في شتّى المجالات الكِتابية حديثًا وقديمًا أيضًا، عادة ما يكون العنوان «مثيرًا» لجذب انتباه القارئ وللاستيلاء على بعض من نقوده، لإرضاء فضوله في معرفة ما وراء سِتار العنوان المثير.

في الفترة الحالية إذا ما بحثت قليلا، ستجد الكثير من الأشياء المُلقى عليها الضوء والأكثر شهرة، تِلك الكتابات التي تكسوها العناوين وتتخلل للمحتوى الغامض والمثير والكلمات اللاتينية والقديمة ومن اللغات الأخرى والكلمات التي لا معنى لها، وكثيرا تكون في الروايات والأعمال الحديثة للكٌتّاب الجدد.

هُناك من يختصون بتلك الأشياء المثيرة، والتي تلاقي جدلا ورواجا وقراء يستمتعون وينتظرون مزيدا منها، تِلك الكتابات الخارجة عن النص –إفلاسا- وليست أفضلية، كثيرًا ما يكون الصوت العالي دليلا على ضعف الموقف، وكذلك تكون الأشياء ذات الشهرة الكبيرة أو جزء كبير منها، فالجيد مختبئ في مكانه وثابت، وأما ما يشتهر فقط السطحي منها والأقرب للفهم والقارئ كما يقولون إن سألتهم عن سطحية ما يكتبون.

آفة أخرى تشتهر حديثًا وتتغلغل في الكثيرين، ألا وهي الكتابات «العميقة» والتي يفتخر بعضهم بأن كتابته كذلك وآخر يفتخر بأن كتابته غير المفهومة دليل على نجاحه، وآخر وآخر وآخر.

إلى أن وصل الحال في بعض الروايات الحديثة والتي يتميز صاحبها بالشهرة لما يكتبه من روايات باللهجة العامية والتي تثير إعجاب فئة «المراهقين» من القُرّاء، إلى أن تعمد إبهام جزء من روايته، وعندما سُئل عن ذلك قال بأنه يجب على القاريء أن يبذل مجهودا في فهم ما يقرأ، وهو ما لم يُخطئ فيه، ولكن ليس في روايته هذه ولا أشباهها، فمن يتعمد الإبهام ليفتخر بان كتابته غامضة ويستهزئ بعقول قرائه ليس بكاتب.

لم يقتصر الأمر على وضع العناوين المثيرة ولا ادعاء الكتابات العميقة ليبحث عن قارئ يوقعه في شِباك مصيدته، ليأخذ منه ثمن ما يشتريه من صحيفة أو رواية، وليضرب رأسه بالحائط إن أراد بعد أن ينتهي.

وعادة ما يقع فريسة  لهؤلاء بعض من ينخدعون بالعناوين، وعادة أيضا ما يكونون من المبتدئين في القراءة أو من هم ليسوا من مُحصلي الخبرة الكافية لتجنب الوقوع في مثل هذه الدعاية الرخيصة والمستهلكة، ويظل الحكم في هذا الأمر وحده «التاريخ» فهو من يقرر ما يستحق أن يدوم ويُخلّده في ذاكرته وما يُسقطه في قاع مُهملاته ودليل ذلك تلك المقالات والكتابات التي تظل لمئات الأعوام وتظل محفورة في أذهان جيل بعد جيل.

لم تكن الكِتابة وسيلة للشهرة ولا الربح قدر ما كانت مِهنة راقية، تناصف دور رجال الدين من التوعية الفكرية وإشباع العقل والروح بهما، وإمتاع الكثيرين من مُحبي قراءة المجالات المختلفة بها دائمًا، ولكنها ما بعدت عن سببها الأول وهو تشكيل قطعة فنية بديعة يتلذذ بها الكاتب والقارئ وتحولت إلى منّصات للشهرة الزائفة والربح فيكتب من يكتب، ويشتهر من يشتهر فلن يبقى إلا الجيد، ولن يحترم التاريخ من لم تكن لديه الموهبة.. ما لم يحترم نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد