أرى الكثير من الناس يتمتعون بثقة غير عادية في أنفسهم وفي آرائهم، لدرجة أن بإمكانهم إرباك من حولهم وتشكيكهم في أفكارهم الخاصة. كما قال هنري ميلر الروائي الأمريكي: بإمكان المرء أن يقاتل الشر، ولكن ليس بإمكانه أن يقاتل الغباء.

البعض من هؤلاء الأشخاص لا يحتفظ بهذه الآراء الفذة – من وجهة نظره وغير المنطقية بالنسبة للآخرين – لنفسه، بل إنه في بعض الأحيان يسعى جاهدًا لنشرها في كل مكان – كما أفعل أنا الآن، إذا كنت لاحظت هذا – ينشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى من خلال التلفاز. فهو يريد أن تتعلم الناس من مهارته الخارقة، أو حتى أنه ينشرها من أجل التباهي فقط، كما حدث منذ بضعة أشهر عندما خرجت علينا هذه السيدة من خلال شاشة التلفاز، والتي تزعم أن ابنتها الصغيرة تتمتع بذكاء خارق، ومن ثم قالت جملتها الشهيرة: (تويني بلس تن).

انهالت عليها في ذلك الوقت السخرية من كل صوب ومكان. مما أثار دهشتها حقًا، لا تعني هنا الفتاة أو الأم في حد ذاتهما، ولكن بالنسبة لي كان هذا موقفًا يدعو إلى التأمل. ولا أعلم لماذا قفز في مخي شيء واحد على ما رأيت وهو: (تأثير دانينج كروجر).

ما هو دانينج كروجر؟ سأوضح لك في السطور التالية، ولكن دعنا نتعرف على أصل القصة أولًا.

في صيف 1995 استيقظ ماكرثر البالغ من العمر 42 عامًا، وهو يحك مقدمة رأسه الخالية من الشعر تقريبًا، ثم أخذ دقيقة من الوقت ليستوعب أين هو ومن يكون. اتجه إلى دورة المياه ليأخذ حمامًا ساخنًا، المياه الساخنة تنهمر على جسده وتنهمر معها الأفكار. لقد أصبح شبه مفلس، طرد من عمله الشهر الماضي، والآن هو لا يملك ما يطعم به أطفاله الستة، وزوجته المزعجة لا تنفك أن تذكره بذلك كل دقيقة، يريد أن يغلق فمها هذا إلى الأبد، ولكنه لم يكتشف الطريقة بعد لفعل ذلك. خرج من دورة المياه رأسه مُثقل بالأفكار وبالمنشفة الكبيرة التي لفها على رأسه، فهو يحب وضعها هكذا مع أنه شبه أصلع ولا يحتاجها تقريبًا.

طلب من زوجته إعداد الفطور، فنظرت له نظرة ذات معنى ولم تعلق، بالطبع لم تعد له شيئًا. شعر بالحزن وقرر أن ينتهي من كل هذا. فمنذ أيام وفكرة عبقرية تلح على رأسه وعزم على تنفيذها اليوم. أعد ماكرثر كل شيء، وأصبح جاهزًا لتنفيذ الخطة التي خطط لها سابقًا بعناية، وهي سرقة أحد البنوك، بل اثنين من البنوك، ونفذ بالفعل، ولكن الغريب أنه في نفس يوم السرقة تم القبض عليه، وأثار هذا دهشته؛ فخطته كما يقولون (ماتخرش الماية) خطة محكمة بحق، لا يصدق كيف عثروا عليه بهذه السهولة، وهذا ما عبر عنه خلال التحقيقات، سأله المحقق عن سبب اندهاشه وما هي خطته المحكمة هذه فأجاب بثقة قائلًا: (أنا أعلم الكثير عن خصائص عصير الليمون، فكان يتم استخدامه في كتابة الرسائل المشفرة، وهو يقوم بعمل ممتاز في إخفاء الكلمات، فقررت دهن وجهي بعصير الليمون قبل الإقبال على العملية حتى أخفي معالمه عن كاميرات المراقبة.

ثقة ماكارثر في الإجابة واقتناعه التام بعبقريته وسعة مداركه أثارت فضول عالميين نفسيين هما: ديفيد دانينج وجاستين كروجر، وقررا دراسة حالته وحالات أخرى مشابهة له. وتم التوصل إلى نتيجة مثيرة، ألا وهي كلما قل ذكاء الإنسان كلما زادت ثقته بنفسه، وآرائه وأفعاله، حتى القرارات التي يتخذها تكون أكثر غرورًا وثباتًا من الإنسان الطبيعي. وذلك نتيجة لأن الأنسان الغبي أو ذا الذكاء المحدود يفتقد المهارات التي تساعده على إدراك مدى غبائه. أو بمعنى آخر: جهل الإنسان يتضمن معه جهله بمدى ضعفه، فبما أنني لا أدرك أنني غبي، فبالتأكيد أنا ذكي. ولذلك يعتبر الجهل الجنة النعيم لصاحبه. كما قالت الشاعرة السورية غادة السمان: لقد حرمت نعمة الغباء؛ فعجزت عن الانضمام إلى قافلة السعداء.

الغبي يعتقد أن حدود أفكاره وإدراكه هو آخر ما توصل إليه الكون، ولذلك يدافع عن أفكاره بثقة بالغة، وبدون أدنى شك في ما يقول. وكما يقول أينشتاين: هناك شيئان لا حدود لهما، الكون وغباء الإنسان، مع أنني لست متأكدًا بخصوص الكون. هذا الكلام يفسر لي الكثير من الأمور التي تحدث من حولي، فماذا عنك؟ أرى الكثير من الناس يتمتعون بثقة غير عادية في أنفسهم وفي آرائهم، لدرجة أن بإمكانهم إرباك من حولهم وتشكيكهم في أفكارهم الخاصة. كما قال هنري ميلر الروائي الأمريكي: بإمكان المرء أن يقاتل الشر، ولكن ليس بإمكانه أن يقاتل الغباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد