قبل البداية:

هذا هو جزء من بحث مُعمق قُمت به عن حرب يونيو 67 ولم أنشره بعد.

ولعل بعض العرب اليوم الذين يتسامرون، ويضحكون، ويتغزلون، ويبحثون، ويتعاونون، ويخططون، ويتعبدون في تل أبيب، حينما يقرؤونه يعرفون أن ذلك الإله الذي يعبدونه ويُبجلونه ويخافونه ويرهبونه لم يكن قويًا لهذه الدرجة حتى في أوج قوته، وفي أهم لحظات نجاحه فما بالكم اليوم؟!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏بدلة‏‏‏‏

السيسي ونتنياهو

وأخيرًا فإن مراجع المعلومات الواردة بالمقال سيرد إما في صُلب المقال أو في نهايته.

على طريق المواجهة

إيشيا: في الحرب ليس هناك شيء اسمه تقريبًا… فيما يتعلق بمصير إسرائيل لا يوجد شيء اسمه تقريبًا. ديفيد بن جوريون لإسحاق رابين

كان مؤسس الدولة العبرية «ديفيد بن جوريون» هو أول العارفين بأهمية وقيمة مصر الاستراتيجية، ولذلك كان يتخوف منها طوال الوقت، وزاد تخوفه عندما قامت ثورة يوليو 1952، وتأكدت مخاوفه عندما رفضت قيادة الثورة الوليدة في مصر (جمال عبد الناصر) عروضه الكثيرة لفتح حالة حوار سري أو علني معها، ويذكُر ناحوم جولد مان في مذكراته:

أنه بعد قيام ثورة يوليو في مصر بفترة دخل على «بن جوريون» يومًا، ووجده منهمكًا في قراءة كتاب، وعندما سأله:      ماذا تقرأ يا ديفيد؟

فأجابه بن جوريون: «هذا كتاب «فلسفة الثورة» لقائد الثورة الشاب في مصر «جمال عبد الناصر»، ليس عندي شك في أننا سنصطدم بهم».

ديفيد بن جوريون

وعندما وجد «بن جوريون» الفرصة لإسقاط النظام الثوري الوليد في القاهرة لم يتركها تمُر فذهب وعقد معاهدة (سيفر) مع كُل من بريطانيا (أيدن) وفرنسا (موليه) فيما سُمي مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عقب تأميم مصر الناصرية لقناة السويس، وعندما فشل العدوان على مصر تفرغت إسرائيل لبناء قوتها العسكرية، وتركت مهمة تطويع وتطويق وحصارالنظام الثوري في مصر للإمبراطورية الجديدة (الولايات المتحدة الأمريكية) التي أتت لترث الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا).

وقد مشت واشنطن في مراحل متعددة ومختلفة في علاقاتها مع النظام الناصري الثوري في مصر: في البداية وفي عصر الرئيس «أيزنهاور» كانت مرحلة (الغواية). وبعد السويس وفي أعقابها دخلت أمريكا إلى الشرق الأوسط بمقتضى مبدأ «أيزنهاور» وكانت تلك مرحلة (الاحتواء).

وفي عهد «كيندي» كانت سياسة البيت الأبيض مزيجًا من مرحلتي (الغواية) و(الاحتواء)، ويمكن وصفها بمرحلة (الحصار).

وعندما جاء «جونسون» كانت مرحلة الحصار في أوجها لأن أسباب الخلاف بين القاهرة وواشنطن زادت وتراكمت وتعدت كل ما هو مسموح به أمريكيًا. من تحويل مصر إلى (الدولة النموذج) عن طريق إقامة مشاريع تنمية كُبرى (السد العالي) إلى مساندة حركات التحرر الوطني على امتداد العالم، إلى قيام مصر بالبدء في برنامج لتصنيع الأسلحة وتحديدًا في المجال غير التقليدي (مشروع الصواريخ )، وكذلك اكتشاف إمكانيات الذرة عن طريق إقامة (مفاعل أنشاص).  لمزيد من تفاصيل الموضوع برجاء مراجعة الرابط – ونُقل عن «جونسون قوله: «أن في أيام لورانس لم يكن العرب ينتجون صواريخ وطائرات ويجيئون بعلماء ألمان وخلافه!».

الرئيس الأمريكي ليندون جونسون

الأسباب الإسرائيلية لضرب مصر الناصرية في عام 67؟

كان التصور الإسرائيلي أن عام 1967 لا يجب أن ينتهي إلا وإسرائيل قد ألحقت هزيمة ساحقة بمصر وأسقطت جمال عبد الناصر عدوها اللدود وكانت أهم أسباب اختيار تلك السنة ما يلي:

  • إن مشروع إسرائيل النووي بدأ تشغيله سرًا، وقُدر إنتاجه من البلوتونيوم بما طاقته 25 كيلو جرامًا. وفي تقرير تلقاه رئيس وزراء إسرائيل في ديسمبر 1966 من هيئة (رافائيل) المشرفة على برامج التسليح الإسرائيلي ورد بالنص: «أن مشروعًا معينًا له أولوية خاصة سوف يصبح قادرًا على الأداء في ظرف شهور أقصاها نهاية 1967».

وعلى الناحية السياسية فقد كان هناك تقرير للموساد مفاده أن هذا (التطور) يصعُب أن يظل سرًا، ومن المهم والحال كذلك أن تضع الحكومة الإسرائيلية في حسبانها وتتذكر أن «ناصر» سبق له وأبلغ الأمريكيين أن:

«مصر سوف تجد نفسها مضطرة لشن حرب وقائية إذا تأكد لها أن إسرائيل على وشك أن تدخل مجال إنتاج الأسلحة النووية حتى لو بدت الحرب عملًا انتحاريًا».

وللدقة فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية (طبقًا للملفات) كانت واثقة من أنها تستطيع رد أي ضربة وقائية توجهها مصر استباقًا للخطر النووي لكن حساب التكاليف جعل رئاسة الأركان توصي أن تأخذ إسرائيل في يدها زمام المبادرة وتضرب وتختار هي التوقيت ولا تنتظر غيرها يفرضه عليها، وذلك لتجنب الخسائر الزائدة لهجوم مصري مباغت يمكن رده وإحباطه، لكنه سوف يستوفي ضرائبه قبل حرمانه من تحقيق مطلبه!

  • وبالتوازي مع ذلك فإن قيادة الأركان الإسرائيلية ومعها المخابرات العسكرية (أمان) والمدنية (الموساد) أخذت تُلح على أن ضربة إسرائيل الاستباقية لأى ضربة وقائية مصرية لا بد وأن تحدث الآن (نهايات 1966 وبدايات 1967) وأثناء وجود الجيش المصري الثالث (كما تسميه الوثائق الإسرائيلية) في اليمن.

الزعيم جمال عبد الناصر

يتصل بذلك أن هذه الضربة الاستباقية لمصر قبل احتمال ضربة وقائية منها سوف تكون حربًا مع مصر وحدها على نحو شبه مؤكد، فذلك ما تقول به أوضاع المنطقة وأحوالها. وكان ما تخشاه إسرائيل وتتحسب له وتريد أن تسبقه: (أن ناصر قد يجد لنفسه مخرجًا من حرب اليمن ينهي تورط الجيش المصري هناك ويقلل من العبء المعنوي والنفسي الذي يتحمله هذا الجيش).

  • وكان هناك بالزيادة على ذلك كله سبب أخير وملخصه أن برنامج التسليح المصري (غير التقليدي) يكثف جهوده في مجال الصواريخ. وقد بدا للمخابرات الإسرائيلية أن مصر عرفت بأن السبق الإسرائيلي في المجال النووي زادت وتيرته واتسعت المسافة بينه وبين المشروع الإسرائيلي في معظم التقديرات الظاهرة في الملفات الإسرائيلية بما يقدر بخمس أو ست سنوات لصالح إسرائيل.

 وترتيبًا على ذلك فإن مصر (كما رصدت أجهزت الأمن الإسرائيلية) قررت (سد الفجوة بتكثيف إنتاج الأسلحة الكيماوية والجرثومية لكي تكون رادعًا ضد الخطر النووي الإسرائيلي). على أن كفاءة سد الفجوة كانت لا تزال متوقفة على قُدرة مشروع الصواريخ المصري على حل مشكلته الأساسية وهي مشكلة دقة جهاز التوجيه.

الصواريخ المصرىة أرقت كثيرًا القيادة الإسرائلية 

ثم كان أن علمت المخابرات الإسرائيلية أنه بعد تخويف عدد من العلماء الألمان، ودفعهم إلى السفر أو الهرب من مصر، وعلى رأسهم الدكتور «وولفانج ييلز» أن القاهرة بدأت في بحث معضلة أجهزة التوجيه مع الاتحاد السوفيتي، وبالتحديد مع عناصر في وزارة الدفاع السوفيتية يشجعها الماريشال «أندريه جريتشكو» وزير الدفاع، والأميرال «جورشيكوف» قائد الأساطيل السوفيتية، وكلاهما كان شديد الاهتمام والحرص على البحر الأبيض وموازين التواجد حوله.

وكان التخوف الإسرائيلي من أن الماريشال والأميرال كليهما أو أحدهما قد يمارس ضغطًا أو يقوم على مسئوليته بمبادرة تؤدي في أي لحظة إلى حل معضلة جهاز التوجيه في الصواريخ المصرية، ومن ثم تكتسب استراتيجية الردع المصرية مصداقية في اعتمادها على الأسلحة الكيماوية والجرثومية كموازن ومُعادل ولو مؤقت للقنبلة الذرية الإسرائيلية.

  • يزيد على ذلك كله أن المخابرات الإسرائيلية راحت تُتابع ما رأته خلافًا بين مدرستين في القيادة السوفيتية الحاكمة وقتها:

مدرسة يقودها «ليونيد برجنيف» رئيس الحزب، وهي بتأثير المؤسسة العسكرية التي يقودها الماريشال «جريتشكو» ترى أن السياسة السوفيتية في العالم العربي تُبرر تكاليفها وزيادة بما تحققه من مزايا استراتيجية واقتصادية وعسكرية ومعنوية، وهذه المزايا لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، ولكنها منه واصلة إلى أفريقيا وإلى شبه القارة الهندية.

ومدرسة يقودها «أليكسى كوسيجين» رئيس الوزراء (وهو في الأصل مهندس) ترى أن السياسة السوفيتية في الشرق الأوسط زادت تكاليفها عن كل حساب، خصوصًا أن دولًا كثيرة في (المجموعة الاشتراكية) حتى في أوروبا أخذت تشكو من أن تعامل موسكو مع «الأبعد» أكثر كرمًا منه مع «الأقرب».

وفي دورة اللجنة المركزية في سبتمبر 1966 وقف «كوسيجين» يُطالب بضرورة إعادة تقييم السياسة السوفيتية في العالم العربي على أساس من الأرقام وليس على أساس من الأوصاف المطاطة التي تقبل التفسيرات الواسعة للحزب أو للجيش!

وكانت إسرائيل ترى أن المدرسة التي يمثلها «برجنيف» سوف يرجح رأيها وأن احتدام النقاش حول (دراسة الجدوى) و(حساب التكاليف) قد يفتح (نافذة فرصة) تُطلق يدها لعمل في الشرق الأوسط، لأن هذه النافذة قد تُغلق في زمن قريب، ومن ثم يكون هناك إجماع داخل القيادة السوفيتية على خط موحد وقد يكون مؤيدًا دون تردد للعرب.

 

خطط إسرائيل تتكشف

في ربيع سنة 1967 ما بين مارس إلى مايو كانت الخطة الإسرائيلية لتوجيه ضربة قوية ومُميتة (إن كان ممكنًا) إلى مصر شبه جاهزة، وكان الطُعم الذي رماه الإسرائيليون ليسبح في بحيرة طبرية (الخطر على سوريا) كي يصطادوا به الحوت الكبير (مصر- جمال عبد الناصر). ورغم أن هناك تفاصيل كثيرة وحقائق عديدة تُظهرها الوثائق الإسرائيلية لهذا الحدث، إلا أنني سأقفز فوق الحوادث لأصل إلى يوم 15 مايو 1967.

فقد عُقد اجتماع لمجلس الوزراء الإسرائيلي على هيئة مجلس أمن قومي وتقرر ما يلي:

الجنرالات من اليمين وايزمان ورابين وحايم بارليف

1- أن العدو الرئيسي هو (مصر) وتوجيه ضربة (قوية) و(مُهينة) ضد هذا العدو الرئيسي هو هدف «عمليات الردع» التي يتوجب أن تقوم بها إسرائيل ضد الاستفزازات المصرية!

2- تم بحث وإقرار خطتين بديلتين للعمل العسكري الإسرائيلي ضد مصر:

الخطة الأولى – (واسمها الرمزي «آتزمون») وهي تقضي بقيام القوات الإسرائيلية باحتلال قطاع غزة، والالتفاف داخل الحدود المصرية والاستيلاء على العريش وقطعها (هي ورفح)، ثم رد وتدمير أي هجمات مضادة تقوم بها القوات المصرية في هذا القطاع.

والخطة الثانية – (واسمها الرمزي «كاردوم») وهي تقضي بقيام القوات الإسرائيلية بتوسيع هجومها باحتلال شمال سيناء حتى «جبل لبنى»، والتمسك بهذه المناطق (غزة والعريش وشمال سيناء حتى جبل لبنى) حتى يتغير الموقف المصري.

3- تقرر تنفيذ الخطة الأولى واعتبارها كافية لتوجيه ضربة قاسية إلى الجيش المصري وإلى هيبة السياسة المصرية، وإظهار عجزها عن حماية أرض فلسطينية (قطاع غزة) تحت مسئوليتها وعجزها عن حماية حدودها نفسها (رغم كل دعاواها بالقدرة على حماية الأمة العربية).

4- على الجبهة السورية هناك تصريح بعمليات دفاعية عند الضرورة، وتكون محصورة في الحدود اللازمة لا تتوسع فيها.

5- على الجبهة الأردنية حذر وترقب دون التورط في أية اشتباكات إلا بإذن خاص من وزير الدفاع (وهو نفسه حتى تلك اللحظة رئيس الوزراء «ليفي أشكول»).

التطور الخطير في المشهد

يوم (17 مايو) وقع تطور يظهر في الوثائق الإسرائيلية على أنه (حدث بالغ الخطورة) إلى درجة أن بعض التقارير الإسرائيلية تجعل منه (نقطة التحول الرئيسية في مجرى حرب يونيو 1967)، وضمن هذه التقارير ما كتبه الجنرال «إيزر وايزمان» (مدير العمليات) والجنرال «موردخاى هود» (قائد الطيران) – في حين أن الجنرال «إسحاق رابين» (رئيس هيئة أركان الحرب الإسرائيلية) «احتار ولم يكن قادرًا على تقدير درجة التهديد المتمثلة في هذا التطور المُثير!».

وكما يقول الأستاذ «هيكل» في كتابه (الوثائق الاسرائلية): أنه من المثير للدهشة أن هذا التطور الذي أحدث هزةً في المؤسسة الإسرائيلية لم تكن له نفس الأهمية في دائرة صنع القرار في مصر. والذي حدث:

أنه بعد الظهر الباكر من يوم 17 مايو 1967 قامت طائرتان مصريتان من طراز(ميج S  621) بالتحليق بسرعة فوق منطقة (النقب) من جنوبها إلى شمالها. ومع أن وسائل الدفاع الإسرائيلية تصدت لهما فإن أيًا من الطائرتين المصريتين لم تُصب بأذى!

الطائرات المصرية تستطلع ديمونا

مؤدى التطور في القاهرة

يقول الأستاذ «هيكل» في كتابه:

أنه في لقاء مباشر مع الرئيس «جمال عبد الناصر» صباح يوم (18 مايو) في غرفة مكتبه في بيته قال الرئيس له:

أنه انشغل بشيء جرى عصر الأمس، يظهر أن حكيم (عبد الحكيم عامر) وصدقي (صدقي محمود قائد الطيران) أرادا اختبار قوة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ولذلك أرسلا طائرتي استطلاع لاختراق المجال الجوي الإسرائيلي من («إيلات» إلى «بير سبع» إلى «الخالصة» إلى «سد بوكر»)، ثم عادت الطائرتان بسلام،ولم تتعرض لهما الدفاعات الإسرائيلية بالكفاءة التي كُنا نتصورها. كما أن طلقات المدفعية الإسرائيلية المضادة كان بينها وطائراتنا مسافة كبيرة. وقدخرجت المقاتلات الإسرائيلية بعد ذلك للمطاردة، لكنها خرجت متأخرة (14 دقيقة) بعد لحظة الاختراق. وأكملت الطائرتان مهمتهما وعادتا، وجاءني قبل قليل مجموعة من الصور.

إنني أستغرب مما حدث. ولا أصدق أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية ليس عندها المدى الذي يسمح لها بالوصول إلى الارتفاع الذي كانت عليه الطائرتان. وفي نفس الوقت فإني لا أتصور أن هناك تقصيرًا في الدفاعات الإسرائيلية يسمح لطائراتنا أن تخترق (النقب) للاستطلاع وتعود.

«حكيم» و«صدقي» كانا سعيدين، ولكنى لم أتحمس كما توقع الاثنان، الحكاية دعتني إلى الشك أو التساؤل عما إذا كان الإسرائيليون يريدون إقناعنا بأنهم ليسوا مستعدين – أو ماذا؟

وأكمل عبد الناصر:

اتصلت بعد ساعة بـ«صدقي» وأبديت له شكوكي، وبدا لي أنه مازال مأخوذًا وسعيدًا بما فعله أولاده (الطيارون) لكني في الحقيقة أُفضل أن أتحفظ.

ومن المفارقات أنه بعد أيام قليلة – يوم 26 مايو، وربما بقصد إقناع جمال عبد الناصر فإن المشير «عبد الحكيم عامر» والفريق «صدقي محمود» رتبا لغارة استطلاع ثانية، عبرت نفس المنطقة واستطلعت وصورت، ورصدت قذائف مضادة للطائرات تنفجر في الأجواء تحتها ولكن المدى لا يطولها.

كان ذلك في مصر، وأما في إسرائيل فقد كانت الصورة أشد ما تكون اختلافًا

مؤدى التطور الخطير في تل أبيب

يظهر في الملفات الإسرائلية أولًا:

تقرير من الجنرال «إسرائيل ليور» (مدير المكتب العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي) بأن عمليات الاستطلاع الجوي المصري أثناء اختراقها لمنطقة النقب الجنوبي مرت فوق منطقة «ديمونة»، وذلك في تقدير ليور: يكشف أن (التسهيلات النووية الإسرائيلية قد وضعت كأولوية أولى في خطط مصرية للحرب، ومجلس الوزراء المصغر سوف يبحث هذا الأمر الخطير، ولدينا مذكرة من رئاسة الأركان وقد طلبنا تقريرًا جديدًا من المخابرات العسكرية عن حسابها للاحتمالات بعد ما حدث).

وتظهر في الملفات ثانيًا:

مذكرة كتبها الجنرال «ييجال آللون» وهو عضو رئيسي في لجنة المن والدفاع في مجلس الوزراء تقول:

(من الواضح الأن أن مفاعل ديمونة على رأس قائمة الأهداف المصرية، وهذا في حد ذاته يفرض على إسرائيل أن تقوم بشن حرب وقائية ضد مصر لأن أي تهديد لـ(ديمونة) تهديد للرادع النهائي الضامن لأمن إسرائيل).

ثم يظهر في الملفات ثالثًا:

تقرير مراجعة قامت به هيئة المخابرات العسكرية (آمان) وهو بتوقيع الجنرال «أهارون ياريف» جاء فيه نصًا:»أنه يبدو الأن أن النوايا المصرية لا يمكن اعتبارها «مظاهرة سياسية» وإنما «عملية عدوانية»!

ثم يظهر في ملفات الجنرال (اسحاق رابين) رابعًا:

أنه حين قر رئيس الوزراء الإسرائيلي «ليفي اشكول» هذا التقرير بالمراجعة لهيئة المخابرات العسكرية الإسرائيلية – التفت إلى ناحيته وقال له: «إنها الحرب .. أقول لك إنها الحرب سواء أردنا أو ترددنا»!

وعندما صدر في مصر قرار إغلاق خليج (العقبة) مساء (21 -22 مايو) كان رئيس وزراء إسرائيل يُرجح أن هذا القرار هو (الذريعة) لضرب مفاعل (ديمونة).وطبقًا لمحضر اجتماع للجنة الأمن والدفاع في مجلس الوزراء، فأن أول تعليق لـ(ليفي أشكول) على القرار كان قوله:

«أظُن أن نواياهم الحقيقية ليست في خليج العقبة، فهم يعرفون أن بواخرنا العابرة من مضايق (تيران) تكاد (لا تظهر هناك)، ولذلك فإن الحصار الذي ضربوه على المضايق غير مفيد في الواقع العملي. والتفسير المُقنع في رأيي هو أن هذه الخطوة (إغلاق الخليج) تصاعُد مقصود يُريد خلق الأعذار لعمل من جانبنا – يردون عليه هُم بضرب (ديمونة)، والغالب أن ذلك هدفهم من التصعيد»

ليفى أشكول

وفي ذلك الاجتماع للجنة الأمن والدفاع طلب الجنرال «رابين» رئيس هيئة أركان الحرب (توجيهًا جديدًا من القيادة السياسية بعد هذه التطورات الأخيرة). وكان تقديره أن (هذه التطورات تقتضي عمليات أوسع بكثير وأشد عنفًا من الخطط السابقة التي أُقرت في اجتماع يوم 15 مايو، وأنه لذلك يريد تعليمات أكثر تحديدًا).

و أثناء المناقشة أبدى «رابين» أن الضرورات الآن تفرض البدء ودون العودة إلى مجلس الوزراء لطلب ترخيص آخر. والبدء أن تقوم القوات الإسرائيلية وفق الخطة المُعدة بهجوم جوى واسع على كل المطارات المصرية في سيناء والى غرب قناة السويس في ضربة استباقية قبل أن تقوم مصر التي استطلعت (ديمونة) مرتين بتوجيه غارة واسعة النطاق إلى: («قُدس الأقداس»Holly of the Hollis) الإسرائيلي.

وبعد مناقشات طالت في لجنة الأمن والدفاع يظهر في التقرير المكتوب عن الاجتماع أن الرأي اتجه الى تجنُب بحث خطوات عسكرية محددة في الاجتماع الكامل للجنة الأمن والدفاع على اعتبار (أنه ما دام هناك اتفاق على الاطار العام فإن رئيس الوزراء (مفوض من اللجنة) بأن يتدارس مع رئيس الأركان في الخطوة أو الخطوات الواجب اتخاذها، وفي توقيت هذه الخطوات).

عند لحظة الذروة … المشهد المُثير!

وفي تلك الساعات الخطيرة أحس رئيس الأركان «إسحاق رابين» أنه في حاجة إلى جلسة يستنير فيها بآراء «المُعلم» كما كانوا يسمون «دافيد بن جوريون» مؤسس الدولة. وتوجه «رابين» مساء 24 مايو 1967 إلى مستعمرة (سد بوكر) في وسط (النقب) حيثُ اعتكف (المُعلم) معتزلًا لا يُريد المشاركة في سياسات يعتقد أن أعوانه السابقين (خصوصًا «ليفي اشكول» و«جولدا مائير») قد أفسدوها.

وعرض رابين (طبقًا لشهادة مُسجلة بصوته محفوظة في مكتبة «بن جوريون» في جامعة بير سبع» تطورات الساعات الأخيرة».

اسحاق رابين

وكان «بن جوريون» من اول لحظة بادى الغضب، ولعله أحس أن «الأخرين» في تل أبيب تجاهلوا استشارته، ولم يجئ إليه أحدهم إلا بعد أن قاربت الأزمة ذروتها.وطبقًا لشهادة «رابين» المُسجلة

فإن «بن جوريون» رد عليه قائلًا:

«أنا لا أظن أن الظروف الآن مُهيأة لحرب. وأنا استغربت أنك تسرعت في دعوة قوات الاحتياطي».

وقاطعه «رابين» (طبقًا لشهادته) قائلًا:

 «لقد كُنا نُريد أن نجعل درجة استعداد القوات عند الحد المُلائم لتطورات الأزمة».

وهنا علا صوت «بن جوريون» يسأل:

 «من الذي صعد الأزمة إلى هذه الدرجة؟ ومن الذي أصدر إليك الأمر بدعوة الاحتياطي؟

الذي أعطى لك الأمر لا يفهم تبعات ما أمر به، وأنتم جميعًا بتصرفاتكم الحمقاء وضعتم الدولة في مأزق، وأمامكم الآن عِدة جيوش عربية تُحيط بإسرائيل».

ورد «رابين»:

«أننا قدرنا الوضع العسكري للجمهورية العربية المتحدة، ونعتقد في صحة تقديراتنا. وأريدك أن تعرف (أن ناصر يستهدف مفاعل ديمونة)، لكن اللُغز الذي يواجهنا الآن هو: ما الذي يدعو ناصر ويشجعه على هذا النحو على استهداف مفاعل ديمونة بضربة يبدو أنها قادمة بعد أن تم استطلاع الموقع؟                                                                                                  إن المصريون قاموا مرات قبل ذلك بالاستطلاع فوقه سنة 64 وسنة 65، لكن الظروف الآن مختلفة بسبب وجود حالة طوارئ، والاستطلاع في هذه الحالة لا يمكن أن يكون إلا مقدمة لشيء؟»

وتساءل «بن جوريون» مُوجهًا كلامه لـ«رابين» (طبقًا لروايته):

«هل يمكن أن يكون الروس قد أعطوهم تعهُدات مطمئِنة تشجعهم على المخاطرة؟»

وقال «رابين»: «لا أظن، ولكننا على اتصال بالأمريكيين لأنهم في الغالب يعرفون أكثر عن هذا الأمر».

وتساءل «بن جوريون»: «هل الأمريكان معكم بالكامل في خططكم؟»

ورد «رابين»: «لا أستطيع أن أقول (بالكامل)، ولكنهم معنا (تقريبًا).

ورد «بن جوريون» منفعلًا «إيشيا» (تدليل إسحاق):

«ليس هناك في الحرب شيء اسمه تقريبًا»!

ثم زاد «بن جوريون» كلامه تأكيدًا:

«فيما يتعلق بمصير إسرائيل ليس هناك شيء اسمه تقريبًا!»

وسكت «رابين» وعاد إلى قيادته تلك الليلة (شبه مريض)، وانتابته (حالة تقلص في الأمعاء وقيء).
وسارع مدير العمليات «إيزر وايزمان» إلى الاتصال بالجنرال «إسرائيل ليور» مدير المكتب العسكري لرئيس الوزراء لإبلاغه «أن رئيس الأركان أُصيب بانهيار تحت وطأة الظروف، وأنه لا بُد من قيادة عسكرية جديدة تخوض الحرب!

كانت تلك نهاية القصة المُثيرة، ولعل الملاحظة الأولى في بداية المقال، والقصة المثيرة في نهايته تكون كاشفة وفاصحة ومُبينة لما أردتُ قوله بطريق غير مباشر.

وأخيرًا يمكن القول للقيادات العربية الذين يقابلون نُظراءهم الإسرائليون وهم سُعاداء فرحين مُبتسمين مستبشرين ما قاله «نابليون بونابرت» لأحد قواده:

إذا كان هؤلاء أصدقاءك.. فما حاجتك إذن إلى أعداء؟!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏‏أشخاص يقفون‏ و‏بدلة‏‏‏‏‏

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ستة أيام من الحرب - حزيران 67 وصناعة شرق أوسط جديد لميشيل ب . أورين
الانفجار 67 - محمد حسنين هيكل.
الوثائق الاسرائلية - محمد حسنين هيكل
عرض التعليقات
تحميل المزيد