في ظل الاهتمام الملكي السامي بشؤون القطاع الفني والثقافي بالمملكة؛ والذي شدّد عليها في كثير من المناسبات، كانت العناية السامية لجلالة الملك؛ تسليط الضوء على الفنانين والفنانات، كلما كانت الحاجة إلى ذلك؛ ونذكر على سبيل الذكر الاهتمام المولوي الذي يوليه جلالته للحالات الاجتماعية داخل المنظومة الفنية، وموازاةً مع هذه العناية الملكية فإن المشرع المغربي هو الآخر، أُفرد له جانبًا مهمًّا في العملية التشريعية من قبيل قانون الفنان، وكذلك مدونة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة.

علمًا بأن المملكة المغربية، قد وقعت على كافة الاتفاقيات الدولية التي تصب في حماية حقوق الفنانين، وتعَدُّ حالة المؤلف الموسيقي عز الدين أحنين- المتخصص في موسيقى الأفلام ، وآخر أعماله الفنية هي المشاركة في وضع موسيقى تصويرية للسلسة الأمريكية الشهيرة «Lethal Weapon»- حالةً كشفت عن هشاشة المنظومة الحمائية للتشريع المغربي في حماية حقوق المؤلفين؛ إذ تعرضت إحدى أعماله الفنية للسطو والسرقة والقرصنة، من طرف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، ومن تداعيات ذلك؛ أن وجَّه رسالةً مفتوحةً إلى العاهل المغربي تحت عنوان رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب محمد السادس رجل بذكاء القلب؛ ولإلقاء الضوء على الحدث أجرينا معه الحوار التالي:

لماذا توجهت إلى عاهل البلاد مباشرة وبرسالة مفتوحة؟

أعتقد جازمًا أن مراجعة الإدارة المغربية على مدار عشر سنوات، كانت كافيةً كي أقتنع أن لا أمل يلوح في الأفق دون اللجوء إلى ملك البلاد، ولقد سبق وعلى مدار عقودٍ من الزمن الاتصال بكل الإدارات المعنية، وغير المعنية؛ رغبة في حلحلة الملف بالطرق الودية، وكذلك بالطرق القانونية؛ إلا أن الواقع لايرتفع؛ فالكثير من المسؤولين أكبر من الوهم، وأصغر من المسؤولية، أما عن كون الرسالة مفتوحةً؛ فالأمر يتعلق بإيصال الصوت دون وسيط بيني وبين الملك عبر مختلف الوسائط الإعلامية، علمًا بأن رسائل في الموضوع، سبق أن أرسلتها إلى الديوان الملكي.

هل خلفت رسالتك المفتوحة أصداء معينة؟

الرسالة -كما تعلم- تم نشرها في وسيلة إعلامية خارج المغرب، في مجلة صوت العروبة الأسبوعية الصادرة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ مع العلم أن جُل الإعلام الوطني، قد وصلته الرسالة، ولم تكن له الجرأة الكافية لنشرها كليًّا أو جزئيًّا، والمضحك في العملية أن موقعًا إلكترونيًّا ذائع الصيت، قد نشرها لساعاتٍ، ثم سحبها ولست أدري!! لماذا نشر؟ ولماذا سحب؟ وهي إشارة متعددة الأوجه، ومتعددة القراءات؛ تكشف عن حالة عدم الاستقرار المبدئي عند رواد السلطة الرابعة ببلادنا، وقد يندرج هذا أيضًا في إطار انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا على حساب الجانب الحقوقي الذي يكفله الدستور.

أما من حيث الاصداء؛ فإن الرسالة تم التعاطي معها بإيجابية من قِبل العديد من الجهات داخل المغرب وخارجه، وهذه إشارة مطمئنة تبعث فينا الأمل؛ بأن الحياة الفنية والإبداع في المملكة المغربية، ما زالت ممكنةً ما دامت هناك رعايةٌ ملكيّة.

كيف تتصورون الرد على رسالتكم؟

إن الثقة بالمؤسسة الملكية كبيرة جدًّا؛ فعلى مر السنين، ومنذ توليه عرش البلاد قام جلالته-وبلمسةٍ إنسانية- بإنصاف الكثير من المواطنين وإعادة الحقوق إليهم؛ لذلك أسميته في الرسالة المفتوحة بالملك المواطن؛ فقد عبر بنفسه في خطاب رسمي، عن استيائه من الإدارة، وفي خطاب رسميٍّ آخر، أعلن عن فقدانه الثقة في بعض السياسيين، «إنه يعرف الوضع جيدًا»؛ فبحس الكبار أدرك نبض المواطن المغربي من مختلف الشرائح؛ فابتكر المفهوم الجديد للسلطة، وأبدع في خلق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهو اليوم يستشرف المستقبل بوضعه الأحجار الأساسية للنموذج التنموي الجديد،
وفي المجمل؛ فالرد على الرسالة لن يخرج -إن شاء الله- عن هذا الإطار؛ لما عهدناه في جلالته من ذكاء القلب، لرجلٍ عمل على الدوام على أنسنة السياسة.

قبل توجهكم بالرسالة المفتوحة؛ كيف تعاطت الإدارة المعنية مع ملفك؟

قد لاتتصورون الوعود الرنانة؛ التي أُغدقت يمينًا وشمالًا بخصوص ملفي، حتى إن البعض منها، نُشر على صحيفة أخبار اليوم بتاريخ 1 نوفمبر 2011م؛ مفاده أن العقد الضامن للحقوق بعد ارتكاب هذا الخطأ الجسيم، تترتب عليه مسؤولية عقدية، ولاينقصه إلا تأشيرة السيد الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، ومع مرور الأيام؛ تلاشى الموضوع وتبخر، وكأن شيئًا لم يكن؛ مما حدا بي إلى الاتصال بالعديد من الأطراف؛ منها أحزاب سياسية وفرق برلمانية وجهات قانونية كمؤسسة الوسيط؛ إضافة إلى الجهات القضائية؛ فأدركت بما لايدع مجالًا للشك؛ أن الجميع لايرغب في الاصطدام بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.

ماهي الانعكاسات السلبية عليكم منذ طرح هذا الملف؟

لعلمك ولعلم الجميع؛ أنني أتعامل مع شركة أجنبية؛ وهي شركة تعمل على تدبير أعمالي الفنية؛ هذه الأخيرة أي أعمالي الفنية مسجلةٌ كحقوق بمكتب أجنبي أيضًا لحقوق المؤلف، وبعد طرح هذا الملف بالصورة التي هي عليه اليوم أوقفت الشركة الأجنبية التعامل معي على مستوى الإنتاج، إذ لايمكنها الاستثمار مع أشخاص ينتمون إلى بلدان لا تنفذ القوانين؛ هذا أولا، ثانيًا: التراجع الكلي للعائدات؛ التي يستخلصها مكتب تدبير حقوق المؤلف؛ لأن مستوى الإنتاج، قد تراجع؛ وبناءً عليه فإن التكلفة المادية، ومعها التكلفة الاجتماعية والنفسية فادحة جدًّا، ناهيك على أن توقف الإنتاج أحدث فرملةً في تطوير المسار الفني على المستوى الدولي.
إن عدم تطبيق القوانين، وتفعيلها على أرض الواقع؛ مؤشر على مدى الإفلاس في المشهد الحقوقي والسياسي بمعناه الواسع، وهو أيضًا بداية لانهيار القيم خاصةً السياسية منها؛ لذلك وجب الانتباه إلى أن عدم جعل القانون فوق الجميع؛ هو أكبر صانعي الإحباط، والانكسار، والهزيمة، والأزمة، وقتل الأمل، وإصابة الجميع بالاكتئاب السياسي.

كيف تتصورون الوطن قبل وبعد التجربة؟

صحيحٌ أن التجربة مريرةٌ وقاسية، وذلك بفعل فاعل؛ أي المسؤول، أما عن الوطن فهو الثابت في القلب، ومحبتنا للملك هي نفحة قدسية، وشعارنا: «الله الوطن الملك» قائم على مبدأ رمزية الشفع والوتر.
ومن جهةٍ أخرى؛ فكيفما كانت الظروف، علينا كمواطنين أن نتمسك بالحق حتى انتزاعه، فالحقوق لا تسقط بالتقادم، ولمعالجة القضايا كيفما كان نوعها علينا؛ بتكريس ثقافة النضال أمام العقليات المتحجرة، والمتسلطة لبعض المسؤولين، وأستحضر هنا السلطان مولاي عبدالحفيظ -رحمه الله- حين عنون إحدى كتاباته بما يلي: «داء العطب قديم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد