ربما إن سألتك هل تستطيع رؤية جميع الأشياء بعينيك، قد تجيب بلا، وتعلل بأن الكائنات الدقيقة مثل الميكروبات والفيروسات لا تُرى بالعين المجردة، على الأغلب قد يكون مراد السؤال لم يصلك بعد؛ فأنا لم أقصد بعينيك عضو الإبصار، بل أقصد عين العقل أو ما يراد بالبصيرة، هل بصيرتك قادرة على رؤية جميع الأشياء وتحسس الفروق بينها؟ هل ثقافتك ومعلوماتك تخول لك عمل تنبؤات وقرارات صائبة عن مستقبلك أو أمور غيبية؟ كثيرًا ما نسمع أشخاصًا يتحدثون عن قرارات أو أفعال قاموا بها في حياتهم ويصفونها بأنها أفضل القرارات التي اتخذوها من قبل، في حين ينعت بعضهم قرارات ما على أنها أسوء قرارات قاموا بها على الإطلاق، فعلى سبيل المثال قد يذهب بعضهم لوصف قراره بالسفر في وقت ما بأنه من أكثر القرارات الصائبة التي اتخذها في حياته. هذا ما أقصد، أقصد قدرتك على اتخاذ قرارات واستنباط أو عمل تنبؤات ما، ما درجة الصوابية لكل منها؟ والسؤال الأبرز هو هل الشخص منفرد بحياته الشخصية التي تمثل تجارب شخصية لإنسان واحد بالإضافة لبعض القصص أو تجارب أشخاص لازموه في فترات حياته تمثل مرجعية سديدة يستطيع الاعتماد عليها فيما تبقى من عمره؟!

دعونا نتحول قليلاً للحديث عن المجتمع العلمي الذي يعتبر أرقى وأفضل التجمعات البشرية على الإطلاق، المجتمع العلمي هو مجتمع الباحثين في أي من علوم الحياة كالطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلسفة والاجتماع وعلم النفس وغيرهم، ولا يتعصب أو يرتبط لنوع أو عرق أو دين، أي شخص يقوم بالعمل في مجالات البحث العلمي أو النظري ويساهم في تقدم البشرية يعد فردًا من المجتمع العلمي، حقيقة لا تخفى على أحد من المتتبعين لهذا المجتمع أنه استطاع أن يسبق المجتمعات الأخرى بسنين ضوئية، وأصبح يتطور بمعدلات فائقة، وتستطيع إدراك هذه الحقيقة في التطور التكنولوجي الذي اجتاح العالم في الخمسة العقود الأخيرة.

للإجابة عن سؤال المقال، دعونا نلق نظرة عن مجتمع الفيزيائيين وهو أحد المجتمعات التي تنتمي للمجتمع العلمي، يقر الفيزيائيون بعدم قدرتهم على الاعتماد على عقليتهم في إدراك الظواهر المختلفة، واستنباط قوانين الطبيعة بمفردهم، وأصبحوا يعتمدون على أداة ما تجعلهم قادرين على رؤية خبايا الظواهر الفيزيائية المختلفة، هذه الأداة تشبه النظارة أو المنظار التي تساعد عقولهم المجردة على فهم الظواهر وتكوين النظريات وعمل التنبؤات المختلفة، هذه الأداة هي علم الرياضيات الذي يحول الظواهر لمفاهيم رياضية، وعن طريق العمليات الرياضية البسيطة والمعقدة يستطيع الفيزيائيون استنباط علاقات ووضع نظريات جديدة.

لو افترضنا وجود نظام معين يحتوي على أربعة عوامل متغيرة كدرجة الحرارة لجسم ما، أو درجة تركيز محلول معين، لنفرض هذه العوامل بالمسميات الآتية: العامل1، العامل2، العامل3، وأخيرًا العامل4. لنفترض أن العامل2 يعتمد على العامل4؛ أي إنه بتغيير العامل4 يتغير العامل2 بعلاقة معينة، ولو افترضنا أن العامل3 هو الآخر يعتمد على العامل4؛ أي إنه يتأثر بتغيير العامل4 أيضًا، في حالة أن العامل1 يعتمد على العامل2 و3 معًا، هي يمكننا الجزم بأن العامل1 هو الآخر يعتمد على العامل4 أيضًا. يمكنك القول بأنه إذا كان العامل1 يتأثر بالعاملين2 و3 اللذين يعتمدان بدورهما على العامل4، فمن المؤكد أنه يعتمد على العامل4 أيضًا، قد تبدو إجابتك مقنعة لنا جميعًا لكن الفيزيائيين لا يقتنعون هكذا!

لأنه لو كان العلاقة بين العامل 2 و4 هي أن العامل2 يكافئ حاصل جمع العامل4 وقيمة ما أخرى، وأن العلاقة بين العامل2 والعامل3 هي ناتج طرح العامل4 من قيمة ما أخرى، ولو كانت العلاقة بين العامل1 والعاملين2 و3 هي أن العامل1 يكافئ مجموع العاملين الآخرين، فإن العامل1 لن يعتمد على العامل4 نهائيًا ولن يتأثر بتغييره بالزيادة أو بالنقصان؛ لأنه باستخدام طرق الرياضيات وتحويل الثلاثة شروط لثلاث معادلات واستبدال العاملين2 و3 بمعادلتهم الخاصة بالعامل4 واستخدامها في المعادلة الخاصة بالعامل1 بغرض تكون معادلة بين العامل1 والعامل4، ستجد أن العامل4 تلاشى من المعادلة، باستخدام الرياضيات العكسية ستعي حقيقة لم تكن واضحة بالنسبة إليك، وهي أن أي تغيير في العامل 4 بالزيادة أو النقصان سينتج عنه تغيير طردي في العامل2 وتغيير عكسي في العامل3 بالقدر نفسه من التغيير مما يجعله يستوعب التغيير الحادث في العامل2 ويتلاشى التأثير على مجموعهم وهو العامل1؛ أي أن زيادة العامل4 يتسبب في زيادة عامل ونقص عامل آخر، فناتج جمع5 و7 هو ناتج جمع6 و6 مثلاً.

هناك نقطتان مهمتان بالنسبة للمثال السابق، الأولى أنه هذه ليست الحالة الوحيدة في علم الرياضيات التي قد تتسبب في نقض المنطق البسيط تمامًا، والحقيقة هو أن المنطق لم يُنقض بل إنه افتقد لكثير من الدقة والمعلومات التي جعلته غير صالح للحكم على حالة التطبيق، النقطة الثانية هي أن بالإقناع لم نكن لنستطيع الإلمام بالحقيقة بل كنا سنعتقد أشد الاعتقاد فيما هو خاطئ.

لكن لماذا نحتاج لأن نبصر بأعيننا غيبيات أو أشياء يصعب الإلمام بها عن بعد؟ ببساطة لا نتمتع في القرارات المصيرية برفاهية التجربة؛ فقد تصنع باللامبالاة قرارات خاطئة تقودك لحياة أخرى لم تكن تريدها على الإطلاق، كل منا يحتاج لدراسة قراراته وبدائلها وتحديد درجة الصوابية لكل منها من حيث قربها لأهدافه ومخيلته ومستقبله المأمول، أنت في الأرجح ستحتاج للبحث عن الركن الوثيق الذي يؤهلك لرؤية ما لا تبصره عيناك المجردتان.

نمتلك نحن كمسلمين أداة عظيمة تكمن في المصحف والإرث النبوي الشريف، تلك الأداة التي انقسم الناس في تقييمها بين اعتقاد أعمى أو هجر مطلق والاعتماد على ثقافات شخصية، بل ذهب بعضهم إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لرواية ثقافاته وخبراته وشرح خبراته الفردية التي لا تمثل مرجعية على الإطلاق، ويحملون ما يقرأ كتاباتهم على اعتقاد أو فلسفة معينة، فتجدهم يكتبون عبارات على شاكلة «أنت لازم…» أو «مش المفروض تعمل…» معتقدين في أنهم المسخرون لوضع ما هو صحيح مُلزم وما هو خاطئ.

الأدهى من ذلك أن أناسًا كثيرين من ذوي التخبط الدائم أصبحوا يتأثرون بشكل كبير بالثقافة الدارجة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يطبقونها ويدعون إليها، ربما تستخدم اقتناعها الشخصي في إقناع غيرها فتجد أحدهم يكتب «متجوزش، حوش فلوس وسافر» وآخر يكتب «اللي مش متجوز مش عايش»، في حين يذهب آخر قائلاً «تاني أغبى قرار بعد الجواز هو الجواز بدري»، وربما تجد على شاكلة «اللي مافتحش عمله الخاص ده عايش وميت»، وسيبقى السؤال لماذا لا نلجأ لركن وثيق في حالات الشتات الأعظم أو الالتباس كتلك؟!

المجتمع العلمي كان فيما مضى قبل نحو ما يزيد عن خمسة قرون من الزمان يقدس الإقناع وكل ما تحتاج إليه هو إقناع الناس بأفكارك حتى يتم اعتمادها، فكانوا يستخدمون المناظرات للفصل بين تعارض ما في نظريتين لتكوين الذرة على سبيل المثال، وقد عانى جاليليو عندما قدم براهين على أن كوكب الأرض ليس بمركز الكون ويدور حول الشمس وليس العكس كما كان سائدًا فيما سبقه من الزمن، فقد كان جموع أهل العلم آنذاك يعتقدون بأن الأرض مركز الكون، وأن مركز الأرض يجذب جميع الأشياء نحوه، وقد دُعم هذا الاعتقاد بإقناع أغلب البشر؛ فحينما نرمى الأشياء لأعلى فإنها ستهبط لأسفل والشمس تدور في السماء وكذلك القمر أو كما كان يبدو للعيان، وعندما أتى جاليليو بمعتقده لم يلتفت أحد إلى براهينه التي استدل بها، في تلك الحقبة كان المجتمع العلمي يقدس الإقناع عن الدليل، معدل الاكتشافات العلمية والنظرية تضاعف بشكل كبير في القرون الثلاثة الأخيرة بعد ما تحول المجتمع العلمي للإيمان بالدليل أكثر من الإقناع، حتى بدا لنا بعض الفروض العلمية التي يصعب على غالبية البشر الإدراك بها كنسبية أينشتاين وفروض ميكانيكا الكم وغيره من العلوم التي لا نقتنع بها، ولكنها تصنع تنبؤات صحيحة ولها تطبيقات عديدة.

يُقدر عمر الإنسان على كوكب الأرض بمقدار ضئيل يكاد لا يُذكر مقارنة بعمر كوكب الأرض نفسه، وبالرغم من هذا يقف الإنسان على جبل من الثقة اللا متناهية وهو يُرثي ثقافاته الشخصية في أنها سر الكون! في منتصف القرن التاسع عشر وفي محاضرة للعالم الكبير ميشيل فرداي مكتشف الحث الكهرومغناطيسي، قامت سيدة وسألته «ما فائدة الكهرباء التي تدرسها؟» فرد عليها فرداي قائلاً: «حسنا سيدتي وما فائدة الطفل الرضيع؟» فرداي أراد بهذه الإجابة أن يوضح لها أننا كبشر أقل بكثير من أن نجيب على سؤال كهذا، في زمن فرداي كانت الكهرباء في معمل فرداي فحسب، أما اليوم فالكهرباء جزء أصيل وأساسي في جميع حضارات العالم قاطبة.

الإنسان أقل بكثير من أن يعد نفسه قادرًا على إرساء قواعد وثوابت كونية أو وجودية، بل يحتاج أشد الاحتياج لركن وثيق يلجأ إليه ويثق في بصيرته؛ حتى لا تحمله دعوات هنا أو هناك على المضي قدمًا في طريق أو مسار لم يكن يأمله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد