أجلس في شقتي الصغيرة في مدريد محدقًا في شاشة حاسوبي النقال لأقرأ آراء وردود أفعال رفاقي السابقين فيما يتعلق بالحادث الإرهابي الأخير في فرنسا وتصريحات ماكرون، أفكر في الشوط الطويل الذي قطعته، لا أعني بالشوط الطويل رحلتي من مصور صحفي في مصر للاجئ سياسي في إسبانيا، وإنما أعني رحلتي من «النهاردة العصر مرسي راجع القصر» لملحد فخور بإلحاده.

نشأت في عائلة متواضعة في أحد أحياء حدائق القبة، لم ينضم أبواي لتيار سياسي معين ولكن شاركوا فيما يطلق عليه الصحوة الإسلامية في التسعينيات، أتذكر حين دخل أمن الدولة بيتنا فى الثالثة فجرًا وأخذوا أبى إلى العنبوكة (مصطلح استخدم في التسعينيات للإشارة إلى الزنزانة التي تكون من غير دورة مياه) أربعين يومًا قبل أن يطلقوا سراحه بعد أن أدركوا أن الشيخ المتأخر في العمر ليس عضوًا بأى تنظيم أو جماعة، ونشاطه الدعوي والحركي يقتصر على الذهاب إلى الجامع لأداء الصلاة.

أتذكرني ابن الثالثة أو الرابعة من العمر وقد أمروني وأمي وأبي أن نقف بجوار حائط الردهة بينما يقلِّبون محتويات بيتنا والضابط يسألنى هل أنا خائف؟ لأجيبه أنا بلا نافية قاطعة.

رضعت مبادئ الإسلام والحاكمية والولاء والبراء منذ الصغر، ونشأت حافظًا القرآن وأحاديث الرسول الكريم، أتذكر وجه أبي المتبسم في رضا وأنا أذهب للصلاة في المسجد، أو وأنا أقلد شيوخ القنوات الفضائية في خطبهم ودروسهم.

لم يكن التلفاز مسموحًا به في بيتنا، وعندما أصرَّ أخي الأكبر على إدخاله البيت فى سنٍّ متأخرة كانت المشاهدة بحساب ومقصورة على الرسوم المتحركة والأخبار ودروس الشعراوي والمشايخ الآخرين، فالتمثيل في حد ذاته حرام، ناهيك عن لقطات العري والتقبيل والدعارة. أتذكرني جالساً في حجر أبي نشاهد الشعراوي يشرح مبادئ الولاء والبراء وأتذكر ما جال في خاطري حينها أن جيراننا مسيحيون ويتعيَّن علي أن أكرههم.

مكتبتنا الصغيرة في المنزل ضمت عناوين مثل: في ظلال القرآن، ومعالم في الطريق، منهج الفن الإسلامي، ومعركة التقاليد، والرحيق المختوم، بالإضافة لعشرات العناوين الأخرى لمؤلفين مثل الصلابي وابن القيم والغزالي والنووي.

أخبرتني أمي أني حين كنت طفلاً صغيرًا لا أتعدَّى الثالثة من عمري كنت أجلس منتبهًا أمام مجلد ضخم من مجلدات «في ظلال القرآن» الستة مقلِّبًا في الصفحات وحين تسألنى هي ماذا أقرأ أرد أنا بلكنةٍ طفولية «أقرأ في ظلال».

وجدت سلواي في القراءة فلا شيء آخر أفعله، فقد كانت أمي تمنعني أيضًا من الاختلاط بأولاد الشارع، كم كنتِ صارمة يا أمي!

ربَّت أمي فيّ عادة القراءة ولم تدرِ إلى أين ستأخذني تلك العادةَ! مع تقدمي في العمر صرت أنتزع مساحاتٍ أوسع وأكثر تنوعًا من القراءة من سلطة أبويَّ. بدايًة من سلاسل المؤسسة العربية الحديثة «رجل المستحيل» و«ما وراء الطبيعة»، وحتى كتابات نجيب محفوظ، ويحيى حقى، وجميل عطية إبراهيم، ويوسف إدريس.

أتذكر بكل التفاصيل أول رواية أقرأها أثناء مرحلتي الانتقالية من أدب الناشئين للأدب الحقيقي، كانت رواية «رد قلبي» ليوسف السباعي، شعرت وكأن مصباحًا قد أضاء في عقلي، شعرت وكأني كنت مسافرًا أو مستكشفًا في غابةٍ مظلمة، وأن هذه الرواية هي مصباحي الذي أضاء لي طريقًا لم أكن أراه من قبل.

دخل الإنترنت حياتنا عن طريق وصلةٍ صغيرة بعشرين جنيهًا مشاركةً مع جيراننا، كان الإنترنت بطيئًا لكنه كان ثورةً بالنسبة لي، في ظلمة الليل كنت أجلس وحدي محدقًا في شاشة الحاسوب مستكشفًا كل تلك العوالم والمسلسلات والأفلام التي لم أعرف شيئًا عنها، فجأة بدأت أفهم كل تلك النكات والتعبيرات والتلميحات التي كان يقولها رفاقي في المدرسة، فجأة عرفت: حاحا واللمبي وعادل إمام وهيفاء وهبي.

قامت ثورة 25 يناير 2011 وكانت حينها أنفي مدفونة فى كتاب الجيولوجيا. كنت في عامي الأخير من الثانوية العامة، انفتاح المجال العام في سنة الثورة اقترن بدخولي الجامعة لدراسة الأدب واللغة الإنجليزية، والذي اقتضى حرية مطلقة في الحركة من جانب أبويَّ، فقد صرت رجلًا بالغًا بالنسبة إليهما ونبت شنبي وطالت لحيتي!

بسبب ظروف وملابسات نشأتي وجدتني أميل للإخوان المسلمين، عن طريق قريبٍ لنا التحقت بالإخوان وصار لي مسؤول وأسرة ولقاء أسبوعي وخاطرة وحديث وكتب يتعيَّن عليَّ أن أقرأها. كنت بالنسبة للإخوان مرشحًا مثاليًّا. فأنا «أخ أبيض البشرة» (داخل الإخوان نزعة وسياسة غير معلنة نحو تفضيل أبناء الحضر البيض على أبناء الريف السمر) ذو لحية قصيرة من أبناء المدن وليس من أبناء الريف، وأنا حافظ للقرآن وقارئ ممتاز ذو ملكاتٍ لغوية ونزعةٍ للخطابة أحسد عليها. أخبرني مسئولي في الجامعة (كان لي مسئولان، مسئول الحي ومسئول الجامعة) أنَّنى اكتشاف وأنه كان منبهرًا بي أيما انبهار.

بجانب التوافق الفكري والأيديولوجي حينها، وجدت في الإخوان شبكة حماية، وضمانًا اجتماعيًّا من تقلبات الظروف الاجتماعية من مرض أحد أفراد العائلة أو فقدان الدخل المادي الثابت حيث يكفل الإخوان الدعم لكل أعضاء الجماعة، ولكن الأشياء كانت على وشك التغيُّر قريبًا.

جاء شهر يوليو (تموز) 2013 ومعه أتى اعتصام ميدان رابعة العدوية ومذابح المنصة والألف مسكن ورمسيس. أذكر أنني كنت في صباح الثالث من يوليو في مسيرة من مسجد العزيز بالله في الزيتون وحتى نادي الحرس الجمهوري، مازلت أتذكر ما كنت أرتديه يومها وحرارة الشمس ولون حذائي الرياضى، والهتاف الذي كنت أردده: «النهاردة العصر.. مرسي راجع القصر»!

ذهب العصر وأتت عصورٌ أخرى وتوفي أبي بالسرطان في سريره، وكعادتي هربت من الموت بالانغماس أكثر في أي شيء من شأنه أن يشغلني عن التفكير به، أراني كل أسبوع فى مسيرة من الزيتون أو المطرية أو عين شمس أندِّد بجرائم الجيش والانقلاب مطالباً بعودة الشرعية.

كانت الشوكة الأولى ما بيني وما بين الإخوان هي المسيرات شبه اليومية، كنت أراها مضيعةً للوقت والجهود والشباب والطاقات، فرصة ثمينة أسبوعية للشرطة والبلطجية أن يتصيَّدونا واحداً تلو الأخر، لم تكن أعدادنا تزيد بل كنا ننقص كل أسبوع واحداً أو اثنين، إما معتقلين أو شهداء برصاص الشرطة.

بدأت حينها ومع غياب مصدر دخلنا في البحث عن طريقة للحصول على الدخل المادي، نصحني أحدهم بأن أغطِّي المسيرات الأسبوعية بكاميرتي الصغيرة لوكالة الأناضول التي كانت تدفع مئة دولار في الفيديو، مئة دولار حينها كان مبلغًا لا يُستهان به.

حملت الكاميرا وبدأت أصور لأقع في الحب، في حب الكاميرا والصورة والفيديو، عالم آخر جديد انفتح أمام عيوني، عالم بلا حدود مليء بكلمات جديدة، مصطلحات جديدة مثل «الشاتر وفتحة العدسة والأيزو» ومشكلات جديدة وأناس جديدة.

/

عالم وسط البلد وشباب الصحفيين الصغار الطموحين المثابرين «المعافرين مع طوب الأرض» في سبيل صورة جديدة وحكاية جديدة وتكوين بصري جديد. شباب يتكلمون عن الحرية الشخصية للإنسان وحقوقه وحقوق المثليين و«حقوق أي حد في إنه يعمل أي حاجة هو عايزها!» خطاب جديد قرأته من قبل في بعض كتب مكتبتي ولم أرَه أو أختبره من قبل!

مع اقترابي من العالم الجديد صرت أبتعد رويدًا رويدًا عن عالمي القديم، تجاهلت اجتماعات الأسرة وتجاهلت مسئولي في جماعة الإخوان، واظبت على حضور المسيرات لظروف عملي الجديد ولارتباطي بعلاقات صداقة بالشباب المسؤول عن المظاهرات، علاقات صداقة سمحت لي بحرية الحركة في أي مكان في القاهرة والجيزة فقد كنت مصورًا مضمونًا و«تبعنا» من قبل شباب ألتراس ربعاوي ونهضاوي.

ساعدتني لغتي الإنجليزية على التواصل مع المزيد من وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية، وكنت أسعى طول الوقت حينها أن أطور من مهاراتي في التصوير وأن أوسع من دائرة مقالاتي لتتضمَّن قضايا اجتماعية مثل احتفالات الأقباط ومعاناتهم، حقوق المرأة ووضعها في المجتمع المصري، خرجت من شرنقة وبوتقة الإسلاميين، من خطاب الضحية والمؤامرة وأن العالم يخشى أن ينهض المسلمون ويتآمر عليهم.

العالم لا يخشى نهضة المسلمين، العالم لا يجتمع في غرفٍ مغلقة للتآمر على المسلمين، على عكس خطابهم الكربلائي فالمسلمون هم من يضطهدون ويقتطعون من حقوق قطاعات واسعة في المجتمع.

بدأت أفكر في كيف نُهلِّل لمرأى مسلمي أوروبا على سبيل المثال يصلُّون الجمعة في «بلاد الكفر» بينما نمنع المسيحين من بناء كنيسة ونطاردهم في صعيد مصر للاجتماع فى بيت أحدهم للصلاة معاً، أو كيف نرتضي أن يتزوج مسلم من مسيحية وإن حدث العكس تقوم الدنيا ولا تقعد!

أتذكرني في أوائل يونيو 2016 حين كتب أحدهم ساخرًا عن غباء وتخلف المسيحيين في «التمسُّح» بصور القديسين فرددت أنا ساخراً من المسيحيين الذين يتمسَّحون بصور القديسين لا يختلفون كثيرًا عن أولئك المسافرين لمكة للدوران حول مبنى حجري و«التمسُّح» بحجرٍ أسود لتنفجر ماسورة التعليقات والتهديدات في أول صدام لي مع الإسلاميين.

في يوليو 2013 حُكم علي بالسجن خمسة عشر عاماً لصور التقطتها أثناء تغطية لمظاهرة في جامعة عين شمس، جاءني الخبر وأنا برفقة أصدقاء لي في وسط البلد ويا للحسرة التي شعرت بها على أحلامي وطموحاتي وأمي العجوز التي تنتظرني في بيتنا!

بمعاونة صديقٍ لي زوَّرتُ تصريحًا للسفر – كنت حينها أفكر أن عقوبة التزوير في القانون المصري لا تتعدى خمس سنوات، وعليه فإذا كنت سأمضى خمسة عشر عامًا  في السجن فلن يضيرنى شيء أن أمضي خمسة أعوام زيادة على ذلك – أتذكر انقباض قلبي وخوفي من انكشاف أمري وأنا أقترب من الضابط في المطار ليفحص تصريح سفري. كان منهمكًا فى الإتيان على علبة كشرى واكتفى بإلقاء نظرة عابرة على التصريح، وعَبَرت غير مصدق سهولة الإجراءات، بعدها بساعة كنت في الطائرة متجهًا إلى وجهتي، هونج كونج، التي اخترتها كونها أحد البلاد القلائل التي تسمح لزائريها الدخول دون الحاجة لإجراءات فيزا معقدة، وعلى عكس ماليزيا مثلا فالحكومة المصرية لا تلزم المسافرين إليها باستخراج تصريح أمني.

كنت مسلمًا حين خرجت من مصر، مسلمًا موحدًا ومؤمنًا بالله ورسوله وكافرًا بالإسلاميين ومنهج الإسلاميين وإسلام أغلب المسلمين لكنِّي كنت مسلمًا، كان يروق لى حينها أن أقول إنِّى «مسلم تقدُّمي» وأنه يجب علينا كمسلمين إعادة تأويل وتفسير نصوصنا الدينية في ضوء عصرنا الحالي مع الأخذ في الاعتبار السياق التاريخي والجغرافي لهذه النصوص.

بداخلى كانت عشرات الأسئلة بلا أجوبة، وطريقي كنت أحسبه طويلاً لكني شعرت بيد الله تطمئنني وتربط على قلبي وعلى روحي القلقة الوثَّابة ولكم كنت ساذجًا حالمًا حينها، قضيت في ماليزيا ستة أشهر، أمضيتها في التجول في البلد الشرق أسيوي وفي ملء استمارات برامج الحماية الدولية للصحفيين، صلاحية جواز سفري كانت على وشك الانتهاء وكنت على يقين أنه يتعين على الذهاب إلى بلد يمكنني فيه أن أطلب اللجوء.

مشاعري المضطربة وقلقي الدائم لم يسمحا لي بأن أنخرط في نقاشاتٍ فكرية، على استحياء كنت أسمح لعقلى بالتفكير في مستقبل وطبيعة الإسلام السياسي في مصر والشرق الأوسط، فيما ستؤول إليه الأمور في مصر، كنت أحسب أن انفجارًا قريبًا على وشك الحدوث في مصر، انفجارًا لم أعد أنتظر حدوثه.

ستة أشهر وحدي في أغلب الأحيان متجولًا في شوارع وشواطئ ماليزيا وإندونيسيا، ستة أشهر كنت خلالها أشعر وكأني أولد من جديد تاركًا خلفى ماضيّ وأخطائي وذنوبي، بل مصريَّتى وما كنت أحسبه حقيقة ومعتقدًا.

هاتفني موظف السفارة الإسبانية في كوالالمبور (عاصمة ماليزيا) ليبلغني بضرورة المرور على السفارة للحصول على ختم التأشيرة، لقد قبلوا استمارتي في برنامج لحماية الصحفيين في إسبانيا، ليلتها لم أستطع النوم من فرط الحماسة والتفكير في المستقبل.

وصلت إلى إسبانيا فى أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2016 ومعي حقيبتان، حقيبة سفر معبَّأة بملابس صيفية خفيفة، وحقيبة ظهر بها كاميرتي وحاسبي النقّال و80 يورو فقط في محفظتى لا غير.

كنت أرى الأمور بوضوح، سأستثمر من سنين عمري ما يقتضيه الأمر للحصول على جنسية وجواز سفر ذي قيمة يسمحان لي أن أسافر وأتحرّك في بلاد الله، وأن أعيش حياة كريمة هادئة بلا داخلية ولا أمن دولة ولا خوف من الاعتقال والسجن، وعلى ذلك حجزت موعداً مع محامي يعمل في منظمة حقوقية لمساعدة اللاجئين وفي شهر أبريل (نيسان) من عام 2017 ذهبت لمكتب اللجوء في العاصمة مدريد لكي أطلب اللجوء رسميًا.

في ملف اللجوء كنت قد طبعت أوراق القضية وشهادات من منظمات حقوقية أني كنت أعمل مصورًا صحفيًا في مصر بالإضافة لعددٍ من مقالاتي، جلست أمام الموظف المنوط به تسجيل شهادتي وفي حضور مترجم مغربي قصصت عليه ما مررت به فى مصر، أعطوني بطاقة هوية خاصة بمُقدِّمِي اللجوء وأخبروني بأن قضيتي قيد الدراسة.

كان أول ما جال بخاطري ساعتها أنهم لم يسألوني عن ديني وما أعبد، رحت أدير الأمر في ذهني، رحت أفكر فيما كان سيحدث لو أني من ديانة أخرى وذهبت لتقديم اللجوء في بلاد المسلمين؟ في بلاد الولاء والبراء ودفع الجزية عن يد وهم صاغرون! أكان ليحدث الشيء نفسه الذي حدث في بلاد الكفر؟

قضيت عامي الأول متنقلًا ما بين مكتبات مدريد العامة عاكفًا على القراءة وإتقان اللغة الإسبانية وما بين ساعات الدراسة والمطالعة كنت أتأمل فيما حولي، أشاهد الشباب والشابات في انطلاقهم ولهوهم وضحكهم واستمتاعهم بالحياة، بعقلي تدور أسئلة حول مصطلحات تعلمتها منذ الصغر، والآن تبدو لي خاوية فارغة عديمة القيمة والمعنى: العفة، والاحتشام، والغيرة، والدياثة، وإسبال الثياب، والخلوة، والزنا. قواعد لتضييق الحياة بلا أي جدوى أو نفع.

انغمست في القراءة عن إسبانيا إبان حكم الجنرال الفاشي الكاثوليكي فرانكو، حقبة سوداء في تاريخ بلدي الجديد، حقبة كان يحق فيها لضابط الشرطة أن يلقي القبض عليك بتهمة تبادل القبلات مع حبيبتك في الشارع، لم تكن الفنادق حينها تقبل باستقبال رجل وامرأة سويًا بدون شهادة الزواج والطلاق ممنوع وأي دين غير الكاثوليكية مجرم، يا الله كم تتشابه نظم الحكم الفاشية الدينية!

راحت وجوه شيوخ قنوات الناس والرحمة واقرأ، تجول بذهني وهم يصرخون أنهم في بلاد الكفر يعانون من اختلاط الأنساب ويعانون من الخواء الروحي، وبدا لي أن أولئك الشيوخ هم من كانوا يعانوا الخواء الروحي فلا أحد ممن قابلته حتى لحظة كتابة هذه السطور لا يعرف من أبوه.

على العكس فالمجتمع متناغم حر ضامن لحقوق الكل، ضامن لحقوق المسلم في ممارسة شعائره التعبدية، وضامن لحقوق المسيحي في أداء صلاة الأحد في الكنيسة، وضامن لحقوق اليهودي فى زيارة معبده يوم السبت، وضامن لحقوق الملحد فى التعبير عن رأيه المخالف للأديان، وضامن لحقوق المثليين القانونية والمجتمعية، وضامن أو يسعى لضمان حقوق الكل، قد تكون هناك عنصرية أو إجحاف لحقوق البعض ولكن هذا هو النشاز، القاعدة هي ضمان أو السعي نحو ضمان حقوق الكل بغض النظر عن الديانة أو العرق أو اللون.

رحت أقارن هذا المجتمع بالمجتمع التخيلي المثالي عند المسلمين، دولة الخلافة حيث لا مكان لغير المسلمين إلا في إطار دفع الجزية عن يد وهم صاغرون لأهل الذمة التي قصرهم علماء المسلمين في اليهود والنصارى! حيث لا مكان لملحد أو تارك الدين فحد هذا القتل بعد ثلاثة أيام من الاستتابة إن أصروا على رأيهم! أي دين هذا الذي يهدد تاركيه بالقتل! حيث لا مكان لمثلي فعقاب المثلية القتل على حسب ما قال الرسول «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»! حيث لا مكان للمرء أن يمارس ويلبي حاجته الجنسية إلا في إطار محدد وأي فعل خارج هذا الإطار يعاقب بالجلد أو الرجم! أي مجتمع مثالي ديكتاتوري حقير هذا الذي يريد بناءه المسلمون؟

لم أحتج الكثير من الوقت لأرى أي المجتمعين في صورته المثلى أفضل، ثم أتت هي فخبرت عن حق أي المجتمعين أفضل.

رأتني في ندوة للحديث عن أوضاع الصحفيين في مصر فاقتربت مني بعد الندوة شقراء «كيرلي» بعيون خضراء مليئة بالفضول، طلبت مني رقم هاتفي لأنها ترغب فى رؤية المزيد من الصور التي التقطتها في مصر، تحادثنا لأسبوع قبل أن تخبرني أنها تبحث عن مطعم مصري في مدريد لتجربة الطعام المصري، أخبرتها أن تأتي لبيتي وسأطهو أنا لها طعامًا مصريًا.

أتت لبيتى في ثوب أصفر مجسم، وما بين الملوخية ومحشى الفلفل التهمتها هي بعيوني، بعد الأكل وبينما نحن جالسون سويًا نتجاذب أطراف الحديث أخبرتنى أنها لم تقبل رجلًا له لحية طويلة كلحيتي، ملت عليها لأسألها إن كانت تريد أن تجرب هذا الآن؟

احتفلنا في يوليو الماضي بعيدنا الثالث معًا.

تنتمي هي لعائلة ميسورة الحال من أم وأب يعملان طبيبين، أذكر حين كانت تعرض علي أن تعرفني على أبويها وكنت أرفض خوفًا من رد فعلهم، أنا لاجئ عربي بلا وظيفة ولا حتى تصريح عمل، وهي بعد بنت السابعة عشرة من عمرها! كنت أتخيل أبويها معتمداً على خبرتي السابقة في مصر، وحين أتت لحظة الحقيقة بعد حوالي ستة أشهر من بداية علاقتنا أثلج اللقاء صدري كما لم يثلجه شيء آخر في حياتي.

احتضنتنى أمها بدفء حقيقي غير مصطنع وصافحني أبوها مرحبًا، تبادلنا أطراف الحديث بالإسبانية بالقدر الذي تسمح به إسبانيتي نتاج سنة واحدة فقط في بلدي الجديد.

أفكر كثيرًا في أول لقاء لي مع أبويها، أفكر في أن أبويها لم يهتما بحجم حسابي البنكي، أو بجنسيتي أو بديانتي أو بإسبانيتي المتعثرة، لم يهتمّا حتى بديانتي وما أعبد! فقط كانا مهتمين بسعادة ابنتهما وفي حقها فى اختيار أن تكون مع من تحب بلا قيود ولا إجبار! في المقابل أتذكر ما قصته عليّ صديقة من مصر أن أباها حلق لها شعرها تمامًا عنوة لأنها تجرَّأت وعبرت عن رأيها وحقها في خلع الحجاب! لا داعي للتفكير فيما كان ليفعله أبوها لو علم أنها على علاقة بشاب مسيحي من دولة أخرى مثلًا، في هذا الموقف لم تكن صديقتي لتحيا لتقص عليَّ ما مرت به!

يوم بعد يوم كنت أرى الفوقية الأخلاقية للإسلام تنهار، تنهار مع احتكاكي بعالمٍ جديدٍ شجاع، عالم ليس مثاليًا ولكنه أكثر مثالية من أى مجتمعٍ إسلامى يداعب مخيلة الإسلاميين! عشرات المواضع والآيات والأحاديث التي بقليلٍ من التمعن والتفكير لا تلبث إلا أن تظهر كما هي، بالية ضعيفة ذكورية متناقضة، من أحاديث قوة الرسول الجنسية وختان الإناث وقتل المثلي والمرتد، وحتى آيات سبي نساء الأعادي وزواج الصغيرة وقوامة الرجل على المرأة يتراءى لي الإسلام ثوبًا باليًا مرقعًا!

يدعو الإسلاميون أن نفصل ما بين أفعال المسلمين وما بين الإسلام، أرى تلك الدعوة سخيفة فلا يمكن أن نفصل ما بين أي معتنق فكري أو ديانة وبين أفعال غالبية معتنقي هذا المُعتَنَق أو تلك الديانة! وإن أجزنا هذا الفصل فالتأخُّر والرتق والتخلُّف في صميم ما يدعو إليه الإسلام، ممارسات داعش من إقامة الحدود وطرد أتباع الديانات الأخرى ومحاربة «الكفار» لم تكن دخيلة على الإسلام، بل هي كلها ممارسات يدعو إليها الإسلام.

للأسباب السالف ذكرها و للعديد من الأسباب الأخرى من أهمها أني أعلم بوجود العديد ممن ليسوا في مأمن من قول الآتي أشعر أنه من واجبي أن أعلنها صراحة: أنِّي لست مسلمًا، ولا أؤمن بالإسلام. كفرت بكم وبرسولكم وإني على ذلك من الفخورين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد