جاءت محنة المسجد الأقصى الأخيرة التي حاول خلالها الاحتلال الصهيوني تركيب البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة على أبواب المسجد ومداخله وحال دون تثبيتها صمود المقدسيين ورباطهم المشرف لأسبوعين متواصلين، جاءت هذه المحنة لتكشف بعض الحقائق والوقائع الماثلة في مدينة القدس وما حولها، بل لتكشف واقع المسجد الأسير نفسه، وكأن هذه الأزمة كشفت بعض الخفايا كما تكشف النار حقيقة المعدن وتنفي خبث الحديد؛ فكانت نار القدس هي النافية لخبث وغثاء الأرض وكاشفةً للعدو من الصديق، وكما قال الإمام الشافعي:

جَزى اللهُ الشَّدائدَ كُلَّ خيرٍ … وَإِنْ كانتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي
وَما شُكْري لها حَمْدًا وَلكنْ … عَرَفْتُ بها عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي

لقد كشفت أحداث المسجد الأقصى مجموعة حقائق منها

أولًا: أظهرت هذه الأزمة الواقع المرير الذي يعيشه المسجد الأسير على مدار السنوات بل العقود الماضية، هذا الوضع الذي ازداد سوءًا في السنوات والشهور الاخيرة، فربما لا يعلم البعض أن شرطة الاحتلال الصهيوني المتواجدة على أبواب المسجد الخارجية تمنع الدخول للمسجد في غير أوقات الصلاة وتحجز هوية (البطاقة الشخصية) الزائر للمسجد في غير هذه الأوقات-إن سمحت له بالدخول ابتداءً-، وربما غاب عنا أن سلطات الاحتلال تمنع إقامة دروس وحلقات العلم في مصاطب وساحات المسجد الأسير خلال النهار وفي الفترات الصباحية وتطارد وتعتقل كل من يُدرِس أو يَحضُر حلقات العلم هذه، وربما لا نعلم أن سلطات الاحتلال تتحكم في مستوى صوت الأذان في المسجد وتمنع أن يرفع الصوت بشكل واضح في المآذن القريبة من حائط البراق خوفًا من إزعاج اليهود المغتصبين للحائط! بل إن أذان المسجد المبارك لا يُسمع إلا في النواحي القريبة جدًا من المسجد أما أحياء المدينة الأخرى فهي محرومة من مجرد سماع أذان المسجد الأسير! وربما…وربما… غابت عنا كثير من الحقائق التي تعصف بالمسجد وأهله فجاءت هذه الأحداث ليسمع أصحاب المسجد المبارك في كل الارض بعضًا من معاناة المسجد وأنينه.

ثانيًا: فاجأت الأحداث كثيرًا من المتابعين –الأصدقاء والأعداء- بموقف أهل القدس وردهم وأظهرت معدنهم الخالص الأصيل، معدنهم الذي استعصى على كل محاولات التذويب والتخريب التي لم تتوقف خلال عدة عقود. يحدثني أحد الشباب المقدسيين أنه ومنذ يوم الرباط الأول (الأحد 16/7/2017) ومع ساعات الصباح الأولى توافد شباب القدس ورجالها وشكلوا صفًا واحدًا مع علماء المدينة ورجال دائرة الأوقاف وأن بعضًا من أهل المدينة غير الملتزمين أو المكترثين – فيما يبدو لنا- كانوا من أوائل المبادرين للذود عن حياض مسجدهم وأقصاهم، ويُحدث أحد الدعاة المرابطين هناك عن سؤال بعض الشباب كيف أتوضأ؟ كيف أصلي؟ ليلتحق بركب المرابطين وينضوي تحت رايتهم!! لم يُتوقع كل هذا الثبات والصلابة ورباطة الجأش من أهل المدينة وما حولها، وكأنهم قد جاؤوا على قدر، واصطنعهم الله على عينه ليحققوا حديث صاحب الإسراء «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» رواه الإمام أحمد.

ثالثًا: تثبت الأيام أن العلماء وأهل الشريعة الربانيين هم قادة الناس وقدواتهم، فقد تصدر مشهد المرابطين على بوابات المسجد المبارك ثلة من علماء بيت المقدس ودعاته؛ فكان الناس من خلفهم واصطفت الحشود من ورائهم مصلين ثابتين مرابطين، وفي ساعة الشدة وعندما هاجم العدو المدجج جمعهم الأعزل إلا من قوة الإيمان وصلابته، كان هؤلاء العلماء في مقدمتهم وأصيب خطيب المسجد الدكتور عكرمة صبري وغيره ليبرهنوا للجميع أن أهل العلم الصادقين هم حصن الأمة وملاذها الآمن، حين تساقط الكثير من أدعياء المواقف وأصحاب العلم وآثروا سلامتهم ومناصبهم السياسية والدينية على سلامة قبلتهم الأولى.

رسائل كثيرة وحقائق أكثر كشفتها محنة الأقصى الأخيرة ووضعت الكثير من القادة والعلماء والأفراد على محك التجربة ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا، وليظل بيت المقدس ومسجده المبارك قبلة السائرين، وميزان العاملين، ومحط آمال الصادقين المخلصين في انتظار أن يأتي الله بوعد الآخرة وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد