أسس التحليل والتنقيح تولِّدُ ثقافةً صحيحة

في رحلة فضولية للبحث عن كيفيّة النشر في إحدى المجلات الثقافية، ومع أن هذا النشاط أصبح خاملًا ومن الطراز القديم، وخاصة لأولئك من يحبّون القراءة السريعة واستقطاب الأفكار دون بذلِ مجهود كبير، على سبيل المثال إنّ 500 كلمة كفيلة ليصابوا بالضجر وينتقلوا مسرعين لما هو مختصر أكثر ومقتضب أكثر، ولكن رغم ذلك، ورغم هذا التطوّر المجحف بحق القراءة، كان لديّ تصميمٌ لخوض تلك التجربة.

في مقدمة التعريف على إحدى المجلات الثقافية السورية، بدت لي وكأنها ترثي نفسها وتندب حالها، كتب أنه قبل زمن في الثمانينات والتسعينات بالتحديد، كان الكتّاب يسعون بكلِّ جهد لينشر مقالٌ لهم في المجلة، ومجرد ظهور اسمهم هناك هو شبه شهادة فخرية لمشروع الكاتب المنتظر، وهذا يعود لصعوبة الشروط والاعتبارات التي يقوم عليها النشر، وليست شروطًا للحدِّ من حريّة التّعبير والتساؤل والتفكير، بل كانت شروطًا للاحتفاظ باعتبارات الثقافة، واللغة، والقِيم الأكاديمية في التحليل، والتنقيح، والاقتراح، كما أنها كانت تعمل على جذبِ الخبرات الثقافية الساعية نحو التنوير دائمًا؛ بغية تقديمِ محتوى ثقافي يستحق القراءة والدراسة، بعيدًا عن الابتذال والتّسرّع في النشر، وما كانت تندبه بشدّة هو عدد القرّاء الذي بدأ بالتناقص مع كثرة المنابر المجانية الإلكترونية، وخاصةً الميديا وشبكات التواصل الاجتماعي، وهذا ما جعل النخبة تختلط بغيرها بما يخص النشر الثقافي، فالأمر لم يعد يحتاج إلى مثقف يكتب، بل إلى شخص يجيد الكتابة فقط، وتبعًا لذلك اختلط الحابل بالنابل حتى وصلنا إلى هنا، وما يكمل هذا لنتورّط أكثر في هذا التيار هو تدهور مستوى بعض دور النشر العربية في قبول المحتوى المعرفي، حيث تحوّلت إلى دور تجاريّة مبتذلة، لا تملك أيّ معايير تذكر للنشرِ والترويج، وإن تعلّق الأمر بالمعايير فيحكمها الدفع النقديّ لا أكثر، وطبعًا هذا ما أصدر لنا مجموعةً من النصوص الأدبية التي ترتدي زيّ العلمِ والمنطق في الغلاف، وتحتوي رخصةً شرعيةً لتشويهِ المنطق العلميِّ بين الأوراق، كما أن الأمر ينطبق على الأدبِ والشِّعرِ؛ ولكن سوف نترك ذلك «حاليًا» في دائرة الأذواقِ الشّخصيّة محكومًا من المدرسةِ الشعبية فقط.

الآن لنعيد التفكير بشكل عملي في ما حدث، هل هذا هو انتهاكٌ للثقافة وقِيمها المعتبرة، أو حرية تعبير لا يجب تأطيرها بأي شكل كان؟

هنا تبدأ الأمور بالانقسام بين مؤيد ومعارض لاحتكار النشرِ الثقافيِّ بقِيم يحدِّدها النخبة «من بذلوا جهدًا ثقافيًّا تنويريًّا للحصولِ على هذا اللقب، أمثال أنطون مقدسي، وجورج طرابيشي، ومحمد الماغوط، وممدوح عدوان، وهاشم صالح وغيرهم من الرموزِ السورية في اتحاد الكتّاب والساحة التنويرية»، ونتناسى التعريفات أو نؤوّلها، وربّما نضع اعتبارات جديدة تنسجم مع روح الحداثة والميديا والفعاليات الأدبية المبتذلة، لكن ليس من السهل أن نتجاهل النتائج؛ ما يحدث اليوم أن الكتّاب تحولوا إلى مدوّنين يعملون باستيراد الشعارات الثورية وعرضها دون تنقيح، أو تحليل، أو دراسة، ويرث القرّاء منهم تلك الشعارات كمادة خام، مادة جذّابة بالظاهر، ولا أحد يعلم الباطن بها كيف شكله، هل هو عفنٌ؟ فخٌ دراماتيكيٌّ نحو الانحلال؟ مصيدةٌ تثبِّت جذور التطرّفِ بدلًا من قلعها؟ إلهاءٌ وتفريغ طاقات مكتومة دون فائدة؟ لا أحد يعلم، ومن المنطقي ألا يعلم طالما الاستيراد لا يحمل صفتيّ التنقيح والتحليل؛ أعزي شرح هذه الفكرة لقراءة مرّت معي للفيلسوفِ السوري أنطون مقدسي، كان مقدسي يرى أن المشكلة في المجتمع العربي لا تكمن في تقليده للفكرِ الغربيِّ أو الشرقيِّ، بل كان من مناصرين الحداثة بمفهوم ثقافيّ لا ينسلخ عن أصالته، لكن – حسب رأيه- المشكلة تكمن في طريقةِ التقليدِ ذاته، وردّة فِعله عن الأحداث الراهنة، يرى أنّ الفكر الصحيح يجب عليه أن يستبق الأحداث ويستثيرها لتخضع لإرادته عوضًا عن أن يخضع لها، كما أنه طالب بضرورة المجتمع المدني والحرية الفكرية سبيلًا لذلك.

إذن، المشكلة هنا لا تتجسّد في التقليدِ أو الاستيراد، بل بطريقة التقليدِ والاستيراد، وما يجرّ الوضع الراهن لهاويةِ الانهيار الثقافيّ هو سقوط جميع الاعتبارات الثقافية من المؤسسات الثقافية، كما أنني لا أعتقد أنه يجب تحميلهم هذا الذنب وحدهم دون الأخذ بعينِ الاعتبار أنّ إصدارات الحداثة في المجتمعِ العربي اتخذت وجهةً أخرى، ويصعب التحكم بها، كما أنّ دراسة هذه الوجهة بالتحديد هو أكثر ما يحتاج للتنقيحِ والتفصيل باستمرار من النّخبة ذاتهم لا غيرهم.

يجب التذكير هنا، مرةً أخرى، أننا لا نتحدث عن قضية محددة، أو نتناول تيارًا فكريًّا محدد، بل نتحدث عن الطريقة نفسها في بناء الثقافة، ونوضِّح أن البنّاء ليس بنّاءً بمعنى الكلمة، بل إنه مستوردٌ، وناقلٌ، وناشرٌ بطريقة خالية من الدراسة للنتائج والاعتبارات الاجتماعية على أرض الواقع وفي بنية المجتمع، وهنا تكمن الخلاصة؛ الواقع، النتيجة، ما يترتّب على هذه الطّرق من النشر، بعيدًا عن القيمة المرتبطة بعدد الإعجابات المرافق للمنشور على الميديا، أو عدد الداعمين للفكرة من المدرسةِ الشعبية، بل الواقع والأثر لا غيره، وهذا ما ينقلنا لمرحلة أكثر تعقيدًا وهي مرحلة تشويه المفاهيم وتحويلها لناحية مظلمة وليست مشرقة.

الإلحاد على سبيل المثال، من أبرز التيارات الدخيلة على المجتمع، والذي بدورهِ تحوّل من فلسفة معقدة جادل بها الفلاسفة لسنين عدّة، ودراسة أثرها وعمقها كونها تمسّ اعتبارات أخلاقيّة ووجوديّة، إذ قال كانط «الله ضرورة أخلاقية»، وقال نيتشه «الله قد مات، ونحن من قتلناه»، وخلف كل جملة منهم متاهةٌ فلسفيةٌ لا تدرك بسهولة، لكن سرعان ما تحولت «في المجتمع الناطق بالعربية» إلى اعتقاد يحمله القارئ بعد قراءة خمسة نصوص صغيرة عن كشف تناقض في الدين الذي لم يدرسه حتى، ويعاملون فريدرك نيتشه وكأنهم نيتشويّون قدماء، مع أن الغالبية منهم تقع في مغالطة إلحاد نيتشه «ليس ملحدًا بالمعنى الحرفيّ بل مؤمن بالوجود والقِيم»، وعدميته «ليس عدميًّا بل فيلسوفًا وجوديًّا بحتًا»، ومنهم من يسخر من كانط ومفهومه الأخلاقيّ، ومع أنهم لا يملكون تعريفًا للقيمةِ الأخلاقية إن لم تكن المراقبة موجودة، أليس هذا إجحافًا بحق الثقافة؟ ولكن الأمر لا يقتصر على هذا، بل يكتمل بانتقالهم من وجه دينيّ متطرف ينتقد إلى وجه إلحاديّ متطرف يقدّس، وأليس هذا أيضًا تناقضًا تصدِّره الأجواء الثقافية الجديدة من خلال دعمهِ والتطبيلِ له بكلِّ مكان؟ مع العلم أن القرّاء بأغلبيتهم، هم المستهلكون لهذه الأفكار.

النسوية من جهة أخرى، والتي تعد دخيلةً أيضًا على المجتمع الأبوي، انتقلت من مرتبة الفلسفة والاتجاه الفكريِّ الحقوقيِّ الخام، إلى مرتبة المقارعة والمقارنة بحوار يقوم على؛ نحن أفضل منكم «يقصدون الرجال»، الابتذال والتصنّع، ممارسة استراتيجية المؤامرة الموجّهة لهم من كل رجل بالتعميم، والشمّاعة «الرجل أيضًا» التي تعلّق عليها عجزها عن الإنتاج العلمي والاجتماعي والمعرفي، والحساسية المزمنة تجاه كل نقد يتعرّض له أحد التيارات النسويّة، أيّ بشكل مختصر هو حوار قائم على محاربة الجندر وليس الفِكر، كما هو قائمٌ على التأطيرِ للمرأة نفسها، والتأطيرِ لمفهوم الرجولة حسب قِيم مستوردة من مجتمع ليبرالي بحت، أليس هذا أيضًا هو تصادم واضح مع الواقع الذي يفتقد أقل القِيم الحقوقية قبل أن تستورد إليه قِيمٌ مثل تلك؟

هذا هو ما يسمى إحداث الفجوة بين الواقع والميديا فيبقى كل شيء على حاله.

بعد هذه الحدّة في الطرح الذي ذكر أعلاه، لربّما يجب توضيح أيضًا الناحية الثقافية المشرقة، حيث رغم كل هذه الفوضى ما زالت قادرةً على التحليل والتنقيح قبل الاستيراد أو الإبداع؛ من استطاع/ استطاعت نقل فلسفة تمسّ الواقع فتأثّر بها قارئٌ وشاركها مع صديق، وتثبيت هذه الاعتبارات الواقعية في المجتمع هو هدفٌ ثقافيٌّ له مكانه، بعيدًا عن اعتبارات الميديا المجانية، هم من يمتلكون لغةً سياسيةً لتقديم التنقيح لواقعهم دون قفز نحو أحلام وردية لا تدرك، وتقوم عليها سمات تحبط المجتمع على المدى البعيد، ومن بين هؤلاء «الناحية المشرقة من الثقافة الجديدة» وخاصةً المثقفات منهم، هناك النساء القادرة على عكس أفكارها من خلالِ قوّة واستقلال، وشخصية تفرض احترامها باستخدامِ وقعِ وجودها في المجتمع، وهذا لا يقتصر على الفئةِ المثقفة أو المنتجة فكريًّا، بل ربّة المنزل ومربيّة الأجيال على رأسهم، هذه الصفة التي تحاول بعض التيارات النسوية أن تؤطرها على أنها ضعف أو عنصر غير مهم، المرأة التي تغرز وجودها وأثرها على الواقع، وتحرّر من مثالب المجتمع الأبويّ والاعتبارات الذكورية التي تحيط بنا، امرأةٌ تمتلك الأثر الثقافي أكثر من امرأة تستورد الشِّعارات على الميديا، وتطالب بمهر مبالغ به، وتبحث لخالها عن عروس تناسب اعتبارات المجتمع الذكورية، وتنسحب من كلِّ واجب تطالب بهِ على الميديا، وفي نهاية المطاف إنّ وضع المرأة هنا ليس محور الفكرة، بل تأثير نوع الثقافة المستورد والمجاني فيها وفي القِيم النسوية الصحيحة وغيرها، والتي شخصيًا أرى بها النور نحو مجتمع متماسك أكثر، ويسير نحو الحداثة سيرًا أسرع.

ما يسعى إليه هذا المقال هو مقارعة الاختلاف بين منبر ثقافي تحكمه القِيم الثقافية، ومنبر مجاني تحكمه عدد الإعجابات ومن يتكلّم أكثر، كما تحكمه المدرسة الشعبية بما يخصّ الفنّ والموسيقى والأدب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد