– نقاط للاتفاق قبل التحليل: مبدئيا قبل الحديث عن فيلم “Dracula Untold 2014” لابد أن نتفق على أمرين: • الأمر الأول:  الفيلم رائع لولا النهاية السخيفة التقليدية عن الـ Vampires أو مصاصي الدماء وهي الترحال عبر الزمن وصولا إلى العصر الحديث ومقابلة فتاة تشبه تلك التي توفيت في مأساة قبل أن يصير خالدًا يمزقه الماضي! لذا من الممكن إعطاء الفيلم تقييم 1 من 5! فلقد خسر نقطة بسبب تلك النهاية “الكلاشية”، وخسر نقاطًا أخرى بسبب التزوير التاريخي! • الأمر الثاني هو أننا لسنا بصدد تقييم دماثة أخلاق الجيش العثماني الذي صحب السلطان محمد الثاني أو المعروف تاريخيًا بـ”محمد الفاتح” أو “حيثيات تكوينه”! 2- إخوة الصغر أعداء بلا شك: في مشهد بالفيلم يبدو لغير العارف بمسيرة محمد الفاتح، نجد الأمير فلاديسلاف الثالث (دراكولا) والذي نصبته السلطنة على “واليشا” متوجهًا وعلى وجهه إمارات الإشفاق والخوف إلى خيمة الحرب السلطانية المنصوبة بالقرب من “واليشا” حيث يقابل محمد الفاتح، فيطلب منه الأخير أن يسلمه 1000 صبي ما دون الخامسة عشرة من واليشا للانضمام إلى جيش السلطان! فيجيبه فلاديسلاف “خذني أنا يا سمو السلطان، أنت تعرف أني خير من 1000 يا أخي”! فأجابه السلطان (بالفيلم): “لن أجدد طلبي. 1000 صبي زائد واحد. ابنك”، وأردف “سيعيش في كنفي كما عشت أنت في كنف والدي، يا أخي”.   وهنا تكمن نقطة التحول في مشاعر المتلقي، حيث يجعلك الموقف متعاطفًا مع ذلك الأب “العطوف” الذي يحاول بشتى الطرق الحفاظ على ولده الوحيد من السقوط في ذل الأسر “العثماني” الذي عانى منه شخصيًا! وحتى إن كنت تعرف القليل عن إستراتيجيات الحروب العثمانية وتكوينات تلك الجيوش (التي – أردنا الاعتراف بذلك أم لم نرِدْ – تكونت من العديدين من أبناء الإمارات الأوروبية الذين أسروا صغارًا وأُنشئوا على الولاء للسلطنة!) تجد نفسك متعاطفًا مع دراكولا الذي باع نفسه لمصاص الدماء الذي جعله ذا قوة خارقة للقضاء على الجيش العثماني الزاحف على “واليشيا” وعلى رأسه ذلك السلطان الشاب الذي صوره ذلك المشهد بالتحديد؛ بتفاهة صبي يلهو برقعة الحرب الممدودة أمامه غير عابئ بالآلام التي تخلفها حروبه في نفوس “الأوروبيين”! 3- خلفية تاريخية: ربما يعلم أن الأمير فلاديسلاف الثالث المعروف باسم “دراكولا المُخَوزِق”(ودراكولا هو لقب عائلته) (1) بأنه أُخذ أسيرا وهو صغير هو وأخوه “رودو” بعد هزيمة أبيهم “فلاديسلاف الثاني” وظلا تحت كَنف السلطنة العثمانية في عهد السلطان مراد والد محمد الفاتح (2) وتعلما فنون الحرب والقتال، وكان هذا تقليدًا عثمانيًا غريبًا بأسر أبناء أمراء أوروبا التي فتحتها السلطنة العثمانية ومحاولة خلق فيهم وهم صغار “روح الولاء” للسلطنة وللسلطان! وفي حالة دراكولا المُخَوزِق قد فشلت تلك الإستراتيجية بالتأكيد! فالبرغم من تنصيبه على “واليشا” (الإمارة الفاصلة بين السلطنة وبين المجر ومحل النزاع الدائم بينهما) من قبل السلطان محمد الفاتح إلا أن فلاديسلاف الثالث ركن إلى حاكم المجر جون هونيادي (3)، الذي استفاد بمعرفة فلاديسلاف دراكولا، الناقم على محمد الفاتح شخصيا والمد العثماني بأوروبا عموما، باللغة والثقافة التركية والأمور الداخلية للسلطنة؛ واتفقا على الإطاحة بمحمد الفاتح ووقف مد جيش محمد الفاتح إلى المجر. وعلى إثر ذلك قام فلاديسلاف دراكولا بقتل رُسل أتوه من قبل محمد الفاتح يطلب منه “الخراج” وخوزقتهم على أعواد خشبية، وذلك بحجة أنهم لم يحترموه بالشكل الكافي ولم يرفعوا خوذاتهم الحربية في حضرته حينما أمرهم بذلك، وأجابوه أنهم “لايرفعونها إلا عند الصلاة”! (غير أنهم بالتأكيد يرفعونها في حضرة محمد الفاتح لكن العزة أمام العدو واجبة بلا شك).   لم يكتفِ فلاديسلاف دراكولا بذلك ولكن لتوطيد علاقته بحاكم المجر أغار على إمارات تركية متاخمة وقام بقتل الآلاف من الفلاحين رجالًا ونساءً وأطفالًا وخوزقتهم كصك ولاء لحاكم المجر(4)! فحشد الفاتح متوجها إلى واليشيا للقضاء على دراكولا المُخوزق فتم استدراك الجيش العثماني في المعركة الوحيدة التي خسرها الفاتح واسمها “الهجوم الليلي على تارجوفيجت” (رومانيا)(الصورة الثانية)(5). ولولا خيانة أحد أصدقاء دراكولا له مما أدى إلى تقهقره وهربه إلى المجر لربما كانت نهاية جيش الفاتح عن بكرة أبيه في هجوم مباغت!   4- مغالطة تاريخية: ولتعودنا المغالطات التاريخية التي تطوع بها هوليوود الحبكة الدرامية، لا يجد المرء غضاضة أن يرى في معركة “الهجوم الليلي”، والتي بسببها تم إلصاق الأساطير لدراكولا وقدراته اللابشرية واستطاعته هزيمة الجيش العثماني الذي اكتسح أوروبا وأوقع فيهم خسارة فادحة في الأرواح والعتاد. مقتل محمد الفاتح في معركة سجال بالسيوف بينه وبين دراكولا بعدما قام الأول بفرش خيمته الحربية بالعملات الفضية كنقطة ضعف له كونه “مصاص دماء” (وهي نقطة ضعف لا نعرف كيف علم بها محمد الفاتح في سياق الفيلم، ولكنه علم بها. وهي نقطة أخرى يُقصد بها نشاط جهاز الاستخبارات في جيش محمد الفاتح وكذا الخونة)! وتلك المغالطة التاريخية غير صحيحة؛ فالسلطان محمد الفاتح توفي مسمومًا في إحدى غزواته، وحينما توفي قامت الكنائس بدق أجراسها احتفالا وبُعث برسالة إلى كل الإمارات التي كانت تخشى السقوط على يده مفادها “مات النسر العظيم”(6)!   5- الأثر النفسي: دعنا نتحدث بأريحية عن الأثر النفسي الذي يتركه هذا الفيلم فيمن لا يستقر لهم وعي كامل عن الحقيقة التاريخية: أ- التعاطف مع دراكولا، فيصل بك الأمر ألا ترى غضاضة أن تشاهد الآلاف من الجيش العثماني مخوزقًا، على اعتبار أنه جيش قاسي القلب ابتدأ بالظلم”! ب- فتوحات الفاتح التي تهدف إلى نهب الأراضي وأسر “الأولاد” الصغار من قبل جنود أتراك صورهم الفيلم بالـ “harassers – المتحرشين”!   6- فائدة وحيدة: أبناء أمراء الولايات الأوروبية المنهزمة كانوا أسارى للسلطنة العثمانية صغارًا تمهيدا لتدجينهم للولاء العثماني وتعليمهم اللغة والثقافة التركية وأصول الحرب ليصبحوا “سباهي تركي” (7) ومن ثم إرسالهم كبارًا لحكم بلادهم تحت اللواء العثماني! 7- تناقض في الحبكة الدرامية: نقطة التناقض التي كادت تخسرها الحبكة الدرامية للفيلم لصالح حكمة العثمانيين وحنكتهم في حكم الإمارات الأوروبية التي غزوها، لولا أن الحبكة أمعنت في إظهار قسوة و”تحرش” هؤلاء الأتراك “غلاظ القلوب” بهؤلاء الصبية، وبالتالي لا مانع أن تراهم مخوزقين على يد دراكولا وهذه النقطة هي: “إذا كانت ظروف الأسر تحت الحكم العثماني قاسية لهذة الدرجة كيف احتفظ دراكولا بالمسيحية التي ركز عليها الفيلم في أكثر من مشهد؟!”

معركة الهجوم الليلى

معركة الهجوم الليلى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد