عن تلك العناوين البراقة التي أشاد بها الجميع

منذ ما يزيد عن العامين تقريبًا خطوت أولى خطواتي في درب القراءة. كانت بداياتي في القراءة مذبذبة وحتى الآن أعتقد أنها ما زلت كذلك، كنت ألهث من العدو خلف تلك العناوين البراقة التي يتفق عليها الجميع آنذاك قراءةً وشراءً! والتي كان أكثرها من الروايات الشبابية الحديثة، ولكني لن أتحدث عن هذه الخدعة التي يتقنها الكثيرون من أنصاف المؤلفين – إن صح التعبير عنهم بلفظة مؤلف – هذه الأيام، وغالبًا من يشجعهم عليها أيضًا للأسف أنصاف ناشرين هذه الأيام؛ ألا وهي اسمٌ ساطع – في أغلب الأحيان يكون غير مفهوم – ، مع غلافٍ لامع، وجذاب، لكي يجذب انتباه أنصاف قراء هذه الأيام.

سأتحدث عن بعض العناوين البراقة الأخرى، والتي هي بالفعل كذلك، وعناوين أدبية عملاقة، يشهد لها الكثيرون من القراء والنقاد. لكنها بمثابة فخ كبير يتصيد المبتدئين في القراءة – مثلي -. وهذا المبتدئ عندما يقع في الفخ، لا يجد أمامه إلا وسيلتين للخلاص منه:

الأولى: وتتمثل في أنه يبدأ بانتقاد لاذع للعمل – الفخ – الأدبي، وهو انتقاد ينم عن جهل بالطبع، وليس هذا فقط، بل يحذر غيره من قراءة هذا العمل السيء الذي لا يعرف كيف يشيد به الكثيرون بل ويصعدون به حتى السماء في حين أنه لم يفهمه ولم يستطع إكماله بسبب صعوبته، ولهذا فهو عمل سيء للغاية في نظره!

الثانية: تتمثل في التمهل والتعامل بحرص مع هذا الفخ الأدبي الذي وقع فيه، والبدء في اتخاذ إجراءات للخلاص منه في سلام. كأن يتوقف عن القراءة قليلًا ويبدأ في البحث والقراءة عنه، يقوم بالاستعانة ببعض القراء الجيدين لمساعدته في سبر أغواره ببطء، ثم قراءته بتأني، وإدارك ما فيه بهدوء؛ حتى يستطيع فهم كنه هذا الفخ. ولا يجد ضررًا في أن يعيد قراءته فقراءته مرارًا وتكرارًا، بل وحتى قراءته بأكمله أكثر من مرة حتى يستوعبه بالقدر الكافي، ونظرًا لصعوبة هذه الوسيلة نجد – أنصاف – القراء يستعينون وبكل سهولة بالوسيلة الأولى!

أول هذه الأفخاخ الأدبية التي وقعت في شباكها كانت الرواية الأشهر للكاتبة التركية إليف شافاق «قواعد العشق الأربعون».

فأنا المبتدئ الذي انتهى لتوه من رواية أحلام مستغانمي «الأسود يليق بكِ» وقد أسرته الرومانسية، والأحداث المؤثرة في حياة بطلة الرواية، وتلك العلاقة العاطفية التي عايشتها في أحداث الرواية. أردت البحث عن عملٍ رومانسي يضاهي روعة أسود أحلام. حتى ظهرت قواعد إليف أمامي يا الله، كم كنت أهوج!

أذكر أني ظللت أقرأ هذه الرواية حتى انتهيت من منتصفها تقريبًا وبعض الأسئلة تدور في عقلي مثل «أليست الرواية اسمها قواعد العشق، ما لي لا أجد عشقًا في هذه السطور؟ أين الرومانسية في رحلة هذا الغريب المدعو جلال الرومي مع هذا التبريزي، وما الصلة بين الحقبة الزمنية التي تدور فيها أحداث رحلة الرومي مع الحقبة الزمنية التي تعيش فيها هذه الزوجة التعيسة التي تعرف بخيانة زوجها لها، ووقعت في غرام هذا المؤلف المجهول بل وخططت للهروب معه؟ ماهذا العبث كله؟ عقلي المبتدئ لا يستوعب كل هذا»

ولكني كطفل ساذج أغراه غريب ما في الطريق قائلًا له تعال معي وسأعطيك قطعة من الحلوى في نهاية الطريق، سرت مسلوب الإرادة مع هذه الغريبة إليف عسايَ أجد قطعتي من الحلوى في نهاية الطريق. ولكني كما قلت، طفل ساذج يمشي مع الغرباء أينما أخذوه لا يعرف إلى أين! لم أجد رومانسية أو عشقًا في هذا العمل كما وعدتني هذه الغريبة في بداية الطريق، أو على الأقل هذا النوع من العشقِ الذي كنت أنشده. ولكن أكتشف نوعًا آخر من العشق، وهو هذا العشق الإلهي أو بمسمى آخر «الصوفية »!

في الواقع أنا لا ألوم هذه – الغريبة – إليف. فهي لا دخل لها في سذاجتي، ولكني أعترف بفضلها عليّ على الأقل في معرفتي بالصوفية بهذه الدرجة من القرب، ناهيكم عن أني لم أقرأ شيئًا عن الصوفية بعد هذا العمل تقريبًا، ولم أبحث عن هذا المدعو جلال الرومي أو التبريزي في أي موضع آخر غير هذا العمل، وأيضا عرفت فيما بعد مدى ضعفه وسوءه، إن لم يكن أدبيًّا فمن ناحية موضوع الصوفية بشكل عام.

لكن هذا العمل هو فخ أدبي عملاق، عنوان براق، يشيد به الكثيرون، يقطتعون بعضًا من سطوره التي تتحدث عن العشق بصفة عامة لا تستطيع أن تفهم أو تدرك معناها جيدًا فلا تعرف أهي سطور عشق كتبت من أجل شخصٍ بشري أم من أجل الإله؟

حتى يقع الكثيرون من المبتدئين تحت قبضته ولا يجدون سبيلًا للخلاص منه إلا بإحدى الوسيلتين السابق ذكرهم، ولكن الوسيلة الأولى التي ذكرتها تتخذ هنا مفهومًا عكسيًا لنجد الكثير منهم يشيد بهذا العمل الضعيف، ويصبحون من مريديه بل يمكن أن يصل بهم الحد أن يصبحوا من مريدي هذا المدعو جلال الدين الرومي بدون أي علم أو تقص بأسلوب بحثي صحيح عنه أو عن الصوفية بصفة عامة، كل هذا بسبب هذا الفخ الأدبي.

ثاني هذه الأفخاخ الأدبية التي تصيدتني وأنا أتعثر في بداياتي في درب القراءة، هي رواية الكاتبة رضوى عاشور رحمة الله عليها «ثلاثية غرناطة ».

أحد الأصدقاء أخبرني عنها «أنه لم يكمل قراءتها بالطبع نظرًا لصعوبتها «وقال لي بعض الكلمات الجوفاء على شاكلة «رائعة، عظيمة…إلخ» ولأني طفل ساذج كما علمتم أسير مع أي غريب يعدني بقطعة من الحلوى في نهاية الطريق، لم أشغل بالي قط بأن أسأل هذا الغريب – الصديق – ما سر روعة هذا العمل؟ ما هو مقياس العظمة الأدبية عندك حتى تصفه بكلمة كهذه؟ ماذا قرأت غيره في موضوعه وحكمت عليه بأنه رائع، عظيم…إلخ.

كانت قراءتها بمثابة تحدّ بيني وبين هذا الصديق الذي لم يكملها لصعوبتها. أنني أستطيع الانتهاء من هذا الصعب الذي لم تنهه أنت يا صديقي. ويا ليتني عرفت وقتها أن الانتهاء ليس فقط الانتهاء من عدد صفحات! ومما زاد الطين بلة وبث فيّ الحماسة أيضًا، هو هذه السطور الأولى منها التي تصف مشهدًا جنسيًا، وهو نزول تلك المرأة المجهولة عارية في النهر بينما أبو جعفر الوراق يشاهدها – الفخ كان شديد الإحكام هذه المرة -. أكاد أجزم أن كل من وقع في فخ هذا العمل واعتقد أنها مجرد رواية عادية، تحتوي على بعض المشاهد الجنسية، كان بسبب حديثِ كهذا الحديث الذي أجريته مع هذا الصديق الجاهل أو على شاكلة هذا الحدث، ولم يكملها بالطبع، بل وانتهج الوسيلة الأولى السابق ذكرها في الخلاص من هذا الفخ الأدبي.

أكملتها بصعوبة بالغة، ولكني مع نهايتها أدركت القليل من روعة وعظمة هذه الرواية. ومن وقتها وأنا أتمنى أن أعيد قراءتها مرة أخرى ولكني خائف منها!

خائف من أن أخوض مآسيها مرة أخرى، خائف من مشاهدة سقوط الأندلس مرة أخرى، خائف من وحشة هذه الجملة «لا وحشة في قبر مريمة».

من بعد هذين العملين أعتقد أني تعلمت من خطئي، ولم أعد أسير مع أي غريب يقابلني في الطريق ويعدني بقطعة حلوى في نهاية الطريق، وبرغم أني عدت مرة أخرى إلى هذه السذاجة في معرض الكتاب الماضي. وقمت بشراء بعض الأعمال التي هي بالفعل عظيمة تستحق الاقتناء والقراءة، ولكني ما لم أفهمه وقتها أني لم أستحق بعد أن أقرأها، وأعتقد أنها ستظل حبيسة صندوقها بعض الوقت حتى أعد نفسي لها جيدًا، وأشعر أني استحق قراءة هذه العناوين العظيمة.

ما أود أن أقوله في النهاية أن الكثير من العناوين على شاكلة هذه العناوين ليست مجرد أعمال أدبية عادية، بل تحمل أفخاخًا كبيرة تتصيد حديثي العهد بالقراءة، الكثير من الأحداث على شاكلة ما حدث معي تقابلهم، لذا نصيحتي إلى كل مبتدئ يريد أن يخوض ويجول في هذه العناوين العملاقة أن تتريث قليلًا. وتقوم بإعداد نفسك قبل القراءة. وتبحث بنفسك عن هذا العمل، وتهيئ نفسك له. وتدرك أن مفهوم الانتهاء من العمل أوسع وأكبر من أن تحصره في مجرد انتهاء من عدد صفحات، والأهم أن تضع في ذهنك سؤالًا واحدًا قبل الإقبال على عملٍ أدبي كهذا، وهو، هل سأتمكن من قراءة هذا العنوان البراق الذي يشيد به الجميع؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد