الناصر صلاح الدين بين التحقير والتقديس

انبرت بعض الأقلام الشريفة الصادقة للزود والدفاع عن الناصر صلاح الدين، وقد حفظ لنا التاريخ أن الناصر صلاح الدين قد انتصر لقضيتين كبيرتين في عصره، هما التصدي للحملات الصلبية الغاشمة، بعدما وحد الجيوش تحت لوائه، ومحاربته للفكر الشيعي بما يحمل من ضلال.

ثم بعد ذلك مضى الرجل إلى قبره، وقد حسب نفسه ملاقيًا كل ثناء، كلما التقى تاريخه أو اطلع عليه إنسان يعرف لكل عظيم مكانة في النفوس.

ولكن لا بأس أن يخرج علينا بعض من الذين يحسبون أن التطاول على العظماء شيئًا من الرقي، ولوازم الارتفاع بهم إلى مراتب المفكرين والمثقفين طلبًا للمجد أو لبعض المناصب الرفيعة الزائلة.

لقد نادى أحد المفكرين الكبار بأن صلاح الدين هو أحقر الشخصيات، لا بد إذن أن يكون من واجههم صلاح الدين هم أعظم الشخصيات.

فمن واجه؟

لقد واجه صلاح الدين قادة الحملات الصليبية، الذين راحوا يرسلون جنودهم ليقتلوا كل معنى للإنسانية، ويستولوا على خيرات البلاد والعباد. ثم إذا هم بعد زمن، لم يرحم همجيتهم التاريخ، فقام أحفادهم بالتبرؤ منهم ومن أفعالهم في كتبهم وتاريخهم، بل زهدوا وابتعدوا عن دينهم لأنهم وجدوه رخصة ترخص بها حفنة من القتلة والمجرمين.

ثم واجه أحقر الشخصيات في قضيته الثانية الشيعة، فهل يا ترى هم أعظم الشخصيات؟!

حسنًا، لن نتناول الشيعة من حيث إنهم أصحاب نهج، خرجوا علينا به في لقاء نهج من نزل عليه الدين وقام به. ولكن أليس غريبًا أن تقول السماء صاحبة الدين إن أبا بكر وعمر مبشرون بالجنة، ويخرج من يقول إنهم ملعونون، ثم يذهبون إلى المساجد لتأدية شعائر ذلك الدين نفسه من صلاة وصيام وزكاة، أهذه عقول يرتجى منها فكرًا وكتبًا يهاجم صلاح الدين إذا قام بحرقه، أم أنه فكر حرام، النار أولى به.

وأخيرًا يأتي أصحاب الحضارات ليقولوا إن صلاح الدين ورجاله هدموا بعض صغار الأهرام ليبنوا قلعتهم، ولا أدري ما الذي يدفعهم لذلك أمن قلة الأحجار .

من كان يمنعهم إن أرادوا أن يهدموا الهرم الأكبر؛ ففي أحجاره ما يكفيهم من تحطيم الأهرام الصغيرة توفيرًا للمشقة وسهولة الإنجاز، أم هي محاولة لتأليب عشاق الحضارة الفرعونية وإيغار صدورهم ضد واحد من أبناء الحضارة الإسلامية.

قال التاريخ إن نقطة مضيئة قامت لهداية البشرية منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام من التاريخ، فحملت المشاعل والهداية للعقول والقلوب وهي الحضارة الإسلامية.

مثلما قال التاريخ إن ثمة حضارة قامت منذ ما يزيد عن سبعة آلاف عام، وحازت للبشرية تقدمًا في الفلك والعلوم وهي الحضارة الفرعونية. فلماذا ترمي الأخيرة بالتقدم والمباهاة، ونرمي التي عقبتها بالتخلف والرجوع إلى الوراء.

لم يكن صلاح الدين يومًا، ولن يكون ضريحًا للتبرك، حتى يشيعه أصحاب العلوم المادية بهالات القديسين، فلم يذكر التاريخ أنه قد تحلق حول شخصيته الأتباع والمريدون، وارتفعوا به إلى مصاف الأنبياء والمرسلين على النحو الذي يرميه به شانئيه.

وإنما ما نحسبه، أنه رجل سطر التاريخ له أنه قام في عصره بالتصدي لأخطار، حدقت بأمته بروحه وسلاحه، مواجهًا لأخطار الاحتلال والاستعباد، ثم واجه فكرًا بفكر، وهذا غاية ما ترجوه أسمى الحضارات.

لقد عرفت فرنسا لقائدها نابليون، عظمة فتوحاته، وسطرت أمجاده وجعلتها أوسمة على صدورها، وهو في ميزان الإنسانية نجح في مواضع وأخفق في كثير. فما بالنا نبرأ من صنيع الرجل تمنت حضارات أن تولد له أمثال فتخلد أعماله وبطولاته فنونًا وتماثيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد