ما دلالة مناداة رئيس الجمهورية عبر «الفيس بوك» عالي التشفير؟

هل هو اللجوء إلى عالم الفضاء الإلكتروني الأرحب؟ أم أنه لا يستطيع أن ينفذ إلى شاشة تلفزيونية؟ أو ليست هناك وحدة بث عاجلة تتبعه أينما حل؟ وكيف تكون مجموعة محدودة وتسيطر على مبنى التلفزيون الرسمي، وتبدأ تصريحات أمريكية بمغازلتها، ثم تبدأ الأسطوانة المعهودة من أنهم خرجوا «دفاعًا عن الديمقراطية»؟

أعرف أن العالم ليحبس أنفاسه، وأن الحكم فيه والساسة لا يعرفون، بحال من الأحوال، لا الديمقراطية ولا صناديق الانتخابات، وإنما هي أصنام عجوة يأكلونها لما يريدون، بل إنهم متورطون في الانقلاب على صندوق الانتخابات هنا كما في مصر، وإنه لو استطاع «هؤلاء» خلال ساعات الليل «كسب الجولة» فقد انتهى الأمر لسنوات طويلة، وهذا النظام، والتألق الخدمي الذي نستشعره بداية من نظافة الشوارع ورضا أبنائنا عن التعليم الحكومي.

تذكرتُ «صاحبة الشقة» عندما في المرة الأولى طلبت التأكد من عمل الأجهزة فضاقتْ وذكرتْ بلدي، فقلت لها إننا نعاني انقلابًا أنتم عانيتم من مثله أكثر، فقالت بصدق:

ـ إنني لأكره «أردوغان» لو تعلم كرهًا شديدًا، ولكنه وفر لي متطلبات الحياة الضرورية فانتخبته وسأنتخب حزبه، ولن أنقب عليه حبًّا في «تركيا».

الانقلابيون يسيطرون على المطار، و«ميدان تقسيم» بإسطنبول، ويحتجزون رئيس الأركان، فيما وزير الدفاع يؤكد أنهم عدد قليل.

كما يتنفس الصباح وليدًا بالغ الدفء من عتمة الليل وموت برده، بدأت نوافذ الجيران في البناية المقابلة تضاء ثم تفتح، ثم غفلة اكتمل الشروق بسيل من السيارات يطلق أبواق التنبيه، في الجانبين، وأعلام تركيا تطل من نوافذ السيارات، والكل مستعجل لتلبية نداء رئيس الجمهورية، أين كنتم يا سادة حتى بعد الثانية عشرة والنصف والأكثر من ساعة ونصف الماضية مرت كجبال من الوقت، تأخرتم علينا كثيرًا، لولا لطف الله!

كان السؤال الأكثر مرارة الذي يلجم النفس:

إذا كنا جميعًا مقصرون، بدرجات، فهل يترك الله التجربة التركية كلها للانقلاب؟

أو بذلك لا تصبح تجربة مستمدة من «نوره» مهما لحقت بها التوازنات في الأرض؟

وهل هذا يرضي الله؟

وكانت النفس ترد:

ـ أو لأنه أمر ترضاه تريد دحر «انقلاب» تم التخطيط له على مستوى عالٍ وبأموال عالمية، وتخطيط لا يعلم إلا الله مداه في دقائق؟!

«2»

وصلوا إلى المطار وحرروه

ثم استداروا الشرفاء من الشعب والشرطة إلى «ميدان تقسيم» يحاولون تحريره ثم «التليفزيون الحكومي».

وبدأ إطلاق الرصاص في الشوارع، وصوت الطيران صار مسموعًا بأعلى البناية التي أقطن فيها، والباقون من الأتراك المجاورين، حزب الكنبة، تجاسروا ففتحوا النوافذ.

يالله فقد بدأ المواجهة بالفعل.

اللهم احفظ كل شريف مخلص بالعالم فكيف إذا ما كانت دولة؟!

«3»

   رأيتُه من النافذة، ولن أنسى ما رأيتُه..

كان المتظاهرون الرافضون التسليم للعسكر قد وصلوا المطار وميدان تقسيم وأحاطوا بمبان عسكرية في إسطنبول، بل رقدوا أسفل الدبابات رافضين أن تحكم بلدهم من جديد، ويبدو أنه تأخر.

رجل «ربعة»، لا بالطويل ولا القصير، ملتح يحاول القفز فوق مقدمة سيارة يحاول صاحبها اللحاق ببلاده، هو الآخر قبل أن تسقط في «قبضة العسكر» إلا أن صاحبنا الأول فشل، لم يتركه صاحب السيارة، أو فلنقل لم يسمح لهما الوقت بثوانٍ يركبه معه فيها.

أما الملتحي فما كان منه إلا أن التفت لا يدري ولا يجد سيارة أجرة، ولا يريد التمهل، وتراه يقفز ويجري للأمام والخلف في حركات متتابعة، هكذا تكون الحميّة، وهكذا تتم المحافظة على البلدان.

لقد أفاق الشعب التركي مبكرًا، وقد نجح «أردوغان» وحزبه في «معركة الوعي» لكن هل قوات الأمن الداخلي مستعدة للتضحية بالنفس من أجل هذا؟!

وسقط أول شهيد، وفيما رحتُ أترحم عليه، قدرتُ أن العدد آخذ في الزيادة، كان متظاهرًا قتله الجيش، وظهر «أردوغان» ثانية وثالثة، الذهول مسيطر عليه، فأقول:

المواجهة مستمرة لم تزل!

طوبى للذين يدافعون عن أوطانهم الآن، وتقتلهم الرصاصات من أجل تمام ارتفاع راية عادلة، أو تحاول العدل في هذه البلاد، الجماهير تحمي المباني السيادية، و«أردوغان» في طريقه إلى المطار، لماذا المطار؟

توفى الله أكثر من 17 شهيدًا من الأمن الداخلي، أسأل الله أن يتقبلهم، حكمة عدم أمر الجيش بمواجهة بعضه، وربما الريبة الغالبة.

يحلق الطيران ويقتحم حاجز الصوت فوق الميادين وتهبط الرؤوس من الخوف، وأسأل الله السلامة، فإننا في قلب المواجهة، «وزير الدفاع» يقول السيطرة ما تزال لنا، بوارق الأمل تزداد، الاتصالات تنهمر من مصر، والإنترنت تقل جودته، نكتب للناس فإن الإعلام هناك شامت.

ولكم كنت أتمنى النزول ولكن حاجز اللغة، ووجود الأسرة من حولي، نؤدي دورًا نُطمئنُ به عبر وسائل «التواصل الاجتماعي»، حتى جاءت لحظة أيقنت فيها بوشك النصر!

«3»

قال لي «عمار» عند الواحدة والثلث فجرًا:

ـ المسجد يؤذن للصلاة إلى جواري، أهناك صلاة الآن؟

فهتفت من أعماقي:

ـ بل هي سُنّة عن الرسول، صلى الل عليه وسلم، إذا حزبه أمر يا حبيب، نادى الصلاة جامعة، وربما اجتهدوا من هدي السنة.

مَنْ علمك هذا يا «أردوغان»؟ فإذا كان الله قد أرسل إليك رئيس المخابرات ليحذرك من البقاء في الفندق بمرمريس لتنجو وتنجو بك الملايين التي تتبعك، فمن علمك أن المساجد دورها الآن «مساجدنا، حرابنا، أدواتنا السامية للتقدم» أو لست صاحب هذه الكلمات؟!

عما قليل بدأ المسجد بل المساجد المجاورة تتلو الآية الكريمة:

ـ«سيهزم الجمع ويولون الدبر».

الصلاة والسلام عليك يا حبيبي يا رسول الله.

هنا علمتُ أن الرجل استعان بالله، بعد أن أعد العدة بالقوة، وحاول العدل بين شعبه، وحاز نسبة عالية من هذا كله.

بعد الثانية قيل أن الدولة تسيطر على تسعين بالمائة من الأمور.

وظهر «أردوغان» من شرفة في تسجيل ليقول إن الأمور تحت السيطرة ومهددًا ومتوعدًا. لكنه ظهرت «طلعت لها شمس» بلغة أحبابي أهل بلدي.

لكن بقية التصريحات كانت تقول الحذر مطلوب.

«4»

وكان مؤتمر المطار الصحفي، «أردوغان» إلى جواره «بيرات البيراق»، صهر الرئيس التركي، الصحفي السابق وزير الطاقة والموارد الطبيعية الحالي، وكان العسكر فشلوا في إرهاب الناس، تم قصف البرلمان، للمرة الأولى في التاريخ، وضرب الأتراك بالرصاص في الشوارع فلم يهربوا بل انفجروا، لا نريد منكم حكمنا، ارجعوا إلى ثكناتكم!

إن مشهد مصر مسيطر هنا، نجاح انقلابها يتحدى المحللين القائلين بأننا في القرن الحادي والعشرين، ومن ناحية أخرى فإن خصوصية تركيا تتحدى المشهد الذي في أذهان العسكر هنا.

الأمر مطمئن بالله.

وإن عادت الطائرة لتقترب من النافذة التي أراقب من خلفها، وإن صرختُ في صغيريّ بمغادرتها وإطفاء الأنوار.

وعند اكتمال شروق الشمس السبت 16 من يونيو/ حزيران علمتُ أن تركيا اجتازت ليلة ليلاء، لم تمر بمثل نجاحها من قبل، ولن تصادف نسبة فشلها، وإن قل، من بعد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد