لا شيء قرب الحادية عشرة من مساء الجمعة الماضية 15 من يوليو (تموز) سوى أن الصديق «عمار فايد» فاجأ جلسة من الأصدقاء المقربين متبايني المشارب. لكن مع الاجتهاد في محاولة الوصول إلى الحقيقة، إذ كان النقاش محتدمًا، فطالع هاتفه المحمول مرات غير مُصدق ثم فجّر الكلمات:

ـ الجيش التركي يحاول الانقلاب على الرئيس رجب طيب أردوغان، والدبابات تحاول الانتشار في الشوارع بأنقرة وإسطنبول!

لا أكتم الله واضحة فإن هذه الكلمات كنتُ أتوقعها، فالانقلابات التركية المتعاقبة لا تترك مجالًا للشك في أن للجيش محاولة عودة (1960، 1971، 1980، 1997) وقيل 2012 أيضًا، هذه واضحة ثم إننا في عالم اليوم يبدو للحمقى مكانًا منه غير مميز لكنه فعال، فقد يرى بعض الموتورين القلة بتعداد دولة ما لا تراه الدولة، لكن السلاح والرشاش والطائرة والدبابة قد تحكم بفعل الخوف من الدماء وانتشار الآلام لا أكثر.

ثم إن لدى صاحب هذه الكلمات رؤية امتدت شهورًا طويلة عاين فيها «الغثاء»، وإن كان من طرف البعض القليل من المنتسبين إلى الإخوان ممن قدموا إلى تركيا، فأساؤوا إلى الدين والضمير قبل أنفسهم، وكانت الاختلافات قمة جبل جليد خطاياهم، فمنهم المندس، وفيهم قليل المروءة والكرامة، وأحدهم يريد التحكم في الجماعة على أي نحو، وإن لم يملك من تلك المقومات إلا الحماقة والفشل في حكم أهل بيته هو، ولكن هؤلاء نجحوا في الإساءة إلى الصف كله، رغم قلتهم، ودائمًا ما كان يسكنني هاجس أيده جزئيًا انتخابات أخيرة للجماعة أتت بـ«عبده مشتاق» هذا، ولا أدري كيف اختاره علماء دين ورجال سياسة ومنهم أصحاب مناصب في برلمان 2012 المصري، ووزراء بحكومة الدكتور «هشام قنديل»، وكان أكثر ما ساءني هو أنهم بعد الانتخابات للجبهة الموازية لم يستطيعوا إعلان النتيجة على الملأ.

كانت لدى صاحب الكلمات أقل من رؤية وأكثر من هاجس أن هذه الأفعال، ومنها ما هو أقل قيمة من أن يُذكر، ليست إلا مقدمات حكم بها هذا الصف على نفسه بالطرد من تركيا!

(1)

والجمع ينفض بسرعة، كنتُ ألاحق الشوارع في الحي المكتظ بالمارة غالبًا، والذي لا تكف خطوات «الأتراك» عن مزاحمته، وأنا أراه شبه فارغ إلا من بعد الشباب المهرول المتابع للهواتف النقالة، وسيارات الأجرة التي لا تلبي إشارة، والوقت فحسب عقب صلاة العشاء، دققتُ ثم تباينت المشاعر لكن غلب عليها رجاء ويقين، فالدماء التي رأيتُها بمصر وجعلت صاحب هذه الكلمات يترك الدار والعمل انحيازًا للإنسان، ما كان الله تعالى ليسمح بأنهارها هنا في «تركيا» لا لأن «رجب طيب أرودغان» يعرف عن مفاصل الدولة ما لم يكن يعرفه غيره ومنهم الرئيس «محمد مرسي» أو تيار منتسب للإسلام سواء في الجزائر أو غيرها اللهم إلا غزة، بل لأنه تعالى أرحم من هذا، رغم شدة الموقف!

ولعل من الأسباب إلمام الدولة مع وجود سلاح يبرز وقت الأخطار يحمي أصحاب الحق، كنتُ أقول لنفسي أن تصنيف «إسلامي» هذا الاسم لا المسمى، والعياذ بالله، كم بت أكرهه، لماذا لا نكون مستجيبين لأقصى مقدار من أعماقنا لمدلالوته ونقلل إن لم نكف عن استخدام لفظه؟ ورحم الله امرأً فهم هذا الدين وترجمه عملًا، وكف عن تناوله بالكلمات.

(2)

أقيم بشارع رئيسي بالحي، وعبر شاشة التلفزيون بدأت أرى الطرق المقطوعة والأتراك المتأففين، والدبابات المنشرة في الشوارع، والوقت يمر بطيئًا جدًا، وقسوة انتظار ما لا أعرف ولا أريد معرفته تملأ النفس، وخوف وحذر انفلات الموقف تجعل القلب قبل اللسان يجأر إلى الله:

ـ إنني أخاف عليهم مما مر بهم من قبل، وعايناه في مصر، قبل أن أخاف علينا هنا!

هتفتُ ثم تذكرتُ امرأة لم يكن الشباب غادرها بالكلية أجرتْ لي نفس الشقة التي أقيم بها منذ سنوات قليلة، وكنتُ أظن عهد الإيجار قد انتهى، ولكننا مقبلون على تغيير ربما يكون شاملًا لا في الإيجار بل ربما في الحياة.

قطعتُ التذكر، وهربتُ إلى النافذة. لا أحد يتحرك في الشارع، وكان الألم قد بدأ يغزو النفس بشدة لما صرح «بن علي يلدرم» بأن حكومته على رأس السلطة حتى الآن.

كنا قبل منتصف الليل والشارع بأسفل النافذة ساكن تمامًا، والرجل جديد نسبيًا في منصبه، ولكن ما هذا الذي يقول؟ إن حكومته لم «تزل»، وأين ردود الفعل؟ وإنني لأعرف جيدًا أن الانقلابات إذ تقر نفسها في الساعات الأولى، كسكين مسنون مر على رقبة ملتاعة مفجوعة، وأذكر أن الجمعة الأولى عقب انقلاب مصر 6 من يوليو (تموز) 2013م قدرت جريدة أمريكية كبرى، لعلها «النيويروك تايمز»، عدد الخارجين إلى الشوارع بـ35 مليون مصري، وإن يكن في الأمر مبالغة إلا أن الواضح أن ملايين أكثر من أكذوبة الـ30 في 30 من يونيو (حزيران) نزلت للشوارع فلم تغنِ شيئًا لما أراد الله.

رحتُ أفكر في الثواني القادمة، وجلّ همي أن أعرف متى يتم حسم هذا الموقف، قال «عمار»:

ـ ربما عند ساعات الفجر الأولى!

واستحضرتُ الذين خلت لهم الساحة فأفرخوا رغبة في الاستئثار بالمال، والعبّ من الشهوات، والصمت على ما يندى الجبين له، ممن يفترض أنهم «قومنا». هل يفهم هؤلاء دقة الموقف الذي نحن فيه؟

سبحتُ مع أهالي المعتقلين والشهداء والمضارين والمصابين في بلدي، وهؤلاء بعضهم يرتع ويمرح ويتخاذل عن نصرتهم بحجة الاختلاف وضرورة حمل السلاح، وغيرها من الكلمات التي لا تستحق النطق فضلًا عن الكتابة، هل إذا انتهى هذا الموقف على خير، وإن صاحب هذه الكلمات ليعرف ساعتها أنهم، فيما عدا أصحاب الجنسيات الأخرى، في خزي الآن، ولكن إذا انتهى الموقف على خير هل يفعلون كما فعل أبطال «سكة السلامة» لـ«سعد الدين إبراهيم» رحمه الله، فيعودون لسابق أفعالهم وطباعهم؟!

هؤلاء هم من أبرز أسباب التورط في مصائبنا، يزاحمون الطرقات ويخدعون السائرين فيها، ويستعجلون قطف الثمار، ولا يريدون لأحد إلا هم فائدة، حتى إذا انقلبت الأمور على رؤوس الجميع بادروا بالهرب والإساءة إليهم من جديد، ولا تعرف لأي شيء تعجب؛ جرأتهم وبجاحتهم أم تراخي الآخرين في مواجهتهم؟!

(3)

تلك المذيعة ذات الرداء الأزرق والملامح الثابتة، والكلمات القاطعة من أي «فضاء خارجي» جاءت؟

إنها الحرب الإعلامية والانقلابيون يريدون حسم الجولة، كيف إذًا يقال عنهم إنهم قلة قليلة:

ـ إعلان الأحكام العرفية!

هل تدري ما تقوله وتأثيره عليها قبل غيرها؟

وإذا انعدل هذا الميزان فكيف ستأمن على نفسها؟

لم تمض إلا ثوان وخرج الرئيس «رجب طيب أردوغان» على شاشة هاتف محمول بقناة محلية لينادي الأمن الداخلي، «ضبطية» الذي أنشأه حزبه الحاكم «العدالة والتنمية» بالمواجهة حتى الموت، والشعب بالخروج!

تذكرتُ على الفور الرئيس «مرسي» وآخر خطاب له بثته «الجزيرة» من داخل الحرس الجمهوري واضطراب الكاميرات، وعدم وضوح الصورة.

اللهم سلّم!

الشارع من أسف لا يزال فارغًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد