في زمن الاحتلال ووقوع فلسطين وانحدارها من يدِ غاصبٍ إلى يد آخر، وتناوب الاحتلالين البريطاني والإسرائيلي عليها، كان لا بد أن يولد نقيضُ لهذا، شعلة أدبية ثقافية تضيء الدرب وتحمل راية الثورة وتخط أدب المقاومة، فكان أدب غسان كنفاني.

على مدى أكثر من 10 سنوات قدم الأديب غسان كنفاني روايات وقصص ومسرحيات جسدت الصراع الفلسطيني، صراع البقاء على الأرض المغتصبة، وعالجت الكثير من القضايا الشائكة الحساسة في القضية الفلسطينية بأسلوبٍ فريد شكل قفزة نوعية في الإطار الأيدولوجي والميتافيزيقيا الفلسفية في القضية الفلسطينية، من الخروج من فكرة اختزال الروايات بإطارها المعتاد من شخصياتٍ وأحداث وزمان ومكان، إلى العديد من المحاور التي تنطلق من هذا الإطار بزمانٍ ممتد وشخوصٍ تتكرر ما بقيت المقاومة على هذه الأرض، فتعكس واقعًا متشابكًا للشعب الفلسطيني من الفلاح وأم الشهيد إلى المقاوم والعميل والخائن راسمة صورة تشخيصية للقضية الفلسطينية بكل محاورها.

يعرض الكنفاني في كتبه التي حازت رواجًا عالميًا، قصصًا تتفرع وتتشابك وتنفصل وتتصل وفي النهاية تصب في ميدان القضية والبقاء والمقاومة، ناقلة بدقة القضية الفلسطينية إلى أنحاء العالم، فيتدرج صاعدًا من أرض البرتقال الحزين عائدًا منها إلى حيفا، فيموت سريريًا ويحيا عاشقًا فيأخذ عروسه ويقضم من برقوق أبريل (نيسان) ما يشتهي، وبعد كل هذا يقر ويعترف بأن هذا العالم ليس لنا، فيلبس قبعته ويرحل نبيًا للمقاومة والثورة حاملًا رسالة فلسطين إلى العالم.

هذه اللوحة البديعة التي رسمناها بالكلمات في الفقرة العلوية إنما هي أسماء لروايات جسدها أدب غسان (عائد إلى حيفا)، (القبعة والنبي)، (العروس)، (أرض البرتقال الحزين)، (ما تبقى لكم)، (رجال في الشمس)، و(العاشق)، (برقوق نيسان)، و(عالم ليس لنا) يتعمق غسان فيها بقوة في صلب القضية الفلسطينية، فما الومضات المفصلية التي قدمها لنا في عدد من الروايات تعد من أهم الأعمال الأدبية التي جسدت الواقع الفلسطيني؟

في أولى المحاولات الروائية لغسان كنفاني كانت رواية (رجال في الشمس)، وهي التي كرست الشكل الواقعي الذي عاشه ويعشيه الشعب الفلسطيني فيجد قارئها نفسه في ازدواجية بين الوعي واللاوعي، الوعي الكتابي للروائي الذي يرسم الفلسطيني مشردًا هائمًا على وجهه لا يعرف له مستقرًا بين البلدان يُجرُّ في أنبوب ماء يخنقه ويعدُّ عليه أنفاسه وفي ذات الوقت يستمر مالك الأنبوب بتوهمه بأنه الخلاص في حين أنه من سيقود الشعب الفلسطيني إلى التهلكة إن استمر في سكوته على الظلم، وعدم الخروج والانتفاض على قبضة السجان الداخلي، الذي يحيا بوجه نصيرٍ للشعب الفلسطيني وهو في عمقه هلاك، وكان وجه العملة الآخر جانب اللاوعي في تغفيل الشعب الفلسطيني وتكرار أخطائه في قبول فكرة الاستعباد، فالوعي واللاوعي وجهي العملة التي قدمها كنفاني في حالته الروائية هذه، أفلا يعكس هذا حال الفلسطيني مع بعض الشعوب العربية؟

كانت رواية رجال في الشمس رواية رمزية تعبر عن الواقع الفلسطيني كما هو الحال في كل روايات غسان، وتعري الحقيقة أمام القارئ من تخاذل الشعوب عن نصرة الفلسطيني، ومن تمسك الفلسطيني بالأمل الذي ينقلب عليه ألمًا وهلاكًا في نهاية المطاف، تدعوك الرواية إلى ضرورة الخروج من إطار الصمت انطلاقًا إلى الفعل من خلال طرح السؤال المحوري: لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟ وفي سؤالنا المحوري التالي: ماذا تبقّى لنا بعد كلِّ هذا؟

ما تبقى لكم، هي تجربة كنفاني الثانية في كتابة الرواية. تأتي بعد رجال في الشمس لتحاول التعبير عن إرادة الخروج عن الصمت والحروب الداخلية النفسية إلى إرادة الفعل وإثبات الذات، ومن الإطار الشخصي بحروب الذات وهمومها الخاصة إلى الهموم المشتركة والمشاكل الاجتماعية التي يتشارك بها كافة الشعب الفلسطيني في هذه المأساة، فلا تظل هموم الزاد والشرف والمأوى والعلاقات الاجتماعية أمور خاصة بعائلة فقط، بل تتعدى ذلك لتعبر عن واقع مجتمعي يتشارك بالهموم الداخلية والمأساة المشتركة، فلا تنفك ترسم الالم الفلسطيني الموحد، فهل كمية الألم هذه ستجعل العالم ليس لنا؟

كتب غسان كنفاني مجموعته القصصية (عالم ليس لنا) بين عامي 1959 و1963، باستثناء القصة الأخيرة (العروس) التي كتبت عام 1965، وقد كانت المجموعة تحيك نسيجًا بخيطين مفصليين يشكلان القصة: الغربة عن الوطن، والغربة عن الكرامة.

كانت القصتان المحوريتان في هذه المجموعة (العروس) و(موت سرير رقم 12) التي حاول كنفاني فيها البحث عن إجابة أسئلة واقعية عن الوجود، الموت والظروف التي يعشيها الناس في الخليج – حيث كان يعيش – ومن ثم إبراز القضية الفلسطينية من خلال استنطاق شواهد وأدلة عليها، أولها الذاكرة التي تساهم في صياغة أفق جديد في رؤية المستقبل الفلسطيني.

انتقالًا إلى قصة العروس التي يدمج فيها بين العروس الحقيقة والعروس (البندقية) في رسالة وإشارة واضحة إلى النضال الفلسطيني حيث تشكل العروس الأولى الشرف بالنسبة للإنسان العربي، وتشكل العروس الثانية – البندقية – رمز الرجولة والمقاومة والثورة الفلسطينية، فهل تنقلب الموازين في المفاهيم لدى الثائر الفلسطيني؟ فيستهلك عروسًا حقيقية تعد شرفه عرفيًا مقابل البندقية التي سيسترد بها شرف الأرض المغتصبة؟ وقد كُتبت القصتان بصيغة الرسالة، وكانت نهاية البطلين أن يموت الأول، ويصاب الثاني بالجنون، كإشارة إلى شخصيات اعتيادية في المجتمع لا يُبالي بها كثيرًا وتكاد تكون مهمشة.

يقول الدكتور يوسف إدريس في تقديمه لقصص غسان كنفاني:

أيها الناس، اقرأوا هذه القصص مرتين، مرة لتعرفوا أنكم موتى بلا قبور، ومرة أخرى لتعرفوا أن قبوركم تجهزونها، وأنتم لا تدرون.. قبور الثقافة بلا ثورة والثورة بلا ثقافة، قبور الخوف على الحياة حتى تستحيل في النهاية إلى وجود حيواني خسيس.

ومن هذا المنطلق فإن أدب غسان كنفاني أضخم من أن يُحاط بمقالةٍ واحدة أو مقالات وارتباطنا كشعبٍ فلسطينيٍ به يجعلنا لا نتحدث بالموضوعية المطلقة حوله، ولكن عند ذكر أدب المقاومة والنضال فإنه يتجلى أدبيًا وثقافيًا مجسدًا مبدأ الثقافة المشتبكة التي أرسى قواعدها منذ زمن.

كل هذا التميز في عرض الواقع الفلسطيني بالصورة المختلفة عن الأبعاد النمطية وتشخيص الوثائق التاريخية بأناس في قصص يشكل كل منهم لبنة في بناء الحالة الوجودية والأيدولوجية للقضية الفلسطينية، كل هذا دفع إسرائيل إلى تهديده مراتٍ ومراتٍ بالموت، لكنه لم ينثن عن طريق بدأه، فكان خمسة كيلو جرام من الديناميت كفيل بتفجير سيارة غسان وجسده وابنة أخته لميس، مع ورقة مكتوب عليها: مع تحيات سفارة إسرائيل في كوبنهاجن.

وكان هذا ما علقت به جولدا مائير – رئيسة الوزراء الإسرائيلية عقب اغتياله – حيث قالت:

اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان بقلمه كان يشكل خطرًا على إسرائيل أكثر مما يشكله ألف فدائي مسلح. فسلامٌ لمن سقط جسدًا وبقي فكرةً، ولم يمت قبل أن يكون ندًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد