حين يجتمع عدم تقبل الآخر المختلف مع التصوُّرات العضوية والآلية المزروعة في ذهن الفرد عنه، تبلغ العنصرية أشدّها. فإن نظرة الكائن الاجتماعي للآخر الغريب ليست موروثًا جينيًا، بل نتيجة نهائية لمسار إنتاج طويل يبدأ مع التنشئة المنزلية في الوسط الأسري الضيق، ويتبلور أكثر حين يختلط الفرد بأشباهه في المجتمع، واندماجه بالبيئة التي تشجعه على نبذ واستحقار من ليس من «ملّته».

كثيرة هي الأمثلة والمشاهدات المتصلة بالمد العنصري الفتّاك. فعلى المستوى المحلي، تتناسل، في أحيان عديدة، المشادّات والعداءات الطائفية، ليس لأي سبب آخر سوى وجود كادرات وصور مسبقة الزرع في عقول الأفراد عن أبناء تلك المنطقة أو أتباع تلك الطائفة. وبالطبع، فإن هذه الصور لم تلتقطها صحون الأذهان منفردة، بل بثّتها في داخلها العائلة والبيئة الحاضنة. والعائلة لم تتلحّف بهذه المفاهيم تلقائيًا، بل نتيجة الحروب والقلاقل الاجتماعية الغابرة التي وسعت رقعة الانعزال وحولت المناطق إلى ثكنات عسكرية والمواطنين إلى ملل. وأسقطت على كل ملّة وأتباعها صفات جعلتها كابوسًا على الملل الأخرى والعكس صحيح. وبذلك، راحت الأجيال تتناقل هذه المفاهيم على قاعدة التعمية البشرية المستدامة. التعمية التي تنأى بالفرد عن أهمية التحاور والتثاقف والتجاور، وتغييب فوائد ذلك على الصحة الاجتماعية.

من هنا، نستشف أن العنصرية ليست مطبًّا هوائيًا وجوديًا يهز العلاقات الإنسانية بين الناس بإيعاز إلهي، بل هي صنيعة عقول وضعية لا ترتضي فهم الآخر خوفًا من الإلغاء والإقصاء. فالكل يتوجّس من رقص الآخر على جثته، ولو كان ابن بلده، فصنّاع هذا الخوف أوصوا القادم من الأجيال بوجوب الحفاظ على الملّة ولو تسبب ذلك بحال نفور وتباعد بين أبناء الوطن. وما يلحق ذلك من عنصرية وانعزالية تقسيمية.

من المثير للدهشة، حين تذهب إلى مطعم، مثلًا، ترى أن الفريق العامل فيه يتنوع بين مسلم ومسيحي وابن بيروت وابن النبطية. تراهم يعملون سوية، ويكوّنون صداقات واسعة وقريبة في ما بينهم، يدافعون عن بعضهم ويتبادلون مشاعر الحزن والفرح في المناسبات الأليمة والسعيدة. دون إنكار وجود القليل من الخلافات طبعًا. ولكن ما إن يقرع جرس الخلافات السياسية والطائفية، حتى ترى البعض منهم يستذئب ويستميت للدفاع عن ملّته ومنطقته ولو على حساب عمله وصداقاته. لأنه عندها يشعر لا بل يُشعرونه بخطر إلغائه من الآخر.

بالمحصّلة، إن العنصرية ليست إلا فاتحة خراب، ومفاعيلها لا تنحصر بالعلاقات ورفض الآخر والسلام عليكم، لا بل تؤسس لحروب لا يستهان بعواقبها الوخيمة التي شهدنا مثيلًا لها إبّان الحرب الأهلية وفي أعقابها، وما زلنا نعاني من نزلاتها وآثارها حتى يومنا هذا.

وفي الوجه الآخر للعنصرية، التعاطي غير اللطيف من قبل البعض مع الأجانب الآتين إلى البلد بغية العمل أو الإقامة لظروف معينة. فترى شعبة وطنية تعامل الأجنبي عربيًا كان أم غير عربي بطريقة هجومية ورافضة تمامًا لوجوده في البلد، من باب أن ذلك يسلب ابن البلد فرص عمل كثيرة ويقطف لقمة عيشه من فمه. وفي الضفة الأخرى، نرى عددًا من أبناء البلد يتعاطف مع الغريب ويحتضنه. ويحضر السؤال هنا: ما الذي يجعل هذا يرفض وذاك يتعاطف؟ الجواب على ذلك هو التربية والمفاهيم المزروعة في الذهن عن الآخر.

استنادًا إلى ذلك، نتبيّن أن التربية هي مفتاح العلاقات الإنسانية ومغذّيها. فالبعض من اللبنانيين ليس عنصريًا بمشيئته، وكذلك الحال مع أبناء أي بلد في معاملتهم مع الأجنبي. فلا أحد يولد عنصريًا، بل هو شعور، مكتسب، بالخوف من إلغائه فقط لا غير.

وعليه، لا بد من اجتراح الحلول وإيجاد مخرجات للمشكلة بدل لعنها ألف مرة. لا يجب أن نظل نسقط صفة عنصري على الفرد دون معرفة ما سبب ذلك. من هنا، يأتي دور الإعلام والجمعيات الأهلية لتوعية الناس على أهمية الاختلاف وإبعاد كابوسه عن أذهانهم. والحقيقة تقال، كلّما زاد الاختلاف، توسعت الحضارات. فكل ما لدينا من ثقافات وآثار وتاريخ حافل بالأمجاد التي نتباهى بها جاءت نتيجة مرور قوافل من الغرباء الذين زاروا أرضنا، فلماذا الخوف من الاختلاف إذا؟

لا تجعلوا من العنصرية وباء قاتلا ينتقل عن طريق العدوى. ونصبح عندئذ «كورونا» للوطن ليس إلا. ألم تروا كيف توحد الكل في وجه الفقر والجوع في ثورة تشرين؟ الآخر سند لك إن عرفت كيف تحسن التعامل معه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العنصرية, وباء
عرض التعليقات
تحميل المزيد