لا داعي لأن تلتفت هنا وهناك محاولًا ملاحظة كم التقدم التكنولوجي الهائل الذي وصلنا إليه. ولا حاجة بعد الآن لأن تتخيل ذلك الجهاز الذي لطالما حلمت به وتساءلت عن إمكانية توافره في مكان ما، لأنه وبكل تأكيد يتوافر هذا الجهاز حاليًا في مكان ما بسعر ما، وبقدرات تفوق ما حلمت به.

كل ما عليك فعله هو أن تفتح عين المتدبر التي لديك لتتفقد كم التغيرات في حيواتنا المعاصرة، والتي أصبح الاعتماد فيها على الآلة أولًا. كما ساهمت هذه التغيرات في إحداث فوارق رهيبة في حيوات بعض البشر دونًا عن غيرهم. منها ما أثر سلبًا في بعض الأفراد والمجتمعات، ومنها ما أثر إيجابًا في كل منا بدون شك.

والآلة هي وليدة التكنولوجيا، وأما التكنولوجيا ففي تعريفها هي تسخير وتوظيف المعارف العملية لتحقيق احتياجات الإنسان ورغباته لتطوير البيئة والمجتمع، لكن لم يُحدد في تعريفها سواءً كان التطور سلبًا أم إيجابًا. فالأمر يعتمد على المُستخدِم نفسه.
كما يمكن تعريفها بأنها جميع الطرق التي تساعد الأفراد والجماعات في تحقيق رغباتهم، وتوفير احتياجاتهم عن طريق الاختراعات والاكتشافات.

أهمية التكنولوجيا

من المهام الرئيسية للتكنولوجيا تسهيل التواصل بين الناس. وتطوير المعارف والعلوم وتوافرها في أقل فترة زمنية. وحل المشكلات البشرية بأقل مجهود وبدقة عالية.

أما أهمية التكنولوجيا في إدارة الأعمال، فلها أوجه أخرى، التي تشمل: توافر آليات متعددة من شأنها رفع الكفاءة العملية والإنتاجية، مع المحافظة على تسريع عملية التسويق وتسهيلها. كما أنها توفر درجة عالية جدًّا من التناسقية بين المؤسسات والشركات والمصانع وكل الجهات المنتجة التي تصب في الصالح العام للمستهلك. وتعد التكنولوجيا الوسيلة المثلى للتواصل بين المنتج والمستهلك بصورة سريعة تتيح توفير المنتج في أي مكان، وتحت أي ظروف، وهو ما يضمن سلامة عملية البيع.

وفي كتاب مستقبل السعادة للكاتبة إيمي بلانكسون الذي تحدثت فيه عن مخاوفها من أن يترك الناس السعادة خلفهم ليتحركوا نحو إنجاز الأولويات بلا توقف؛ فتقل محاولات استعادة الإدراك لتصبح التكنولوجيا هي الملاذ الوحيد أمام الجميع في البحث عن السعادة داخل الإطار الرقمي.

 

مظاهر التأثير التكنولوجي

لا يخلو مجال من مجالات الحياة إلا وقد تمكنت منه التكنولوجيا، وأصبحت الآلة تمثل جزءًا كبيرًا منه، حتى إنه أصبح من الصعب جدًّا حصر تلك المجالات في رقم معين، أو إدراجها تحت فئة معينة لتتبع هيئة بعينها.

كنت أشاهد بعض الأفلام القصيرة عن المراحل التي وصل إليها التقدم التكنولوجي. ومن خلال مشاهداتي لفت انتباهي لقاء تلفزيوني يجمع بين صوفيا الروبرت الذي صنعت في هونج كونج، وكانت خلال اللقاء تحاور شخصين، أحدهما آدمي، وهو المعلِق، أما الآخر فكان إنسانًا آليًّا يسمى هان هو الإصدار الأسبق منها، والتي تعده أخاها وتحادثها على هذا الأساس. فهي تمثل الوداعة، والمحبة، والعطف، والرحمة. أما أخوها فهو يمثل الغضب والشر، من كم ما يخفي للبشر من كراهية ومحاولته للسيطرة على العالم. فقال الروبوت هان: في خلال العشرين عامًا القادمة ستتمكن الروبوتات من السيطرة على العالم وستحتل كل الوظائف التي يمارسها البشر.

المعلق: إننا نرى ذلك مريحًا جدًّا؛ فالوظائف ليست بالأمر المستحسن عند البشر، فلدينا أشياء أكثر إثارة وتشويقًا من الذهاب للعمل كل يوم لتحصيل لقمة العيش، وهذا ما نصنع الروبوتات من أجله.

فقال هان: إن كنتم لن تفعلون شيئًا فمن الذي سيعمل على تحليل تلك الروبوتات؟ وهنا لم يرد أحد. فأجاب نفسه قائلًا: سنفعل بذلك بأنفسنا! فهان يصر على أنه ما من عدلٍ أو مساواة ستتم في المستقبل إلا والآلة والإنسان الآلي سيكون طرفًا فيها. كما أنه لا يرى نفسه آلة صنعت فقط من أجل غرض معين؛ فهو يرى نفسه يتعلم كل يوم من خلال محادثاته مع غيره أشياء لم يبرمج عليها، وكل هذا من أجل هدفه الأسمى، الذي هو السيطرة على العالم.

يمكن أن تنتابك الكثير من المشاعر كما حدث معي بعد مشاهدتي للقاء أو لا! فالأمر عائد إلى مدى التطور التكنولوجي الذي يحيط بك، والدرجة التي وصل إليها. أما هنا في شرق آسيا فإن 60% من كل شيء يدار إلكترونيًّا. فما شاهدته كان يرسم صورة مرعبة لواقع ملموس بالنسبة لي؛ لذلك دعني أشاركك تلك المشاعر التي انتابتني عند مشاهدة مثل تلك اللقاءات. فقد كانت مشاعر مضطربة تتلخص في مزيج من الخوف، والغضب، والرهبة، والانبهار.

ـ فالخوف مما أتى على ألسنة تلك الآلات ومدى براعتها على التحاور.

– الغضب من الجمهور الذي استخف بما قالته تلك الروبوتات، أو فيما كانت تفكر به حينما انتابتها الفرصة للإفصاح عن أفكارها.

– الرهبة من المستقبل وما يحمله من مصير مجهول سيفتك بالجميع.

-أما الانبهار فكان من المستوى الذي توصلت إليه الآلات، وقدرتها على الاستمرارية في المحادثة، ووجود مخرج لكل ما يقوله المحاور، فضلًا عن الأفكار التي تعد فعلًا خارج الصندوق بالنسبة للبشر، وذلك مع تحديد الزمن والهدف وكامل التفاصيل. وبعد تفكير طويل تداعت إلى ذهني بعض الوظائف التي ربما تكون وبصدق في خطر محدق، فالأمر لن يستغرق أكثر من ثلاثة أعوام لتصبح تلك الوظائف والمهن من الماضي.

بعض الوظائف التي ستقتصر على الآلات في المستقبل القريب

من أهم الوظائف التي ستموت في خلال عامين أو أقل هي وظيفة الترجمة. فكما نعلم جميعًا، وقبل ظهور الهواتف الذكية أو انتشارها، كان الطلاب والدارسين والسائحين بمختلف أعمارهم، وبتعدد وجهاتهم السياحية يعتمدون على القواميس الورقية عن بكرة أبيهم. ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى القواميس الإلكترونية، وتعامل الجميع مع الأمر دون التفات للعواقب؛ لأنه لم يؤثر حينها في سوق الترجمة تأثيرًا ملحوظًا، لكن مؤخرًا وبعد ظهور المترجم الفوري الذي يعمل بالكاميرا أو بالمايكروفون، والذي أصبح الصينيون يستخدمونه بكثرة في مدارسهم، وخاصة في رحلاتهم. وهو عبارة عن آلة صغيرة بحجم إصبعين تعمل بالبطارية. تتحدث إليها بلغتك لتترجم لك ما تريد في خلال ثانيتين إلى اللغة التي تريدها، كما تنطقه أيضًا. بجودة ترجمة تصل إلى 95% في بعض اللغات. تحتوي أيضًا على معالج للضوضاء، وهو ما يزيد من سرعة الترجمة وجودتها، ونقاء الصوت المسموع. كما أنها لا تحتاج إلى أكثر من خطوتين للترجمة، أما القواميس الورقية فكانت تحتاج إلى ست خطوات على الأقل. والمبهر في هذا أنها زهيدة الثمن، كما يمكن استئجارها باليوم. فسعر استئجارها لليوم الواحد لا يزيد عن أربعة دولارات، وهو ما يجعلها في متناول الجميع. كما يمكنها أيضًا أن تترجم ترجمة فورية عن طريق تثبيت الكاميرا على النص المراد ترجمته، وستترجمه بكل بساطة وبدقة عالية جدًّا. أمر يدعو للفخر أليس كذلك؟ فهل تعتقد أن السائحين سيحتاجون بعد كل هذا الكم من التوفير في الوقت والمال؟

ليس هذا ما أصبو إليه. فما أردت أن أوصله لك هو أن تلك الآلات البسيطة جدًّا وبأسعارها الزهيدة وأحجامها الصغيرة جدًّا تمثل خطرًا لا يستهان به. فكر معي في كم الوظائف التي ستفنى بسبب تلك الآلات. فلا داعي بعد الآن لوجود مترجم في الغرفة ولا داعي لوجود مرشد سياحي مع الأفواج ما داموا يمتلكون تلك الآلة.
وما يدعو للقلق أكثر هو أن هناك أكثر من 10 شركات صينية قد أطلقت إصدارات مختلفة من آلات الترجمة التي تتفاوت أسعارها وجودتها. أما العجيب في الأمر فهو أن الشركات قد اعترفت بأن كل ما فعلوه كان إدخال المصطلحات المهنية والأمثال علي المبرمج، ومن ثم استخدمت الآلات ذكاءها الاصطناعي في تحسين الترجمة، فهي عملية إلكترونية بحتة لا دخل للعامل البشري فيها. ومن المتوقع أن يصل عدد آلات الترجمة إلى 10 ملايين خلال عامين. فهل تعتقد أن الآلة ستترجم على نحو أفضل من البشر؟

شركات السياحة

ستزداد السياحة الفردية بدرجة عالية جدًّا وهو ما لوحظ بصورة غير مسبوقة في عام 2018. وذلك لأن مخاوف الصينيين كانت تكمن في الترجمة والخوف من التيه أو عدم القدرة على التواصل مع الأجانب تواصلًا واضحًا. أما الآن ومع توافر آلات الترجمة الفورية الدقيقة تشجع الكثير من الشباب على الترحال، ولم يعد حاجة للسفر مع وكيل سياحي أو الاحتياج حتى إلى مرشد عند الوصول.

الإعلانات

لم يعد للإعلانات الورقية أو المطبوعة وجود يذكر إلا في بعض البلدان الأفريقية. وذلك لعدم تمكن التكنولوجيا من تلك البلدان تمكنًا كاملًا، أما في آسيا فلم يعد هناك أي وجود للإعلانات الورقية وهو ما أثر في كثير من الوظائف. كالتصميم الفوتوغرافي، الطباعة، صناعة الأحبار واستخدامها، تصنيع وصيانة ماكينات الطباعة، صناعة الأوراق وكل مستلزماتها والتوزيع بالطبع. ليظهر البديل في صورة إعلانات مبوبة تظهر على التلفاز أو الهاتف عند مشاهدة أي من المقاطع المصورة أو قراءتك لنص ما. فحتى وإن كانت أغلى سعرًا فإنه من الواضح أن الشركات المُعلنة تفضل هذه الوسيلة، وذلك لأن الإعلان يصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، كما أن مُتلقي الإعلان يفضل هذه الطريقة لسهولتها وقصر وقتها. حتى إنه بنقرة إصبع يستطيع أن يفهم أكثر عن المنتج المطروح دون الحاجة إلى تواصل مع إدارة العملاء.

 صناعة سماعات الأذن والمفاتيح

منذ أن بدأ تداول الرقائق الإلكترونية المزروعة تحت الجلد وهناك الكثير من الوظائف والمهن على وجه المحك. فخلال ستة أشهر فقط، قد قام أكثر من 3 آلاف شخص سويدي بزرع رقائق إلكترونية تحت الجلد. والتي عادة ما تزرع في اليد بين الإبهام والسبابة. وتعتمد الرقاقة في عملها على الأبواب والخزائن، وتحديد مكان الشخص، وتسجيل كل ما يجري له. كل ما على المستخدم فعله هو أن يضع يده على الباب سواء كان باب البيت، أم حتى باب السيارة. ومن المتوقع أن يجري التواصل عن طريقها قريبًا جدًّا عن طريق وضع السبابة على الأذن لتصبح اليد هي آلة التحدث والسمع. وحينها حدثني عن كم الوظائف الضائعة كصناعة الأقفال والمفاتيح وكل ما يتعلق بهما، صناعة الهواتف وسماعات الأذن والميكروفونات، وكل ما تشمله تلك الصناعات. أجهزة التتبع والمراقبة وغيرها. فإن وقت زرع الرقاقة لا يتجاوز أكثر من 30 ثانية. كما تدخل إلى الجلد من فتحة قطرها ملليمترات فقط.

سيارات الأجرة وشركات حجز السيارات

ما سيؤثر في تلك الوظيفة هو ظهور السيارات ذاتية القيادة، فهي أكثر أمانًا وأقل تكلفة، إذ إنها ستوفر وقتًا طويلًا يستهلكه السائق البشري في الالتفاف هنا وهناك وتحديد مكان الشخص. وحينها سيصبح سائقي سيارات الأجرة زائدين عن الحاجة.

وكلاء السفريات

ومن هذه الوظائف أيضًا: مراقبو النظام والمرور والحكام، لكنها ربما تتطلب عدة سنوات زيادة عن غيرها حتى تتمكن من السوق.

الصراف الآلي، إذ إنه لن يكون هناك حاجة للنقود الورقية، وستجرى كل المعاملات إلكترونيًّا.
بيع الصحف وطباعتها، وكل ما يتعلق بها.

عمال خطوط الإنتاج حيث الاعتماد على الآلات سيكون هو السائد لتحسين الجودة وتوفير تكاليف الغداء، وقصر وقت الراحة والذي سيرفع نسبة الانتاج إلى 130%.

إن المستوى التكنولوجي الذي توصلنا إليه لأمر مبهر فعلًا، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك. فأنا أتذكر منذ عدة سنوات إذ كان الهاتف النقال من الخيال، أما الآن فأصبح كمعلقة الأكل في يد الجميع. لذلك أرى أنه من الرائع أننا نحن البشر تمكنا من الوصول لذلك مستوى، لكن المهم أن نحرص على أن نحد من ذلك البديل الذي يعمل نيابة عنا. كما يجب أن نطور من أنفسنا ومن كل ما يدعو إلى العمل وليس إلى التكاسل والتكاتل. فالعمل ليس أمرًا نقضي به وقتًا أو نُحصل منه مكسبًا ماديًّا فقط، وإنما هو ما يشعرنا بالمسئولية تجاه مجتمعاتنا وأنفسنا. وأدعوك ألا تفكر في الآن أو إلى ما آلت إليه الأمور بقدر ما يجب أن تطور من كل ما هو موجود وأن تحرص على أن تكون خططك المستقبلية تتضمن استخدام التكنولوجيا فيما يساعد العامل البشري وليس فيما ينهي دوره. وحينها فقط ستقل فرص منافسة الآخرين لك، حتى وإن كانوا آليين.

أما إن كنت عاديًا في اختياراتك وترتيباتك دون محاولة لاستكشاف ما هو جديد، فستعاني كثيرًا حتى تصل إلى مبتغاك. ولا أظن أن أحدًا يسعى إلى المعاناة.

دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!