توفي الأديب المصري أحمد خالد توفيق، وقد تصادف نبأ وفاته بعد يوم من حديث دار بيني وبين أحد الأصدقاء حول كتاباته وأسلوبه الأدبي، إذ إنني قرأت للرجل بعض من مؤلفاته كـ«يوتوبيا» و«السنجة» و«فقاقيع»، وللأمانة لم تجذبني كثيرًا تلك الكتابات، لكنني في الوقت ذاته أكن احترامًا شديدًا له كونه –سواء أعجبتني كتاباته أم لا– مؤثرًا في شريحة كبيرة من الشباب المصري، وقد وضح هذا جليًا من خلال عبارات النعي والجنازة الإلكترونية التي نظمها مريدوه وأحباؤه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد راعني من خلال متابعة تعليقات الكثيرين، تداولهم لنص تغريدة كتبها الأديب الراحل يتحدث فيها عن خشيته من الموت وكان نصها: «أنا أخشى الموت كثيرًا، ولست من هؤلاء المدّعين الذين يرددون في فخر طفولي نحن لا نهاب الموت، كيف لا أهاب الموت وأنا غير مستعد لمواجهة خالقي؟».

قبيل قراءتي تلك التغريدة، سبب لي نبأ الوفاة في حد ذاته صدمة شديدة، لا أدري لماذا؟ هل لأن الرجل لم يصل إلى عمر الشيخوخة بعد؟ وهو العمر الذي ارتبط في أذهاننا ونحن صغار بأنه الوقت لمغادرة دار الدنيا إلى دار الآخرة؟ قطعًا هذا نوع من التفكير الساذج، فلطالما رحل الكثيرون في عمر الطفولة والشباب، هو إذن موت الفجأة، ذلك الذي يأتي على حين غرة عندما ننسى أو نتناسى أن سيدنا عزرائيل يحوم في الأفق ليل نهار ليؤدي مهمته الموكلة إليه.

آه يا سيدي عزرائيل، أنا أخشاك كثيرًا وأخشى الله أكثر وأكثر، أخشاك لأنك الحقيقة الوحيدة المدركة في عالمنا المليء بالأكاذيب والتأويلات ولي الحقائق والمراوغة والنفاق. أخشى لحظة لقائنا لأنها لحظة تمهيدية للحظة أكبر وأكثر خشية وهي لحظة لقاء الله سبحانه وتعالى.

حقيقة لا أكاد أضع رأسي على الوسادة كل ليلة لأنام إلا ويصعد شبح الموت إلى رأسي، أفكر في زوال كل شيء بنيته في حياتي القصيرة؛ زوجتي وابنتي اللتان أحبهما أكثر من أي شيء آخر في الحياة، وأهلي وأصدقائي الذين يضفيون على وجودي قيمة ومعنى، ومنزلي الذي تشاركت مع زوجتي بناءه طوبة طوبة واخترنا سويًا كل تفصيلة صغيرة فيه، وعملي الذي أكد فيه يوميًّا، وألوم نفسي عندما أضطر لأخذ إجازة قصيرة، وطموحي الأدبي في أن أقدم للناس بضعة أفكار عبر مؤلفات متواضعة لعلها تجد طريقها إلى قلوبهم وعقولهم، حتى يا سيدي عزرائيل إنني أفكر في خزانة ملابسي –لا تسخر مني– فقد أحببت كل ما هو خاصتي واعتنيت به، أفكر في كل هذا كل ليلة، ثم أنكمش على ذاتي ويصعد القلق والخوف إلى وجهي وعقلي وينكمش صدري وتضيق نفسي، فأنا المذنب والخاطئ، أنا الذي تغويه نفسه الأمارة بالسوء فيضعف، ثم يستغفر، ثم ما يلبث أن يضعف مجددًا، ويعيد خطاياه.

آه يا سيدي عزرائيل لو تعلم كم أموت كل ليلة من قبل أن تأتيني لتقبض روحي فأموت الميتة الكبرى، عشرات المرات، كيف ستنتزع روحي؟ هل بسرعة البرق أم ستعذبني على ما ارتكبت وأرتكب من خطايا؟ وكيف ستكون ظلمة القبر يا سيدي؟ وقد أضحيت وحيدًا منبوذًا ليس لي من عمل يرجح كفة ميزاني فأسمو إلى الجنة بعيدًا عن جحيم جهنم.

إنني يا سيدي عزرائيل أخجل من نفسي كثيرًا عندما أرتكب الحماقات ثم أستغفر الله! بأي وجه أستغفر وأطلب العفو والغفران! وبعد برهة ألملم شتات نفسي مؤمنًا أن رحمة الله وسعت كل شيء، ولكن هو ضعف الإنسان الفطري، ضعف إيمانه وضعف ذاكرته وضيق أفقه ليستوعب هذا الكون الفسيح بعظمته.

سيدي عزرائيل، أعلم أنك قادم إليّ خلال أيام أو أشهر أو سنوات، قادم بأمر من خالقي وخالقك، قادم لتقبض روحي المضطربة، ثم تمضي في طريقك لتقبض آلاف وملايين الأرواح، وإلى ذلك الحين سأدعو ربي أن تكون رحيمًا بي عندما يحين الموعد، وأرجو يا سيدي أن تأتيني في نور النهار؛ لأنني أخشى ظلمة الليل في الدنيا، وظلمة القبر من بعدها، وظلمة قاع الجحيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد