تَهبُ علينا نسائم عام دراسي جديد في عامة الدول العربية والإسلامية، ومن حسن الطالع أنه يبدأ مع الأيام الأولى من العام الهجري 1442، وما أدراك ما الهجرة وصاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام، ففيها الكثير من الدروس والعبر لكل من أبحر فيها.

لكن بالرغم من الحوادث الجلل التي أصابت العالم في هذا العام 2020 من الميلاد، بدءًا من انتشار ذلك الفيروس المهلك كورونا-19 مرورًا بالانهيار الاقتصادي الذي كان نتيجة مباشرة لتوقف الحياة، ولا سيما في الدول الفقيرة، مرورًا بذلك الحطام والشقاق الذي أصاب كثيرًا من مجتمعاتنا ودولنا العربية، حتى تحول لحروب طاحنة تأكل الأخضر واليابس فيها، فقد أصبح لدينا يقين لا يدع مجالًا للشك أن دوام الحال من المحال، والأيام دول، ومن لم يحسن بناء ذاته وحماية حاضره وتحصين مستقبله فسوف يكون من أعظم الخاسرين.. وفي القلب من هذا جيل الشباب والطلاب الذين هم عصب أمتنا وقادتها المقبلون ومستقبلها الواعد.

لذلك أتوجه برسالتي هذه إلى من بيدهم تغيير هذا الواقع، ويقع على عاتقهم صناعة المستقبل، إلى الذين يبحثون حقًا عن أنفسهم، ولا ينسون في خضم نجاحهم نهضة أمتهم، إلى كل من يرعى رعية، ويحمل أمانة، إلى كل من يقفون على طريق النجاح، وكل من يسيرون في درب الإصلاح، إلى أصحاب الهمم العالية الذين يحلمون ببناء حضارة يأوي إليها كل مُشرد، وتحمي كل ضعيف، وتعز كل ذليل، وتنصر كل مظلوم، وتُعلِّم كل جاهل، وتزرع الخير في القلوب قبل الدروب.. إليكم أكتب.

إلى الآباء والأمهات.. أين أنتم؟

آثرت أن أبدأ أولى رسائلي هذه إلى الآباء والأمهات الذين استرعاهم الله أمانة عظيمة فأهملوها، وأنعم عليهم بنعمه فتناسوها، إلى المتشاغلين عن أولادهم بحق وبغير حق، إلى كل أب ألقى بأبنائه خلف ظهره منشغلًا بالدنيا، وإلى كل أم رمت بفلذات كبدها على الدروب بحثًا عن ذاتها: متى تدركون أنَّ حفظ النعم بشكرها وليس بإهمالها! ألم تقرأوا قول الله تعالى: «ولئن شكرتم لأزيدنكم، وهل هناك نعمة من نعم الدنيا أعظم من نعمة الولد، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا». فأين شكرها؟ وأين حقها عليك؟ أدرك أنَّ كلماتي مغلفةٌ بوشاح من الحزم وقد تكون قاسية في بعض حروفها، ولكنها الحقيقة المرة التي أصابت كبد مجتمعاتنا في أبنائنا وبناتنا بسبب انشغال الآباء وضياع الأمهات!

فكم من ابنة أضاعت الطريق بسبب انشغال أمها! وكم من فتاة ضلت وأضلت لعدم وجود راعيها بجوارها، وكم من ولد خسر حياته لأن أباه لم يدرك مدى حاجته إليه، وقيمة قربه منه، وأهمية صحبته لذلك الصغير الذي سيكون بعد سنوات قليلة، إما لبنة نهضة، أو فساد في هذا المجتمع الذي تكالبت عليه الفتن من كل مكان، وزادها ألمًا ووجعًا غياب الأبوين عنهما انشغالًا أو تشاغلًا.. فإلى متى؟

لقد ضرب الله لنا في القرآن الكريم أمثلة كثيرة عن رعاية الأب والأم لأولادهما صغارًا وكبارًا، فهذه (هاجر) – رضي الله عنها – الأم الصالحة والزوجة الساعية على رزق ولدها، خلَّفها زوجها وحيدةً في صحراء مكة فتسعى بين الصفا والمروة بحثا عن ماء تسقي به عطش صغيرها إسماعيل، وتهرول في حياتها بالخير كي تحسن تربيته، فيغرس الله البركة فيه ويجازيها على سعيها وصبرها وابتلاء زوجها بأن يجعله نبيًا مباركًا، ويخرج من ذريته سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم، فأين هؤلاء الأمهات اللواتي أنعم الله عليهن بالمال والبيت والسكن، ثم تلقي بصغيرها، أو ولدها، أو ابنتها بين أربعة جدران، أو في حِجْر خادمة أو على قارعة الطريق، ثم تتعذر بالعمل أو بمشاغل الحياة أو ببحثها عن ذاتها؟ فهل مثل هذه تُنجب ناجحين؟ أو تُخَرِّجُ قادة! أو تُربي أبطالًا! إنها والله تدمر مجتمعًا بأكمله ومستقبل أمة بأكملها من حيث لا تدري. فأي جهل وصلت إليه وأية تعاسة رأي أصابتها لتظن أنَّ أولادها في المرتبة الثانية من حياتها! وأي حساب ستلقاه من خالقها على إهمالها مَنْ أمرها الله بحفظهم وحسن تربيتهم ورعايتهم؟

ولنا في لقمان عليه السلام القدوة الحسنة، الذي يصاحب ولده ويغرس فيه أصول العقيدة والأخلاق والعلم، ومنابع الحكمة، ضاربًا أروع الأمثلة في التربية والعلاقة بين الأب والابن: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَإذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ».

ثم ينتقل بعد التوحيد الذي هو رأس الاعتقاد وعموده، ينتقل للأخلاق «يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحمير» سورة لقمان.

إنّ من أجمل ما وجدت في هذه الآيات الكريمات: طريقة الخطاب ومنهجية التربية التي توجه بها لقمان مع ولده، يا بُني فإنَّ من أعظم عبارات القرب بين الأب وابنه أن ينسبه لنفسه في النداء: يا ولدي/ يا بني ففيها يشعر الابن بعاطفة الأب ومحبته، وفيها معاني الاحتواء والقرب الكثير الذي يفتح قلب الابن لوالده قبيل الحديث، وتجعله متقبلًا لكل شيء من والده على حب وقناعة، لا كراهية وإجبارًا في لحظة ما أنْ تنتهي يزول معها كل شيء.

وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، لم يقل: وهو يأمره، أو وهو يجبره، بل وهو يعظه، ولعل أعظم أخطاء الآباء والأمهات هو عدم فهم طبيعة المرحلة التي يعيشها ولده أو ابنته، فبدلًا عن أنْ يبني يقوم بالهدم من حيث لا يعي، فما يناسب مرحلة الطفولة لا يناسب المراهقة وما يناسب المراهقة لا يناسب الشباب، فعلى كل أبٍ أو أمٍّ أن يتعلما الطريقة الصحيحة لتربية أبنائهما، وليس هذا بعيبٍ يعيبهما، ولا ينقص من قدرهما شيئا، إنما العيب الحقيقي هو تربيتهم على جهل ومن ثم خسارة مستقبلهم، فالأبناء هم مشروع هذه الحياة، فإما أنْ تفرح بنجاحه على علم وتجني ثماره بالرعاية، أو تتحمل إثم فشله لفشلك في تربيته، فلا يوجد ابن فاشل، ولكن يوجد أب أو أم فشلا في تربيته.

لقد غرس لقمان في قلب ولده أساس الفلاح في الدنيا والآخرة وحصنه بهذا الحصن المنيع عندما ربطه بالخالقلا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم، فما أنْ يتعلق الإنسان بخالقه، ويراقبه في كل صغيرة وكبيرة: «يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»، فكل شيء سوى ذلك أمره يسير، واقرأوا عن العظماء في السير: هل لمع نجم أحدهم أو أفلح في حياته، إلا بعد أن كان هذا الأساس مستقرا في نفسه؟ فماذا تنتظرون من أبٍ جُلَّ يومه لاهيًا عن أولاده! أو أُمًا تغرس في أبنائها سفاسف الأخلاق، وتزرع فيهم إضاعة الوقت، وتنبتهم على كراهية الفضيلة، وتنزع من بناتها الدين والعفة وتورثهن المظاهر الكاذبة، فلا ترى البنت أمها إلا في الأسواق، أو على الهاتف، أو تجول في الأرض مع صويحباتها، ثم ما هي إلا سنوات قليلة، ويبدأ صراخ الأبوين، ولدي يفعل كذا وابنتي تقول كذا!

أفيقوا يرحمكم الله فإنّ الابنَ مرآةُ لأبيه، والابنةَ هي النتاجُ الحقيقي لتربية أمها، فإنها تجالسها أكثر مما تجالس أبيها فاتقوا الله فيهن، فإنّ الفتيات هن أمهات ومربيات وصانعات الجيل القادم بأكمله فلا تفسدوهنّ أو تضيعوهنّ بجهلكن والركض خلف سراب لا ينتهي من متاع الدنيا، فإنّ أعظم أعمال المرأة هي تربية الأبناء قبل أن تكون طبيبة، أو معلمة، أو مهندسة، أو تاجرة، فما نفع نجاحك الظاهري خارج البيت وفشلك الذريع داخله مع أبنائك وبناتك، وطنوا أنفسكم.. فالحق أحق أنْ يُتبع، وليس إنقاصًا من حق المرأة في التميز والنجاح ونشر الخير والعلم والعمل، ولكنْ يجب الموازنة بين البيت وخارجه وإنْ تعارضا فالبيت أولًا وأخيرًا.. فأبناؤك وبناتك هم مهمتك المقدسة ومعركتك الفاصلة وإنجازك الحقيقي ولا تقاسين إلا بهم وصدق الشاعر العراقي معروف الرصافي عندما وصف الأمهات في تربية الأبناء بقوله:

ولم أرَ للخلائق مِنْ محلٍ … يُهذبها كحضنِ الأمهاتِ

فحضنُ الأم مدرسةٌ تسامتْ … بتربية البنين أو البناتِ

وأخلاقُ الوليد تُقاسُ حُسنًا … بأخلاقِ النساء الوالداتِ

وليس ربيبُ عالية المزايا … كَمِثْلِ ربيبِ سافلةِ الصفاتِ

إلى حراس القلاع والحصون … المعلمين والمعلمات

لقد شرّف الله كل معلمة ومعلمة بأعظم مهنة في الأرض واصطفاه من بين كل البشر أنْ أنعم عليه ورزقه هذا العمل العظيم، فهي مهنة الأنبياء ورسالتهم الخالدة إلى يوم القيامةرَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، فعلى كل معلم ومعلمة في هذه الأمة أنْ يدرك أنّه الحارس الأمين والمؤتمن لأبناء وبنات هذه الأمة، وأنه الحصن المنيع لهم، فالمعلم لا يُورثُ العلم فحسب، بل يربي أيضًا، وإنّ الأبناء يتلقون من المعلم أكثر مما يتلقونه من والديهم مجتمعين، ولذلك عطف الله في الآية السابقة التزكية والتربية على التعليم، فلا ينفصلان أبدًا عن بعضهما.

وإنّ من أشد الأخطاء أنْ يظن المعلم أنَّ مهمته تنتهي بشرح درس، أو بيان قاعدة وقانون، أو إيضاح صورة، فيورث الطالب علمًا جامدًا لا أخلاق فيه، فيكون طبيبًا بلا ضمير، أو مهندسًا يمتهن الغش، أو مسؤولًا غير أمين… إلخ.

لذلك أهيب بكل معلم ومعلمة أن يكونا على قَدَرِ المسؤولية وعلى قدْر الأمانة التي أوكلت لهما، فإنّ الطلاب يرون المثالية فيك ويعتبرونك جبلًا يناطح السماء في كل شيء، فلا تدمر هذه الصورة في عيونهم وتُسقط قداسة هذا الحصن المنيع في نفوسهم.

ويكفيك فخرًا أنْ يثني عليك أهل الأرض والسماء، لما تقدمه لهذه الأمة من علم وتربية وجهد وتعب، فقد أثنى الله ورسوله على أهل العلم والمعلمين في كثير من مواضع القرآن والسُّنة المطهرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الحديث الذي رواه أبو أمامه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله وملائِكَتَهُ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِها وحَتَّى الحُوت فِي البَحْر لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّم الناس الخير». صحيح الجامع 1838.

لكم سمعت كثيرًا من الآباء أنّ معلمًا أثر في حياة أولادهم سلبًا، وجعلهم يكرهون التعليم ومحاريبه؛ لقسوة أحدهم أو لسلوكٍ غير قويم أو لتعاملٍ غير سليم، أو معلمًا حوَّل حياة ابنهم لنعيم، فجعله يعشق العلم وأهله ويبحث عن دورهم ويفتقدهم في غيابهم، حيث أشعل في نفوس طلابه جذوة الحب والتقدير والأخلاق قبل أن يغرس فيها العلم، فأقبلوا عليهم بقلوبهم قبل عقولهم ينهلون منه كل شيء، فكان لهم الأب قبل أن يكون المعلم.

رسالة الختام: أتوجه بها للوالدين ولحراس القلاع من المعلمين والمعلمات: إنَّ العملية التربوية والتعليمية لم ولن تنجح إلا باكتمال أركانها الأربعة: الطالب، المعلم، الوالدين، المنهج القويم، فإنْ سقط منها ركن، وكُسر فيها ضلعٌ، فكسره سيكون بالمثل في حياة الطلاب ومستقبلهم، لذلك أقولها بكل صراحة، وأضعها أمام أيديكم أنتم المسؤولون الحقيقيون أمام الله عن مستقبل هؤلاء الطلاب ونهضة أمتكم بحسن تربيتكم لهذا الجيل.. فلا تدمروه بجهلكم، ولا تخربوه بتجاهلكم، ثم ترمونهم ببهتان، وأنهم نتاج زمن فيه كذا وكذا، فأنتم من صنعتم هذا الزمن بأخلاقكم وأنتم البيئة الحقيقية التي أنبتتهم، فإما أنْ تَعدلوا وتُحسنوا وتفرحوا بحصد الثمار، وإما أنْ تَميلوا فُتميلوا غرسهم وتكونوا سببًا في هلاكهم، فاتقوا الله ما استطعتم وتذكروا وصية نبيكم لكم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد