عند دخولي إلى المقهى، وجدته مزدحمًا من الداخل، فقررت الجلوس بالخارج، الجو بارد بحق لكنني لا أطيق الزحام.

لم تمهلني السماء كثيرًا، فما إن جلست حتى وجدت نقاطا من الماء تتساقط عليّ، يا للجمال! دخلت مضطرًا إلى الداخل للاحتماء بالسقف الخرساني من الماء الذي يتساقط بالخارج.

وجدت طاولةً لا يجلس عليها أحد، وما إن تحركتُ تجاهها حتى وجدت رجلًا قصيرًا يركض ليجلس على الكرسي، عندما انتبه إليّ، اعتذر وأراد أن ينهض، لكنني لم أرد أن أجلس مكانه، ولا حتى بجانبه، فضلت الجلوس بجانب رجلٍ يبدو عليه الهدوء، استأذنته أن أجلس فقال “تفضل” فجلست.

جلست بجانبه حوالي خمس عشرة دقيقة، والرجل جالس بنفس الوضعية لا يتحرك، لا يتحدث، ولا ينظر إلا أمامه، ولم يطلب شيئًا حتى، تمامًا كالمومياء، قررت ألا أعبأ به كثيرًا، فطلبت أنا.

نظرت حولي، المقهى مزدحم، وهذا شيء غريب، فاليوم يوم عمل وليس يومًا للعطلة، فماذا يفعل كل هؤلاء البشر على المقهى في يومٍ كهذا؟

سمعت صوتًا من خلفي، شابان يتحدثان، حاولت الإنصات إليهم بتركيز، وجدتهم يتحدثان بحماس شديد عن الفرق بين رقص دينا ورقص صافيناز، بين حركات دينا المدروسة والمنظّمة، وبين عشوائية وفوضاوية حركات صافيناز، وكل منهم له وجهة نظرة والدلالات التي تؤيدها.

فالذي يؤيد رقص دينا يرى أنها تدرس حركاتها بعناية، كل شيء عندها مخطط له، لها أذن موسيقية قوية، فكل حركة من حركاتها تحدث نتيجة لدقة أو لنغمة معيّنة في الأغنية، أما صافيناز فرقصها عشوائي شديد الفوضوية، تهز كل أجزاء جسدها عند سماعها لأي دقة على الطبل في الأغاني، أو في الحقيقة تهز بعض الأجزاء فقط عند سماعها لأي جَلَبة تصدرها الأغاني، فعند سماعها للأغاني تبدأ في الانطلاق فورًا ولا تعبأ بأي ردة فعل تصدر عن جسدها، تمامًا كالزلزال كما قال محمود الليثي.

 

بعد قليل، وجدتهم يتحدثون، بدون مقدمات، وبنفس الحماس الشديد، عن الفرق بين الانقلاب والثورة، بين نظام الانقلاب الذي يدرس كل خطواته قبل البدء بتنفيذها، بين عشوائية وفوضوية الثورة التي تأتي بشكل مفاجئ، دون دراسة أو تخطيط، لا توجد طرق مستقيمة للسير، فكل الطرق متاحة في الثورة، أما الانقلاب فمساحة التصرّف فيه بسيطة، خطوة واحدة ناجحة تعني أنه نجح، وخطوة أخرى فاشلة تعني الحكم بالتآمر على رئيس الدولة، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى حد الإعدام.

 

في هذا الوقت، اعترض الشخص الذي يؤيد صافيناز ويؤيد أنها هي الأفضل، بل الأقوى، فهى التي استطاعت – في فترة قصيرة – أن تجعل الجميع ينظر لها، بل ويقارنها بدينا التي استطاعت أن تبني قاعدة جماهيرية واسعة على مدى سنوات طويلة، فجاءت صافيناز كي تغيّر من مفاهيم البعض حول الرقص، فهي ليست ظاهرة لحظية فقط وستختفي بعدها، بل – على حد قوله – ستبقى في عقول ونفوس كل الذين وقعت أنظارهم عليها يومًا ما.

تحدثوا قليلًا بصوت منخفض، لم أستطع أن أستمع جيدًا إلى ما يقولون، بعد قليل، ارتفع صوت الشخص الذي يؤيد صافيناز عاليًا، بأن الثورة ليست حركة عشوائية وفوضوية، بل حركة للتعبير عن الاحتجاج، للصراخ في وجه الثبات ومحاولة تحطيم الأنظمة البالية لخلق نظام جديد يسمح باستِيعاب كل متغيرات الحياة الجديدة التي يعيشها العالم.

لكن الشاب المؤيد لدينا اعترض، فهو يرى أن البقاء مع الانقلاب أفضل، فهو مخطط، مُحكم، لا مكان فيه للافتراضات والتكهنات، ولم يأتِ لتحطيم أي شيء، بل لمحاولة إصلاح القديم بدلًا من نسفه ومحاولة بنائه من جديد.

 

اشتعل النقاش، الحديث عن صافيناز ودينا موازيًا للحديث عن الانقلاب والثورة، لدرجة أنني اختلط عليّ الأمر، فلم أعد أفرّق بين الحديثين، الحجّة بالحجّة، ولكل شخصٍ منهم دلالاته القوية التي تجعله مؤمنًا باختياره، فالمؤيد لصافيناز بالفعل يراها حدثًا مهمًا غيّر الكثير من المفاهيم بخصوص الجماهيرية والانتشار، وظهورها أحدث ضجّة في كل ضواحي الدولة وفي فترةٍ قصيرة للغاية.

تمامًا كالثورة، فهو يرى أن أهم ما في الثورة، أنها غيرت الكثير من المفاهيم لدى الجميع، وخصوصًا الشباب، من آمنوا بها ومن لم يؤمنوا، فتحطيم الثوابت – على حد قوله – أهم من النجاح أو الفشل في الوصول إلى الحكم.

 

أما من يؤيد دينا، يرى أنها دارسة للرقص، وجميع الحركات التي تؤديها مهمة للرقصة، وليست عشوائية ولا فوضوية، فهي لا تُحدث جلبّةً عند الرقص، بل تبدأ رقصتها وتنتهي منها بشكلٍ سلس، وهادئ، وبدون حركات عنيفة ومزعجة، تمامًا كالانقلاب الذي يحدث بسلاسة، وبهدوء، وبحركات مدروسة، وبدون إزعاج لمن لا يعنيهم الأمر، فالنظام – على حد قوله – في تقبّل الثوابت أهم بكثير من إحداث ضجّة قد تؤدي إلى عشوائية وفوضى غير معلوم آثارها علينا.

في ظل تركيزي ومحاولة تدويني لكل كلمة يقولانها، رن هاتفي، صديقي يخبرني أنه لن يأتي الآن وسأذهب لأقابله في مكانٍ آخر، انزعجت لأنني لن أستطيع أن أعرف ما انتهى إليه الحوار، من سيفوز؟

من سيقتنع برأي من؟ من سيقدم حججًا أكثر منطقية؟ من سيكون له اليد العليا؟ ومن سيقول الكلمة الأخيرة؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد