«الميديا» كلمة أجنبية؛ تعني مختلف وسائل الإعلام الحديثة، بداية من التلفاز ثم الراديو، إلى الهاتف النقال والحاسوب، فهي تجعلنا على تواصل دائم مع العالم وأخباره، ولإعطائنا قدر الإمكان رؤية شبه كاملة للحدث، لكن يبقى سؤال جوهري هل الميديا صادقة وموضوعية دائمًا في نقلها المحتوى للعالم؟ ففي الأخير مَنْ يصنعون الميديا هم بشر لهم مشاعر وتوجهات وتحيزات، فيبقى لدى مستهلكي الميديا الخيار المحوري في المحتوى إما التعليق أو السؤال، أو الدخول في صلب المحتوى وتفكيكه وتحليله؛ للخروج بنتيجة جوهرية وهي؛ لماذا تم إرسال هذا المحتوى أو الرسالة؟ هنا تكمن لنا سلبية وإيجابية المستهلك، وعلى هذا الأخير تبرز لنا مهارة فهم وقراءة الميديا، وهي قدرة الشخص على الولوج وتحليل وتفكيك وتنظيم واستيعاب المحتوى أو الرسالة، هذه المهارة معقدة بتعقيد الرسالة، والمحتوى المبعوث، فعلى المشاهد أو القارئ أن يطرح الأسئلة الجوهرية في سبيل فهم وتحليل الهدف الحقيقي للمحتوى والرسالة المبعوثة.

أولًا: مَنْ صانع هذه الرسالة؟ هنا ليس فقط اكتشاف اسم المؤلف من غلاف الكتاب، أو معرفة مهام الطاقم في نهاية فيلم، أو برنامج ما، لكن الغوص أعمق وفهم كل البناء والخيارات مقترحة، ووضع رؤيتين جوهريتين للفهم؛ رؤية تتمثل في استيعاب النصوص والمحتويات الإعلامية على أنها ليست حقيقية على الرغم من ذلك. إن النصوص والمحتويات الإعلامية، خلقها وبناؤها كبناء الطرقات السريعة والمباني في وضع الطبقات معًا، خطط موضوعة وأناس عادية تتقاضى أجرًا على عملها، إن مرورنا في شارع على لوحة الإعلانات، أو مشاهدة برنامج سياسي أو إخباري، هذه الرسائل والمحتويات قد تم تأليفها من طرف شخص أو أكتر، الرؤية الثانية إن في هذه العملية الإبداعية هنالك خيارات تُتّخذ؛ إذا صورة ما جذبت الانتباه فإن هنالك ألفًا قد رفضت، نهاية قصة ما قد كتبت على نهاية واحدة فهناك نهايات أخرى للقصة لم تكتشف بعد، إننا نسمع ونقرأ فقط ما تم المصادقة عليه ليمر لنا نحن الجمهور من دون أي تفسير لماذا فقط هذا النوع بالتحديد من الخيارات أُخذت؟!

النتيجة هي ما تم بناؤه بقلة فقط من الناس يصبح عاديًّا لنا، الرسائل والمحتويات الإعلامية أصبحت مثل الهواء الذي نتنفسه غير قابلة للمساءلة والنقاش، زيف الميديا أصبح محجوبًا بسبب تَبنيها الطرق والوسائل الحقيقية التي تأثر في الناس؛ لأننا نأخذ ونفهم من منظورنا الخاص بعيدًا عن ماهية ما تم إعطاؤنا من هؤلاء الذين قاموا بالصناعة، إن نجاح الميديا يعتمد على مدى طبيعة وحقيقة المحتوى رغم زيفه.

ثانيًا: بناء الرسائل والمحتويات الإعلامية باستعمال اللغة الإبداعية، البناء: هي العملية التي يصاغ ويقدم بها المعنى للنص، أو المحتوى الإعلامي، عبر معالجة يخضع فيها لعدة قرارات للحفاظ على اهتمام الجمهور به. اكتشاف البنية والشكل واختبار الطريقة التي تم بها بناء المحتوى أو الرسالة، العناصر الإبداعية المُشَكَّلة معًا من كلمات، وموسيقى، وألوان، وحركات، وزاوية الكاميرا، علينا أن نلاحظ ونفهم كيف تم بناء هذه الرسالة مثلًا؛ استعمال ألوان يخلق مشاعر مختلفة، اقتراب كامل للكاميرا ينقل المودة، الموسيقى المخيفة ترفع الإحساس بالخوف؛ بسبب أن الكثير من وسائل التواصل اليوم هي عبارة عن وسائل بصرية، فعلى الشخص أن يكوّن رؤية نقدية تجاه وسائل التواصل البصري من حيث الإضاءة، والتركيب، وزاوية الكاميرا، واستعمال الدعائم، ولغة الجسد، والرموز، والإيحاءات كل هذه التقنيات التي تأثر في المعنى الذي يمكن أن نستشفه من المحتوى. إن فهم واستيعاب هذه التقنيات ليس فقط يساعدنا من تقليل احتمالية التلاعب بنا، لكن أيضًا يزيد من الإعجاب، وتقدير المحتوى الإعلامي.

ثالثًا: كيف يمكن لأناس مختلفة عني أن تفهم الرسالة فهمًا مختلفًا عني؟ نحن الجمهور في تفاعل دائم مع الميديا ربما ليست أجسادنا، لكن عقولنا دائمًا تحاول أن تربط ما نراه ونسمعه أو نقرأه مع أي شيء نعرفه من قبل، اختلاف فهمنا وتأويلنا للمعنى شيء طبيعي يأتي مع اختلاف تعليمنا، وعمرنا، وجنسنا، ومعتقداتنا، وتربيتنا الثقافية، فعند تركيبها وتطبيقها في النص الإعلامي تخلق لنا تأويلات فريدة من نوعها، إلى الآن كل عضو ينتمي لفئة خاصة، فالآباء والأبناء لا يشاهدون نفس البرامج والمحتويات الإذاعية، إن كوننا مشاهدين سلبيين يقتل فينا منطق ربط الأشياء التي نقرؤها، أو نسمعها، ونراها، سؤالنا فقط عمّا نُختبر نحن والآخرون حولنا، يجعلنا مستعدين لتقييم المحتوى الإعلامي من أجل القبول أو الرفض؟ نقاط التشابه لدينا تلعب دورًا مهمًا في فهم كيف إن صانعي المحتوى الإعلامي يهدفون إلى إدراج مختلف الفئات العمرية للتأثير على آرائهم أو في محاولة لبيعهم شيئًا ما.

رابعًا: ما القيم والأساليب والآراء التي صورت أو حذفت من الرسالة؟ بالنظر لمحتوى الرسالة والمحتوى الإعلامي، اعلم أن ليس هنالك قيم حرة، ولن تكون، فكل الميديا تحمل رسائل تضع مَنْ وما هو أهم؛ بسبب أن كل الرسائل هي مبنية لتلك الخيارات التي تؤخذ؛ فتؤثر مباشرة في القيم، والاتجاهات، والآراء التي تقوم ببناء الرسالة، فالأفعال وردودها أصبحت في قالب خالٍ من القيم في برامج التلفاز، حتى الأخبار طمرت القيم بالقرارات التي تؤخذ عن أي قصة، يجب أن تذاع أولًا وأخيرًا، ومدة العرض، ثم نوع الصور المختارة للعرض. صانعو المحتوى الإعلامي هم أناس مثلنا غير مبالين، وطائشين، ومتحيزين في نقلهم الأخبار، متسرعين نحو النمطية، الأهم هو أن نكتسب مهارات المساءلة والمطابقة العقلية للقيم الصريحة والضمنية إما من الأخبار أو الإنترنت؛ عندها نكون أكثر فطنة في قراراتنا في قبول ذلك الوصف الكامل للرسالة أو المحتوى الإعلامي.

خامسًا وأخيرًا: لماذا تم إرسال هذه الرسالة؟ هنا نبحث عن الغرض والحافز وراء المحتوى، وكيف تم التأثير فيه بالمال أو الأيديولوجيات أو حتى الغرور؟ يجب أن تكون قادرًا على الرؤية ما خلف المحتوى وأغراضه؛ إذا كان من أجل الأخبار، أو الإقناع، أو الترفيه، مع ذلك يبقى من الصعب معرفة الغرض الضمني في المحتوى الإعلامي، لماذا هذه الرسالة بالتحديد؟ وما هي الأفكار والتوجهات الفكرية والنمطية المحملة داخل النص الإعلامي؟ فالنص ليس دائمًا بريئًا من هذه المكونات البشرية الغريزية، إن سؤالًا يبقى غامضًا دائمًا عن مدى إمكانية الرسالة والمحتوى الإعلامي الخالي من التحيزات والتوجهات في نقل الأخبار وتنميطها.

لدى الميديا القدرة على تشكيل حياة وآراء الناس اليومية، بتزويدهم باستمرار بنصوص ومحتويات إخبارية قصد التأثير في طريقة تفكيرهم حول موضوع، أو قضية ما، فالرسالة تمر عبر مراحل من قَطْعٍ، وتحريف، وطمر، ثم تزييف، حتى تصبح جاهزة للإرسال للجمهور، بعد أن تم تنميطها فتبقى طريقة استهلاكها رهينة على مستقبليها إذا كانوا سلبيين أو إيجابيين، كما يتبع صانعو الميديا مراحل لتشكيل وتكوين وتزييف النص والمحتوى الإعلامي، يجب علينا نحن أن نقوم بنفس المراحل من تفكيك وتحليل وولوج، ثم خلق فهم صريح للمحتوى، ومعرفة غرضه الذي أُرسل من أجله. إن تطوير مهارة فهم وقراءة الميديا من أهم المهارات التي يجب اكتسابها خصوصًا في هذا العالم، الذي أصبح معظم تواصله رقميًّا مليئًا بمحتوياته الرقمية؛ لتفادي الوقوع في سلبية الاستهلاك للمحتوى الإعلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد