وقائع ولا تجاوزات ولا خروقات ولا ناخبين”, هكذا رد ضاحكًا المستشار عبد الله فتحي رئيس نادي القضاة على سؤال الإعلامية لبنى عسل عن اليوم الأول للتصويت في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية, هكذا هو الوضع.

على الرغم من التضارب في الأرقام المعلنة عن نسب التصويت ولكن الثابت هو أن النسبة إما قليلة للغاية, وإما قليلة بشكل كارثي, والحالتان لا تختلفان كثيرًا فهما يعبران عن أمر واحد, الفشل الذريع للنظام الحالي.

فلنحكِ القصة كاملة:

منذ الثالث من يوليو اعتبرت جموع المصريين أن الجنرال عبد الفتاح السيسي هو المنقذ الذي حمانا من مصير مرعب وقاتم.
بثقة عمياء ساذجة ليست جديدة على الشعب المصري، وثق الكثير به وبكلامه ونزلوا لتأييده وتفويضه، وكان تأييده يتم بنبرة مليئة بالشحن, كأن لسان حال المؤيدين يُخبر المتحفظين والمهاجمين أن يصمتوا وألّا يتجرؤوا ويقوموا بالذنب الأقبح؛ ذنب الشك في البطل الذي أنقذنا من مصير مرعب وقاتم.

ثم توالت الأحداث, وتوالت الوعود, وتوالت الإحباطات, ثم أصبح الجنرال رئيسًا. بعد أكثر من عام كحاكم للبلاد – بشكل رسمي – لم يتغير شيء, اللهم إلا للأسوأ. لم يحقق الجنرال وعوده, لم يشعر مؤيدوه بتحسن أوضاعهم بل تردت أوضاعهم أكثر.

باقتصاد يتداعى وعملة صارت بلا قيمة, وأمن غير مستقر, وقبضة أمنية حديدية تأكل الأخضر واليابس, ووعود بالرغد بعد مؤتمر اقتصادي وتفريعة, وكلام كثير بدون نتيجة؛ رأى الناس بداية المصير المرعب القاتم الذي قال الجنرال أنه جنّبهم إياه, ففقدوا الثقة. وعلى قدر “تعشيم” الناس كانت قوة السقطة الحالية, فمن يبالغ في الوعود قد يُخدر الناس قليلًا ولكن ليس طويلًا.

كان أمام السيسي فرصة تاريخية ربما لم تتوفر لأحد من قبل, كان سيصير البطل المغوار الذي أنقذنا حقًا. لم يكن الأمر صعبًا للغاية, فهو المخابراتي الذي يعلم كل صغيرة وكبيرة ويعلم ما يحتاجه الوطن حقًا بحكم مناصبه التي شغلها, يمتلك القوة والسطوة, يمتلك دعم دول الخليج التي تنفق المليارات بكل بساطة, يمتلك تأييدًا شعبيًا خياليًا, ولكن لأننا شعبٌ منحوس أو ربما لا نستحق أن نصير محظوظين لم تتوفر الإرادة لدى الجنرال ليصير الوضع أفضل, فلو أراد, لصار. أو لعله أراد ولم يستطع, ولكني لا أرى دليلًا على هذا.

ليست هناك معارضة حقيقية في مصر الآن بسبب القبضة الأمنية وغياب الكوادر وملل الناس من السياسيين وكلامهم الذي أصبح يصيبهم بالغثيان, لم يحشد المعارضون للمقاطعة ولو أرادوا لما استطاعوا.

فشل الانتخابات البرلمانية وعزوف الناس عن الذهاب إلى اللجان ليس بسبب حراك سياسي معارض, ليس مقاطعة سياسية منظمة, أو هي ليست مقاطعة في الأساس.

الأمر فقط أن الناس أصبحت لا تهتم, أصبحوا يدركون أن الأمر سيّان إن ذهبوا وإن لم يذهبوا, كأنه ليس هناك انتخابات ليستحق الأمر وقتًا للتفكير أيقاطعون أم لا, ففي كل الحالات لن يتغير شيء, فمن يملكون القدرة على التغيير لا يريدونه.
لا أحد يتابع, لا أحد يستطلع برامج المرشحين أو خلفياتهم, لا أحد يرى أن وقوفه أمام اللجنة أمرٌ ذو قيمة, لا أحد يهتم. لقد نجح الجنرال في إفقاد الناس الاهتمام عن طريق إفقادهم الثقة فيه وفي قدرته و نيته على التغيير, حتى من كانوا يحبونه حبًا هيستيريًا ويثقون به ثقة عمياء راجعوا أنفسهم. إنها قاعدة بدائية للغاية: “الثقة اللي بتروحش مبترجعش”. حتى الآلة الإعلامية الضخمة المؤيدة للنظام فشلت في الحشد, فقد أصبح الناس لا يبالون بسخافاتهم.

هذا المعسكر اللامبالي في ازدياد, أصبحت المعسكرات كالآتي:
معسكر مؤيد للنظام, معسكر الإسلاميين, معسكر معارض للنظام والإسلاميين ولكنه معسكر خامل حاليًا, ومعسكر ضخم لا مبالٍ سئم البلد ويحلم بالهجرة.

هذا المعسكر اللامبالي يضم شرائح عمرية واجتماعية عديدة, الرابط الوحيد بينهم هو فقدانهم الثقة والأمل.

هؤلاء لن يتحركوا ضد النظام فالأمر أصبح لا يعنيهم, ولكن حين تزداد الضغوط الاقتصادية على الجميع وتتلاقى المصالح لن يصبح أمامهم سوى الانفجار, ليس بأي دافع سوى دافع الانفجار وحسب.

إذا تداعى هذا النظام يومًا فلن يكون بسبب دعوات سياسية ولا معارضة, فشله هو ما سيسقطه.
في مكالمة تليفونية مع الإعلامي عمرو أديب تحدثت سيدة مصرية بنبرة مخلصة للغاية مُلَخِصَةً كل ما قلته وما قد يقوله أي شخص, أوجزت كل شيء فاستمعوا.

https://www.youtube.com/watch?v=f9xcwzmnSJU
وعن عزوف الشباب بالذات, يكفيك إدراك الوضع الحالي. بين معتقل ومختفٍ وقتيل وحالمٍ بالهجرة يتلخص حال الشباب, بالتأكيد لن يذهبوا للتصويت, بالتأكيد سيسخرون من الفكرة بمجرد عرضها عليهم وسيتبعون سخريتهم بجملة من قبيل: “امتى نِهِجْ منها”.

يكفيك أن ترى منظر كل لجان الجمهورية ومنظر إستاد مختار التتش بالنادي الأهلي في اليوم الأول للانتخابات, ستعرف أن الشباب يذهبون للمكان الذي يشعرون فيه بذاتهم وبأن صوتهم مسموع حقًا, يذهبون لمن يسعدهم ويثقون به, يذهبون لمن هم أهلٌ للثقة. هذا الشباب ليس تافهًا ولا خائنًا لوطنه, فهم قد وجدوا وطنهم يحاربهم ووجدوا الأهلي يحتويهم. لقد ذهبوا لمدربٍ برتغالي جديد لتحيته ولم يلبوا نداء رئيس الجمهورية, ولكن النظام لا يهتم؛ فهو يعرف طريقة واحدة في التعامل مع الشباب.

 

نادي

نادي1

 

 

كل الكلام لا طائل منه في هذا البلد، وهذا المقال لا طائل منه أيضًا فليس هناك رجلٌ رشيد يستمع, استمعوا إلى المتصلة وشاهدوا الصور واستنتجوا ما يجب استنتاجه وليتولَّنا الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد